لم تعد الأزمة الليبية منذ عام 2011 مجرد صراع تقليدي على السلطة بين فاعلين سياسيين، بل تحوّلت إلى نموذج معقّد لإعادة تشكيل مفهوم القوة داخل الدولة ذاتها.
فمع انهيار مؤسسات النظام السابق عقب سقوط نظام القذافي، لم يقتصر التغيير على انتقال سياسي، بل امتد ليشمل تفكك البنية الاحتكارية للقوة، وصعود أنماط غير تقليدية من الفاعلين المسلحين الذين أعادوا توزيع النفوذ خارج الإطار الرسمي للدولة.
وفي هذا السياق، لم تعد الميليشيات مجرد أدوات مؤقتة فرضتها لحظة انتقالية، بل أصبحت مكونات بنيوية في النظام السياسي والأمني، ترتبط بشبكات مصالح اقتصادية ومحلية عميقة.
وتكشف التجربة الليبية عن تحوّل أوسع في طبيعة الدولة في البيئات الهشّة، حيث يتراجع نموذج المركزية الصارمة لصالح أنماط متعددة من السلطة المتداخلة، تجمع بين الرسمي وغير الرسمي، المحلي والخارجي.
هذا التحول لا يعكس فقط فشل إعادة بناء الدولة بعد الصراع، بل يطرح تساؤلات جوهرية حول إمكانية استعادة احتكار القوة في ظل تعدد الفاعلين وتداخل المصالح. ومن ثم فإن فهم المشهد الليبي يتطلب تجاوز المقاربات التقليدية، والنظر إليه كنموذج مركب لإدارة الصراع والقوة في سياق تتشابك فيه الأبعاد الأمنية، والسياسية، والاقتصادية.
وانطلاقًا من ذلك، يسعى هذا المقال إلى تحليل تطور القوة غير التقليدية في ليبيا، واستكشاف طبيعة النموذج متعدد المراكز الذي يحكم الصراع، وصولًا إلى تقييم التحديات والآفاق المرتبطة بإعادة ضبط العلاقة بين الدولة وهذه القوى، في إطار محاولة أوسع لفهم مستقبل الاستقرار وإعادة بناء الدولة الليبية.
أولا– نشوء القوة غير التقليدية في ليبيا:
منذ سقوط نظام القذافي عام 2011، غدت ليبيا ساحة صراع مستمر بين قوة الدولة المركزية وقوى غير تقليدية متعددة الشرائع. بعد الإطاحة بالقذافي انهارت مؤسسات الدولة التقليدية وتفكك الجيش النظامي، مما سهّل انتشار الميليشيات وظهور قوى مسلحة غير حكومية تمسك بالسلطة على الأرض وتتحكم في الأمن والموارد المحلية بطرق تتجاوز الشرعية الرسمية، حتى أصبحت جزءًا من بنية الحكم نفسها.
هذا الفراغ السياسي والأمني أتاح للميليشيات أن تصبح لاعبًا رئيسيًا في رسم مستقبل الأمن والحكم المحلي، مما أضعف سلطة الدولة وأعاد توزيع النفوذ على أسس غير رسمية.
في السنوات الأولى التي تلت عام 2011، وُضعت الأسلحة التي كانت بحوزة الجيش الليبي السابق في متناول المقاتلين المحليين، فانطلقت ما كانت مجموعات ثورية لمحاربة النظام، إلا أنها سرعان ما تحولت إلى حركات شبه مستقلة ركّزت على فرض نفوذها في الأحياء والمدن بدلًا من الانضواء تحت قيادة مركزية واضحة.
ومع الوقت أخذت هذه الميليشيات مبادرات جديدة تتعلق بإدارة الأمن والبنى التحتية ومرافق الخدمات في مناطقها، نتيجة الفراغ الذي تركته الدولة. هذا التحول من مجموعات ثورية إلى قوة شبه مؤسسية يعكس قدرة الميليشيات على الاستفادة من الفراغ المؤسسي ويبرز مرونتها في التأقلم مع الواقع المحلي، مما يجعل السيطرة عليها أكثر تعقيدًا.
تميّزت هذه الجماعات المسلحة بالقدرة على بناء شبكات علاقات محلية وخارجية، وغالبًا شكلت نظم قوة موازية للدولة، تمكنها من السيطرة على المواقع الاستراتيجية، مثل المطارات والموانئ، والمقار الحكومية، وتتداخل معها مصالح اقتصادية بما فيها التحكم في الأرباح التجارية أو الموارد النفطية، مما عزز حضورها وأعطاها نفوذًا يتجاوز البعد العسكري إلى البعد السياسي والمالي داخل ليبيا.
القوة غير التقليدية هنا ليست مجرد قدرة قتالية، بل هي شبكة مصالح متعددة الأبعاد، مرتبطة بالاقتصاد والسياسة المحلية، مما يجعلها طرفًا لا يمكن تجاهله في أي تسوية سياسية أو أمنية.
ومع مرور السنوات، باتت هذه الميليشيات تُصنَّف بطابع شبه منظم، إذ استندت بدرجة كبيرة إلى اعتبارات محلية واقتصادية أكثر من انتماءات سياسية أيديولوجية، مما يجعلها قوى ضاغطة فاعلة في الساحة الليبية سواء عند إدارة الأزمات أو اندلاع مواجهات جديدة بين هذه الفصائل أو بينها وبين الأجهزة الحكومية.
الطبيعة المحلية والاقتصادية للميليشيات تجعلها أكثر ثباتًا واستدامة مقارنة بالانقسامات السياسية، إذ تتحكم بمقدرات المجتمع المحلي وتستطيع فرض إرادتها حتى على بعض الجهات الرسمية.
وفي السنوات الأخيرة وُصفت الاشتباكات بين الفصائل المسلحة في طرابلس بأنها من أشرس المعارك منذ فترة طويلة، تجلّى التشابك بين القوى غير التقليدية والدولة في صورته العدوانية. ففي مايو 2025، أدى مصرع شخصية بارزة “غنيوة ” داخل ميليشيا “جهاز دعم الاستقرار” إلى اندلاع اشتباكات كبيرة في العاصمة، مما أسفر عن سقوط قتلى وعمّد هشاشة وقف إطلاق النار بين الفصائل المتصارعة، وأبرز الصراع بين الحكومة المركزية المؤقتة وتشكيلات مسلحة مستقلة على الأرض.
هذه الأحداث الجديدة تبين أن القوة غير التقليدية ليست قوة هامشية، بل قادرة على التأثير مباشرة في الأمن الوطني وتبرز هشاشة الدولة في فرض سيطرتها على العاصمة والمناطق الحيوية.
ورغم إعلان رئيس الحكومة في غرب ليبيا عن مشروع “ليبيا خالية من الميليشيات” ومحاولات تفكيك الجماعات المسلحة الخارجة عن مؤسسات الدولة، فإن التحديات لا تزال عميقة، إذ لا تزال الكثير من التشكيلات المسلحة متجذّرة في الحياة الأمنية والسياسية، مما يعكس مدى ارتباطها بنسيج المجتمع المحلي ومؤسسات السلطة في آن واحد.
يؤكد هذا أن محاولات الدولة لاحتكار القوة الشرعية تواجه مقاومة بنيوية، وأن أي مشروع لتفكيك القوة غير التقليدية يحتاج إلى استراتيجيات شاملة تشمل العوامل الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية.
الأمر هنا لا يُختصر في مجرد وجود فصائل مسلحة، بل يمتد ليشمل شبكات مصالح اقتصادية مرتبطة بالتهريب والموارد والسيطرة على الأسواق غير الرسمية التي استفادت من الفراغ التنظيمي، مما يؤكد أن القوة غير التقليدية في ليبيا جزء من اقتصاد نفوذ مسلح يؤثر في إعادة إنتاج النزاعات ويعقّد مسارات بناء الدولة الموحدة.
هذا يوضح أن أي خطة لإعادة الدولة إلى السيطرة الكاملة لن تنجح إذا لم تتعامل مع البنية الاقتصادية المصاحبة للميليشيات، التي تشكل أداة قوة واستدامة لنفوذها.
والنتيجة أن ليبيا اليوم لا تزال تواجه واقعًا أمنيًا معقدًا تتموضع فيه القوة خارج إطار الجيش الرسمي باعتبارها قوة ضاغطة فاعلة، ولا تظهر أي بوادر حل سريع لإعادة احتكار الدولة لاستخدام القوة الشرعية، مما يعكس استمرار بقاء السلطة غير التقليدية عنصرًا محوريًا في بنية النظام السياسي والأمني الليبي المعاصر.
بالتالي يبرز أن القوة غير التقليدية أصبحت جزءًا من النسيج السياسي والأمني لليبيا، وأن أي معالجة للأزمة الأمنية أو السياسية يجب أن تتعامل مع هذه القوى كعنصر أساسي وليس مجرد تهديد مؤقت.
…
يتبع
***
عبدالله فارس القزّاز ـ باحث في الشئون الإفريقية
__________
