
تتحرك ليبيا نحو استثمار الزخم المتصاعد في قطاع النفط والغاز، عبر استقطاب شركات الطاقة الكبرى وتوسيع مشروعات الاستكشاف والتطوير، في مسعى لتحويل ثرواتها إلى محرك رئيسي للنمو الاقتصادي.
ويرى خبراء طاقة واقتصاد تحدثوا لـ«إرم بزنس» أن تنامي حضور الشركات العالمية داخل السوق الليبي يعكس ثقة متزايدة بقدرة البلاد على استعادة مكانتها كمركز طاقة مؤثر في إفريقيا والمتوسط، مع توقعات بارتفاع الإنتاج والتدفقات المالية إذا استمرت حالة الاستقرار الأمني والاقتصادي.
وتعتمد ليبيا على حوالي 98% من احتياجاتها للطاقة من النفط والغاز، ويمثل النفط القوة الدافعة للاقتصاد الليبي حيث يشكل قرابة 96% من الصادرات، وما يصل إلى نحو 98% من إيرادات خزينة الدولة.
وعلى مدار أكثر من عقد، تكبد قطاع الطاقة الليبي خسائر بمليارات الدولارات جرّاء الصراعات المسلحة والاضطرابات السياسية، مع تكرار إغلاقات الحقول والموانئ النفطية، ما أدى إلى خسائر تقدر بنحو 100 مليار دولار منذ عام 2011، بحسب بيانات رسمية.
ليبيا ترفع إنتاجها النفطي إلى أعلى مستوى منذ 2012
استعادت ليبيا زخمها النفطي خلال عام 2025، مع تسارع وتيرة الإنتاج بما يعزز موقعها في سوق الطاقة العالمي، إذ كان من المتوقع أن يبلغ الإنتاج نحو 1.38 مليون برميل يومياً بنهاية العام، وهو أعلى مستوى منذ 2012.
لكن الإنتاج واصل الصعود متجاوزاً التقديرات، ليسجل في 5 أبريل الماضي نحو 1.43 مليون برميل يومياً، في أعلى معدل إنتاج تشهده البلاد منذ أكثر من عقد، وفق تصريحات رئيس المؤسسة الوطنية للنفط الليبية مسعود سليمان آنذاك.
وتخطط ليبيا لمشاريع بقيمة 17 مليار دولار في السنوات المقبلة لتحديث وبناء البنية التحتية الجديدة، وتطوير الحقول التي تم تقييمها بخلاف زيادة إنتاج النفط إلى 1.8 مليون عام 2027، ومليوني برميل يومياً في السنوات الخمس المقبلة، بحسب تقديرات رسمية.
اتفاقيات شيفرون.. رهان ليبيا على النفط غير التقليدي
وفي 28 أبريل الماضي، وقعت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، مذكرة تفاهم مع شركة «شيفرون» الأميركية العملاقة للطاقة، تهدف إلى إجراء دراسة لتقييم الإمكانات الواعدة لموارد النفط والغاز غير التقليدية في ثلاثة من أهم الأحواض بالبلاد (سرت، ومرزق، وغدامس)، وفقاً لما أعلنه رئيس المؤسسة مسعود سليمان.
سليمان اعتبر في بيان وقتها أن هذا الاتفاق «يمثل علامة فارقة مهمة في تطوير قطاع الطاقة في ليبيا»، لافتاً إلى أن التقديرات الأولية تشير إلى وجود نحو 123 تريليون قدم مكعبة من الغاز، إضافة إلى ما يقارب 18 مليار برميل من النفط تقريباً.
وهذا ثاني اتفاق في نحو شهر، مع الشركة ذاتها، إذ أعلن سليمان في 27 مارس الماضي، توقيع مذكرة تفاهم مع شركة «شيفرون» الأميركية لإجراء دراسة فنية متكاملة للمنطقة البحرية «NC146» ، لافتاً إلى أنها تحمل مؤشرات جيولوجية مشجعة قد تسهم في تحقيق اكتشافات نوعية تعزز الاحتياطي الوطني.
طفرة نفطية متوقعة بشرط الاستقرار الأمني والاقتصادي
يعتقد رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية المحلل الاقتصادي، خالد بوزعكوك، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن عودة الشركات العملاقة لليبيا لمزيد من التعاون مع شركة مثل «شيفرون» مؤشر جيد على حالة الاستقرار والأمني النسبي، وسيؤدي لرفعة كفاءة ذلك القطاع النفطي بعد فترة من التعثر مما ينعكس على مستوى الإنتاج ضمن خطة مؤسسة النفط للوصول لأكثر من مليوني برميل يومياً.
وأشار إلى أن الشركات العملاقة تعود مع وضع اقتصادي بدأ يشهد اتفاقاً على ميزانية موحدة تضمن إيرادات معتبرة لدعم المؤسسة النفط وهذا يعزز من فرص تحقيق طفرة بقطاع النفط الذي عاني من عدم التطوير أو الصيانة لسنوات، مع استفادته من إمكانيات تلك الشركات.
وفي أبريل الماضي تم التوافق على إنفاق موحد على مستوى البلاد يعد الأول منذ أكثر من 13 عاماً»، وذلك بقيمة 190 مليار دينار ليبي (29.95 مليار دولار) للميزانية، منها 13 ملياراً للمصروفات التشغيلية للمؤسسة الوطنية للنفط، وفق ما ذكر عبد الجليل الشاوش ممثل المجلس الأعلى للدولة في طرابلس لـ«رويترز»، ووسائل إعلام ليبية.
لكن سيكون هناك تحديان اثنان أمام الاستفادة القصوى من عودة الشركات العملاقة وزيادة التعاون معها، بحسب الخبير الاقتصادي خالد بوزعكوك، الأول التحدى الأمني وأهمية أن تعزز حالة الاستقرار بصورة كبيرة، لتزداد استثمارات الشركات والثاني مرتبط باستقرار سعر الدولار لطمأنة الشركات وزيادة استثماراتها وجني ليبيا أرباحاً.
خبراء: التعاون مع الشركات الكبرى دفعة قوية لصناعة النفط
باعتقاد الخبير النفطي الليبي، محمد الشحاتي، في حديث لـ«إرم بزنس»، فإن «التعاون مع الشركات الكبرى سيعطي بالتأكيد دفعة قوية لصناعة النفط في ليبيا، التي تحتاج للاستثمار ونقل التكنولوجيا»، مشدداً على أهمية رؤية اتفاقيات تجارية مع تلك الشركات الكبرى خاصة وشركة شيفرون قد فازت بامتياز نفطي مهم في الجولة الأخيرة من المناقصات التي أعلنت فبراير الماضي.
وأضاف الشحاتي وهو خبير نفطي سابق بمنظمة أوبك أن «الاتفاقات مهمة لاستقرار الوضع الاقتصادي وتمكن بطريقة غير مباشرة من تهيئة البيئة الإدارية الداعمة لنشاط الشركات الدولية في قطاع النفط».
ورغم ذلك يرى أنه لا تزال توجد تحديات سياسية في ليبيا والشركات تضع هذا في الاعتبار حيث نجد أن حركتها تجاه ليبيا لا زالت نوعاً ما بطيئة، لكن عودتها مهمة.
فرص ليبيا في سوق الطاقة العالمي.. الموقع والاحتياطيات
المستشار السابق بوزارة النفط والخبير الاقتصادي، أحمد الغابر، قال لـ«إرم بزنس» إن ليبيا تمتلك مخزونات كبيرة نسبياً، وفي ضوء ذلك قامت وزارة النفط في 2022 بتكليف لجنة من الجيولوجيين لدراسة المعلومات المتوفرة وتقدير الاحتياطات المحتملة من النفط والغاز الصخريين.
وأضاف أنه في 2024 تم تقديم تقرير متكامل للحكومة حول النفط والغاز الصخريين مع مقترح لبرنامج تقييم فني وتنفيذ حفر بئر في أحد المواقع لتأكيد بعض البيانات، وتوقف المشروع لفترة بسبب تغيير القيادات في المؤسسة والوزارة، لكن قامت مؤسسة النفط بالتعاقد مع شركة شيفرون لدراسة برنامج تقييم واختبار مكونات الغاز والنفط الصخريين بناء على البيانات المتوفرة ودراسة إمكانية تطوير ما يثبت جدواه، موضحاً أن استخراج الغاز والنفط الصخريين عملية عسيرة ومكلفة، خاصة وأنه يحتاج كميات كبيرة من المياه لتكسير الطبقات الحاوية للغاز أو النفط، وهذا تحدٍّ معتبر.
لكن لو تم تجاوز هذه التحديات فإن ليبيا بحسب الغابر «قد تشهد طفرة نفطية حتمية وسيكون لها دور كبير كمالك ومنتج كبير للنفط والغاز الصخريين في موقع جغرافي استراتيجي قريب من أكبر سوق استهلاكي للنفط والغاز وهو السوق الأوروبي»، مضيفاً: «ولو تعاونت الأطراف المحلية والدولية واستقرت الأوضاع في ليبيا فإنه سيكون أحد الحلول السريعة لأزمة الطاقة في قلب العالم».
وعلى الرغم من توفر هذه الإمكانيات النفطية الهائلة، يرى الغابر تحدياً آخر وهو أن البلاد لا تزال تعاني من حالة انقسام تشكل معضلة كبيرة أمام الحركة وتنفيذ العمليات والمشاريع، مؤكداً أنه حال وحّدت ليبيا صفوفها الإدارية والمالية وأمّنت عملياتها النفطية، سنرى طفرة غير مسبوقة على أرض الواقع.
ليبيا تفتح أبوابها أمام شراكات طاقة بمئات المليارات
وكانت ليبيا قد منحت في فبراير الماضي، تراخيص تنقيب عن النفط والغاز لشركات أجنبية من بينها «شيفرون» و«إيني» و«قطر للطاقة» و«ريبسول» في أول جولة عطاءات منذ 2007، في إطار سعيها لإنعاش القطاع رغم المخاطر السياسية.
وأواخر يناير الماضي، اختتمت «قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد 2026» أعمالها في طرابلس، بمشاركة 62 شركة دولية، بينها 19 شركة فرنسية، و17 شركة أميركية، و16 شركة من المملكة المتحدة، إضافة إلى 6 شركات إيطالية و4 شركات تركية.
وتمثلت أبرز مخرجات القمة في توقيع اتفاق تطوير طويل المدى لمدة 25 عاماً ضمن شركة «الواحة للنفط»، بالشراكة مع شركتي «توتال إنرجيز» الفرنسية و«كونوكو فيليبس» الأميركية، باستثمارات تتجاوز 20 مليار دولار، وفق ما ذكره رئيس حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، عبر منصة «إكس».
وبحسب البيانات الرسمية، يتوقع أن تحقق هذه المشاريع صافي إيرادات للدولة الليبية تتجاوز 376 مليار دولار على مدى فترة الاتفاق، من دون تحميل الخزانة العامة أعباء تمويلية إضافية.
وعلى الرغم من تحقيق ليبيا 22 مليار دولار من بيع النفط العام 2025، بزيادة تخطت 15 % عن العام السابق، تعاني البلاد من عجز في العملات الأجنبية بلغ 9 مليارات دولار، وفق المصرف المركزي.
__________