يونس موسى
هذه الزيادة تسلط الضوء على الضغوط التي تواجه شبكة التوزيع الليبية مع نقل ملايين اللترات خلال ساعات
تشهد ليبيا تسارعاً في عمليات توزيع الوقود في منطقة طرابلس الكبرى، بعدما قامت شركة البريقة لتسويق النفط بتوزيع ما يقارب ستة ملايين لتر من البنزين خلال نصف يوم فقط.
ويعكس هذا الارتفاع جهوداً عاجلة لتحقيق الاستقرار في الإمدادات داخل العاصمة، بعد الازدحام الذي شهدته محطات الوقود مؤخراً وتصاعد المخاوف الشعبية بشأن توفر الوقود.
وأكدت شركة البريقة أن فرق التوزيع ضخت نحو ستة ملايين لتر في سوق طرابلس الكبرى بحلول منتصف النهار، من أصل خطة يومية تستهدف توزيع 8.3 ملايين لتر.
كما أفادت الشركة بوجود نشاط مكثف في ميناء طرابلس، حيث تم في اليوم السابق سحب أكثر من 8.2 ملايين لتر من البنزين من مرافق التخزين ضمن عمليات الإمداد المستمرة.
وتشير هذه الأرقام إلى أن منظومة التوزيع تعمل تحت ضغط كبير، لكنها لا تزال قادرة على تحريك كميات ضخمة من الوقود بسرعة عندما تتوفر الظروف اللوجستية المناسبة.
كما تكشف مدى حساسية سوق الوقود الليبي لأي اضطرابات قصيرة الأمد في النقل أو التنسيق بين مرافق التخزين أو عمليات التوزيع على مستوى المحطات.
شبكة الوقود في طرابلس تواجه اختناقات متكررة
غالباً ما تعتمد وفرة الوقود في طرابلس على كفاءة التوزيع أكثر من اعتمادها على حجم الإنتاج الوطني. فعلى الرغم من أن ليبيا تنتج كميات كبيرة من النفط الخام، فإنها ما تزال تعتمد على ترتيبات معقدة تتعلق بالتكرير والاستيراد والنقل لتلبية الطلب المحلي على الوقود.
وتعكس الطوابير الأخيرة أمام محطات الوقود في العاصمة تحديات هيكلية داخل سلسلة التوزيع. فالتأخير في نقاط التحميل، وعدم انتظام جداول التوريد، والازدحام في المستودعات، كلها عوامل تسهم في حدوث نقص مؤقت في الإمدادات حتى عندما تكون الشحنات متوافرة وتتحرك بشكل طبيعي.
وتُظهر حملة التوزيع الأخيرة التي نفذتها شركة البريقة أن كميات الوقود يمكن أن تصل بسرعة إلى الأسواق عندما يتحسن التنسيق بين الجهات المعنية. ومع ذلك، لا تزال المنظومة تواجه صعوبة في الحفاظ على تدفق مستقر ومنتظم للوقود إلى جميع مناطق طرابلس الكبرى دون انقطاع.
كما تلعب القدرة على النقل دوراً محورياً في هذا السياق، إذ يتعين على شاحنات الوقود نقل المنتجات من مرافق التخزين الساحلية إلى المناطق الحضرية المكتظة، حيث قد يرتفع الطلب بشكل غير متوقع. وأي خلل في مسارات النقل أو جداول التوزيع ينعكس فوراً على شكل نقص ظاهر في محطات التزود بالوقود.
الضغوط الاقتصادية الناتجة عن تقلبات توزيع الوقود
يحمل توزيع الوقود في طرابلس آثاراً اقتصادية مباشرة. فتكاليف النقل والخدمات اللوجستية وتقديم الخدمات تعتمد جميعها على توفر الوقود بصورة مستقرة. وعندما تزداد طوابير الانتظار أو تتباطأ عمليات التوزيع، تتحمل الشركات تكاليف تشغيل إضافية، بينما يواجه المستهلكون ضغوطاً غير مباشرة تتمثل في ارتفاع الأسعار.
وتعد خدمات سيارات الأجرة، وشركات التوصيل، وشركات البناء، وتجار التجزئة الصغار من أول القطاعات التي تتأثر بهذه الاضطرابات، نظراً لاعتمادها على توفر الوقود بشكل منتظم للحفاظ على نشاطها اليومي. وحتى الانقطاعات القصيرة يمكن أن تترك آثاراً متسلسلة على النشاط التجاري في العاصمة.
ومن هذا المنطلق، فإن الزيادة الأخيرة في حجم التوزيع تتجاوز مجرد كونها أرقاماً تتعلق بالإمدادات، إذ تعكس محاولة لتجنب احتكاكات اقتصادية أوسع خلال فترة تشهد ارتفاعاً في الطلب وضغوطاً لوجستية متزايدة.
كما تواجه منظومة الوقود الليبية تحديات إضافية مرتبطة بالنشاط غير الرسمي في السوق ومخاطر تهريب الوقود وتحويله عن مساراته القانونية، وهي عوامل تؤثر على توفر الوقود محلياً وتزيد من الضغوط على قنوات التوزيع الرسمية.
زيادة التدفقات استعداداً للطلب الموسمي
يتزامن رفع وتيرة التوزيع مع الأنماط الموسمية للطلب. فمع ارتفاع درجات الحرارة، يزداد استهلاك الوقود عادة في مختلف أنحاء ليبيا نتيجة تنامي حركة النقل وارتفاع احتياجات توليد الكهرباء.
وغالباً ما تسعى الجهات المختصة إلى تكوين مخزونات احتياطية في المدن الكبرى قبل ذروة الطلب الصيفي. وتحظى طرابلس، باعتبارها أكبر مركز للاستهلاك في البلاد، بأولوية في تخصيص الإمدادات بهدف تقليل مخاطر حدوث نقص واسع النطاق خلال فترات الطلب المرتفع.
وتشير عمليات التفريغ والتوزيع المستمرة التي تنفذها شركة البريقة في ميناء طرابلس إلى التركيز على ضمان تدفقات منتظمة للوقود بدلاً من الاقتصار على التدخلات الطارئة. وتهدف الشحنات الدورية وسرعة إعادة التوزيع إلى الحد من التأخير في التخزين ومنع الاختناقات داخل مرافق الإمداد.
غير أن هذا النهج يساعد على استقرار الوضع على المدى القصير، دون أن يعالج بصورة كاملة القيود المزمنة المتعلقة بسعة التخزين والبنية اللوجستية الداخلية.
التحديات الهيكلية ما تزال تحدد ملامح سوق الوقود الليبي
على الرغم من ضخامة الكميات الموزعة، لا يزال سوق الوقود الليبي يعاني من أوجه قصور هيكلية تشمل محدودية التخزين، وضعف قدرات النقل، والثغرات في التنسيق بين مختلف الجهات الفاعلة في سلسلة الإمداد.
وتبرهن حملة التوزيع الأخيرة في طرابلس على قدرة تشغيلية عالية، لكنها لا تمثل حلاً جذرياً للمشكلات البنيوية. فالمنظومة قادرة على نقل كميات كبيرة بسرعة، إلا أنها لا تزال تعتمد على تنسيق مستمر بين الموانئ والمستودعات وشبكات النقل البري ومحطات التوزيع.
وسيتطلب تحقيق تحسن مستدام أكثر من مجرد زيادات مؤقتة في التوزيع، إذ يحتاج الأمر إلى تطوير البنية التحتية اللوجستية، وتحسين أنظمة الجدولة، وتشديد الرقابة على مخاطر تهريب الوقود وتحويله عن مساراته القانونية داخل سلسلة الإمداد.
وفي الوقت الراهن، توفر الحركة السريعة للوقود في أنحاء طرابلس الكبرى متنفساً مؤقتاً. لكن التحدي الأكبر يتمثل في تحويل هذا الأداء السريع إلى حالة مستقرة ودائمة بدلاً من أن يكون مجرد استجابة ظرفية للأزمات، خاصة مع استمرار نمو الطلب في المراكز الحضرية الليبية.
__________