فيليبو سارديلّا
ملف جيوسياسي ـ عملياتي حول النزاعات المسلحة والبنية النفطية والشبكات العابرة للحدود في غرب ليبيا
***
تعيد هذه الدراسة بناء أزمة الزاوية بوصفها عقدة جيوسياسية في غرب ليبيا: ليست مجرد صدام بين مجموعات مسلحة، بل نقطة تصادم بين البنية التحتية الحيوية للطاقة، وعوائد الوقود المدعوم، والحدود التونسية، وسلسلة قيادة دولة ضعيفة.
يبدأ التقرير من اشتباكات 8 مايو 2026 التي أدت ـ بحسب رويترز ومصادر داخل الشركة المشغلة للمصفاة ـ إلى تعليق العمليات وإجلاء السفن من الميناء. ثم يضع هذه الاشتباكات ضمن ديناميكية أوسع من التنافس على الطرق والمخازن والمدن الساحلية والشبكات غير الرسمية.
تميّز الورقة بين الحقائق المؤكدة، والبيانات المدعومة بقوة، وإشارات المصادر المفتوحة ، والعناصر التي ينبغي مراقبتها، والاستنتاجات التحليلية، مع تجنب تحويل التحليل إلى اتهامات قضائية غير مثبتة.
وتتمثل الفرضية الأساسية في أن الزاوية تمثل نقطة احتكاك تتداخل فيها بصورة بنيوية قضايا الأمن الداخلي، والاقتصاد الإجرامي، والبنية الطاقية الليبية.
ملاحظة منهجية أولية
يعتمد الملف على مقاربة قائمة على الأدلة. فالوقائع المصنفة كحقائق مؤكدة تستند إلى وكالات أنباء دولية أو بيانات رسمية أو مصادر مؤسساتية منسوبة بشكل مباشر. أما البيانات المدعومة بقوة فهي عناصر متكررة ومتقاطعة في عدة مصادر مفتوحة، مثل القدرات الاسمية والمسافات التشغيلية والروابط البنيوية.
وتشمل إشارات المصادر المفتوحة مواداً متاحة للعامة لا يمكن دائماً التحقق منها بشكل مستقل، لكنها تصبح مفيدة إذا انسجمت مع أدلة أخرى. أما الاستنتاجات التحليلية فهي تقييمات احترازية للدلالات الاستراتيجية للأحداث، ولا تغني عن التحقق القضائي أو التحقيقي.
التحديث حتى 9 مايو 2026، الساعة 5:53 مساءً بتوقيت وسط أوروبا الصيفي، مع التركيز على العلاقة بين الأمن والطاقة والعائد الاقتصادي والسيطرة على الأرض.
لماذا لا تُعد الزاوية هامشاً: الجغرافيا المختصرة للدخل الليبي
تقع الزاوية غرب طرابلس، على شريط ساحلي تتحول فيه الجغرافيا إلى مصدر للعائد. ففي نطاق بضعة كيلومترات فقط تتداخل مدينة كثيفة السكان، ومصفاة كبيرة، وميناء نفطي، والطريق المؤدي إلى الحدود التونسية، وامتداد داخلي تتراجع فيه قدرة الدولة الليبية على فرض السيطرة بصورة متقطعة.
وفي بلد تعاني مؤسساته من الانقسام، وتنتشر فيه قوى مسلحة شبه مستقلة، وتاريخ طويل منذ 2011 من “تَمليش” الأمن، فإن هذا التداخل يجعل البنية النفطية أداة سياسية وإجرامية في آن واحد.
تقع الزاوية على المحور الساحلي بين طرابلس والحدود التونسية، وهو ما يفسر لماذا لا تُعد أزمتها محلية؛ فالمشهد يجمع بين بنية الطاقة، وشريان التجارة، وفضاء الحدود.
الخبر المباشر يتعلق باشتباكات 8 مايو 2026. فقد أفادت رويترز بأن أكبر مصفاة عاملة في ليبيا أغلقت بعد قتال قرب المنشأة، فيما قالت شركة الزاوية لتكرير النفط إنها علّقت عملياتها بالكامل وأجلت السفن من الميناء بعد سقوط قذائف مدفعية ثقيلة على أجزاء من المجمع. كما وصفت وكالة الأناضول، نقلاً عن المؤسسة الوطنية للنفط، الوضع بأنه إغلاق احترازي وإجلاء للعاملين وقصف كثيف طال أجزاء متعددة من الحقل النفطي.
إذا نُظر إلى هذه الوقائع منفصلة فإنها تصف حالة طوارئ صناعية؛ أما إذا قُرئت في سياقها فإنها تشير إلى مشكلة أعمق: هشاشة البنية الطاقية عندما تتفتت السيطرة على الأرض.
أما البعد التونسي فليس ثانوياً. فالزاوية تُذكر منذ سنوات كنقطة ساخنة لشبكات تهريب الوقود والبضائع نحو الحدود. ويخلق الفرق بين أسعار الوقود المدعومة داخلياً والأسعار الخارجية حافزاً اقتصادياً قوياً، فيما تتيح السواحل والحدود قنوات بديلة، وتخفض هشاشة المؤسسات كلفة المخاطرة. عند هذا التقاطع تتحول القضية من مجرد جريمة إلى مسألة جيوسياسية، ليس لأن كل مجموعة مسلحة تمتلك خطة استراتيجية متماسكة، بل لأن التنافس على العائد المحلي ينعكس على أمن الطاقة والعلاقات الحدودية والميزانية العامة وهيبة الدولة.
التسلسل العملياتي: من الاشتباكات إلى إغلاق المصفاة
المستوى الأول للأزمة هو المستوى العملياتي. فمصفاة الزاوية، التي تشير رويترز والأناضول إلى أن قدرتها تبلغ نحو 120 ألف برميل يومياً، مرتبطة بحقل الشرارة، أحد أهم مصادر الإنتاج في البلاد، والمقدر بحوالي 300 ألف برميل يومياً. وعندما تُغلق منشأة بهذا الحجم، فإن الأمر لا يقتصر على توقف تقني للإنتاج، بل يطلق إشارة خطر لشبكة التوزيع الداخلي والميناء والعاملين والشركات المرتبطة ومصداقية الحوكمة النفطية.
ولا ينبغي فهم إعلان الطوارئ باعتباره إجراءً فنياً فقط. فقرار إجلاء السفن والعاملين يعني أن الخطر المتصور لم يكن بعيداً عن الأصل الاستراتيجي، بل قريباً بما يكفي للتأثير على أمن المنشأة ومسؤولية المشغل الصناعية. ووفقاً للمصادر الصحفية، أكدت المؤسسة الوطنية للنفط سلامة العاملين وبقاء فرق الإطفاء في الموقع.
إذن، الحقيقة المؤكدة هي الإغلاق الاحترازي؛ أما الاستنتاج التحليلي فهو أن الحوكمة الطاقية الليبية لا تزال عاجزة عن عزل الأصول الحيوية بشكل كامل عن النزاعات المسلحة داخل المدن.
الوقود المدعوم بوصفه الاقتصاد السياسي للنزاع
المستوى الثاني اقتصادي. فقد قدّرت منظمة “ذا سنتري” أن توسع تهريب الوقود بين 2022 و2024 تسبب في خسائر لليبيين تقارب 20 مليار دولار. ولا ينبغي إسقاط هذا الرقم مباشرة على أزمة مايو 2026 في الزاوية باعتباره دليلاً مباشراً على الاشتباكات، لكنه يوفر سياقاً دلالياً مهماً: فالوقود الليبي ليس مجرد سلعة عادية، بل مصدر دخل ريعي ناتج عن الدعم الداخلي وغموض التوزيع ووجود منافذ خارجية.
ومن هذا المنظور، تكتسب الزاوية أهميتها لأنها جزء من سلسلة قيمة لا تُشتق فقط من النفط المستخرج، بل أيضاً من الفارق بين السعر المدعوم، والوصول إلى قنوات التوزيع، والقدرة على التصدير غير الرسمي.
وتزيد الحدود التونسية من تعقيد هذا المنطق. فعندما تكون المدينة النفطية قريبة أيضاً من ممر بري وميناء، يصبح بالإمكان تدفق الريع في اتجاهات متعددة: عبر الطرق البرية، أو البحر، أو البضائع التجارية، أو الوقود، أو شبكات الوساطة، أو الحماية المسلحة.
وهنا يصبح توصيف “العصابات المتنافسة” وصفاً قاصراً؛ فالفئة التحليلية الأكثر فائدة هي “منظومة الريع”: مجموعات مسلحة، ومسؤولون محليون، ووسطاء تجاريون، وشبكات حدودية، وفاعلون مؤسساتيون يعملون في بيئة يمكن أن يولد فيها التحكم في مخزن أو طريق أو معبر أو حي قيمة اقتصادية ونفوذاً سياسياً.
الفاعلون والحوافز: الأزمة كمنافسة متعددة المستويات
المستوى الثالث سياسي ـ أمني. فقد قدمت سلطات غرب ليبيا العملية في الزاوية باعتبارها حملة تستهدف أوكار الجريمة والمطلوبين، وربطت الأزمة بجرائم قتل وخطف وابتزاز وتهريب مخدرات وأسلحة وبشر والهجرة غير النظامية.
هذه الصياغة، التي وردت في مصادر إقليمية ودولية، تشير إلى محاولة لتحويل الأزمة المسلحة المحلية إلى حملة لاستعادة النظام العام. لكن في ليبيا غالباً ما يكون الحد الفاصل بين فرض الأمن وإعادة توزيع موازين القوة غامضاً: فقد تقلص العملية تهديداً فورياً، لكنها قد تعيد في الوقت نفسه توزيع النفوذ بين الشبكات المسلحة والبلديات والأجهزة والمراكز السياسية.
الحقيقة المؤكدة هي إطلاق عملية أمنية بعد الاشتباكات. والحقيقة المدعومة بقوة هي الأهمية التاريخية للزاوية في اقتصاديات الوقود والبضائع غير الرسمية. أما الإشارة التي ينبغي التعامل معها بحذر فهي تداول فيديوهات وشهادات عن قتال داخل الأحياء السكنية وعند المجمع النفطي؛ فهي مفيدة لفهم إدراك المخاطر، لكنها لا تصلح كدليل مستقل من دون تحديد جغرافي وتحقيق.
أما الاستنتاج التحليلي فهو أن الأزمة تمثل نافذة لإعادة التنظيم: فقد تحاول الدولة تقويض بعض الشبكات، لكنها قد تثير ردود فعل إذا اعتُبرت العملية انتقائية أو مجرد نقل للعائد من مجموعة إلى أخرى.
______________
