عبدالله فارس القزاز

ثانياتوحيد الإنفاق العام وتعزيز الاستقرار المالي:

في ظل الانقسام المؤسسي الذي تعيشه ليبيا منذ عام 2014، لم يعد الخلاف محصورًا في الشرعية السياسية فقط، بل امتد ليشمل البنية المالية للدولة، حيث أصبح الإنفاق العام أحد أبرز أدوات إدارة الصراع بين الشرق والغرب بدلًا من كونه آلية لتنفيذ سياسات تنموية موحدة.

وفي هذا السياق جاء الاتفاق على توحيد الميزانية والإنفاق العام في أبريل 2026، كامتداد مباشر لمسار برنامج التنمية الموحدالموقع في 2025، في محاولة لإعادة ربط السياسة المالية بمسار اقتصادي واحد بعد سنوات من الازدواج المالي، وهو ما يعكس انتقال الدولة الليبية من مرحلة تعدد الحكومات إلى مرحلة تعدد الأدوات داخل الدولة الواحدة، حيث يصبح الانقسام المالي أكثر تأثيرًا من الانقسام السياسي نفسه، وهو نمط يتكرر في الدول الهشة التي تتحول فيها المالية العامة إلى ساحة تفاوض سياسي بدل أن تكون أداة حكم اقتصادي.

ويمثل هذا الاتفاق، بحسب بيان مصرف ليبيا المركزي، خطوة لإعادة ضبط السياسة المالية للدولة عبر اعتماد جداول إنفاق موحدة تشمل مختلف أبواب الميزانية، بما يحد من حالة الانقسام في إدارة الموارد النفطية ويعزز الاستقرار النقدي وسعر الصرف.

وقد أكد المصرف أن توحيد الإنفاق العام يعد شرطًا أساسيًا لتقليل التشوهات المالية لسعر الصرف العام، وهو ما انعكس خلال السنوات الماضية في تضارب الأولويات وتزايد الضغط على الاحتياطيات النقدية.

تكمن أهمية هذا المسار في أنه يحاول معالجة اختلال السيولة كمدخل للاستقرار، غير أن التجارب المقارنة تشير إلى أن توحيد الجداول المالية دون توحيد السلطة التنفيذية يؤدي غالبًا إلى إعادة إنتاج الأزمة داخل النظام المالي بدل حلها جذريًا، لأن الإشكال لا يتعلق بالإنفاق فقط، بل بمن يمتلك سلطة القرار فيه.

 أيضًا لا يمكن فصل هذا الاتفاق عن التحول التدريجي في بنية الاقتصاد الليبي نحو إدارة الانقسام بدل معالجته، حيث أصبح توحيد الإنفاق أداة لتقليل آثار الصراع السياسي على الاقتصاد، لا حلًا نهائيًا له.

فإن الاقتصادات ذات الانقسام الإداري تواجه صعوبات مزمنة في توحيد السياسة المالية حتى في ظل وجود اتفاقات رسمية، بسبب استمرار تعدد مراكز القرار المالي وضعف آليات الالتزام والتنفيذ، وهو ما ينطبق بشكل مباشر على الحالة الليبية، مما يعني أن الاقتصاد لم يعد تابعًا للسياسة بل أصبح مجالًا موازيًا لها، وأن أي إصلاح مالي يتحول تلقائيًا إلى جزء من التفاوض السياسي وليس نتيجة له.

ويرتبط هذا المسار بمحاولة إعادة توجيه الإنفاق العام نحو الأولويات التنموية بدل إعادة توزيعه وفق توازنات سياسية محلية، حيث يشير عدد من التحليلات الاقتصادية إلى أن الانقسام المالي في ليبيا خلال العقد الماضي أدى إلى تراجع الاستثمار العام لصالح الإنفاق الجاري والدعم، بما خلق اختلالًا هيكليًا في توزيع الموارد وأضعف القدرة على تنفيذ مشروعات تنموية مستدامة.

وبالتالي فإن توحيد الإنفاق لا يمثل مجرد إجراء محاسبي، بل محاولة لإعادة تشكيل توجه الدولة الاقتصادي نحو نموذج أكثر مركزية. وتكشف هذه النقطة أن الإشكال لا يكمن فقط في حجم الإنفاق، بل في بنيته، حيث تتحول الموازنة من أداة تنمية إلى أداة استقرار اجتماعي قصير المدى، وهو ما يفسر محدودية الأثر التنموي رغم وفرة الموارد النفطية.

أما على مستوى الفاعلين المحليين، فإن المواقف من الاتفاق تعكس حالة توازن بين القبول السياسي والحذر التنفيذي، حيث رحبت المؤسسات المالية الرسمية، وعلى رأسها مصرف ليبيا المركزي، باعتباره خطوة نحو استقرار سعر الصرف وتعزيز الانضباط المالي، في حين تبقى الإشكالية الأساسية في قدرة المؤسسات التنفيذية في الشرق والغرب على الالتزام بآليات التنفيذ، خاصة في ظل استمرار شبكات إنفاق محلية تستفيد من الوضع المالي المجزأ.

ويعكس هذا التباين صراعًا على السلطة عبر المالية العامة، حيث يصبح التحكم في الإنفاق وسيلة لإعادة إنتاج النفوذ السياسي، مما يجعل أي توحيد مالي هشًا بطبيعته ما لم يُرافق بإعادة توزيع حقيقية للسلطة الاقتصادية.

وبالتالي يمكن النظر إلى اتفاق 2026، باعتباره امتدادًا عمليًا لمسار بدأ مع الاتفاق التنموي في 2025، حيث يمثلان معًا محاولة لإعادة بناء الدولة عبر توحيد الأدوات الاقتصادية قبل الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.

غير أن هذا المسار يظل هشًا في ظل استمرار تعدد مراكز القوة السياسية والاقتصادية، مما يجعل الاستقرار المالي في ليبيا نتيجة مؤجلة ترتبط بتطور البنية المؤسسية بقدر ما ترتبط بالاتفاقات ذاتها. وهذا يعني أن ليبيا لا تتجه نحو حل نهائي بقدر ما تتجه نحو إدارة طويلة الأمد للانقسام، يتم فيها تخفيف حدة الأزمة دون تفكيك جذورها البنيوية، بما يجعل الاستقرار القائم استقرارًا وظيفيًا أكثر منه استقرارًا مؤسسيًا.

ثالثابداية مسار اقتصادي جديد نحو النمو:

في ظل التداخل بين مسار توحيد الرؤية التنموية في 2025، ومسار توحيد الإنفاق العام في 2026، يمكن قراءة المشهد الاقتصادي في ليبيا بوصفه مرحلة انتقالية من إدارة الأزمة إلى محاولة إعادة تشكيل البنية الاقتصادية للدولة، حيث لم تعد السياسات الاقتصادية منفصلة عن السياق السياسي، بل أصبحت جزءًا من عملية إعادة بناء الدولة ذاتها.

ويعكس هذا التداخل بداية تشكل تصور اقتصادي جديد يقوم على محاولة تحويل الموارد النفطية من أداة صراع إلى أداة إنتاج وتنمية، في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الانقسام المؤسسي يعيق أي مسار نمو طويل الأجل.

هذا التحول لا يعني بالضرورة دخول الاقتصاد الليبي في مرحلة استقرار، بقدر ما يعكس محاولة لإعادة تنظيم الفوضى الاقتصادية داخل إطار مؤسسي أكثر تماسكًا.

فإن الدول التي تعاني من انقسام مؤسسي ممتد غالبًا ما تمر بمرحلة إصلاحات جزئية تستهدف تخفيف الاختلالات بدل معالجتها جذريًا، وهو ما يظهر في الحالة الليبية من خلال التركيز على توحيد الأدوات المالية والتنموية دون اكتمال مسار توحيد الدولة سياسيًا.

ومن هذا المنظور يمكن اعتبار المسار الاقتصادي الحالي محاولة لإعادة تعريف وظيفة الدولة الاقتصادية، بحيث تنتقل من كونها موزعًا ريعيًا للموارد إلى فاعل منظم لإعادة توزيع الاستثمار العام، حتى وإن ظل هذا التحول جزئيًا ومحدودًا.

غير أن هذا الانتقال يبقى مشروطًا بقدرة المؤسسات على تجاوز منطق إدارة الانقسام إلى منطق إنتاج القرار الموحد، وهو شرط لم يتحقق بعد بشكل كامل، في ظل استمرار تشتت مراكز القرار الاقتصادي بين أكثر من سلطة فعلية.

كما أن هذا المسار يواجه تحديًا بنيويًا يتمثل في ضعف القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الليبي واعتماده شبه الكامل على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات، مما يجعل أي محاولة للنمو مرهونة بعوامل خارجية مثل أسعار الطاقة واستقرار الصادرات.

ووفق تحليلات المؤسسات الدولية فإن الاقتصادات الريعية في بيئات منقسمة تواجه صعوبة مضاعفة في تحقيق التنويع الاقتصادي، بسبب تداخل العامل السياسي مع آليات توزيع الموارد، بما يحد من قدرة الدولة على بناء قطاعات إنتاجية مستقلة.

وفي الوقت نفسه فإن ربط المسار التنموي بمسار توحيد الإنفاق يكشف عن محاولة تدريجية لإعادة بناء حلقة الترابط بين السياسة المالية والتنمية الاقتصادية، بحيث تتحول الموازنة العامة إلى أداة لتوجيه النمو بدل أن تكون مجرد آلية لتوزيع الموارد.

غير أن هذه المحاولة تصطدم بواقع مؤسسي غير موحد، يجعل من الصعب تحويل السياسات المعلنة إلى نتائج اقتصادية ملموسة، خاصة في ظل استمرار اختلاف الأولويات بين المؤسسات القائمة.

وبالتالي لا يُقرأ هذا المسار بوصفه بداية منفصلة، بل نتيجة تراكمية لتحولات متزامنة في بنية السياسة المالية والتنموية داخل الدولة، حيث تفاعلت محاولات إعادة تنظيم الإنفاق العام مع إعادة صياغة الأولويات التنموية في اتجاه واحد، مما أنتج حالة من إعادة التشكل التدريجي لوظيفة الدولة الاقتصادية.

في هذا السياق لم تعد التنمية مسارًا مستقلًا، كما لم يعد الإنفاق العام مجرد أداة محاسبية، بل أصبحا جزءًا من عملية واحدة لإعادة ضبط العلاقة بين الموارد والمؤسسات في بيئة مما تزال تعاني من تعدد مراكز القرار.

ومن هذا المنظور لا يُفهم المسار الاقتصادي الحالي باعتباره تحولًا مكتملًا نحو النمو، بل كمرحلة انتقالية تُختبر فيها قدرة الدولة على تحويل أدواتها المالية إلى بنية أكثر تماسكًا، دون أن يعني ذلك تجاوزًا فعليًا لجذور الاختلال البنيوي القائم.

لذلك يظل هذا المسار مفتوحًا على اتجاهين: إما تطور تدريجي نحو نموذج اقتصادي أكثر انتظامًا، أو إعادة إنتاج لنمط إدارة الأزمة ذاته ولكن بأدوات أكثر تنظيمًا وأقل فوضوية.

ختامًا يُظهر المسار الليبي، في شقيه التنموي والمالي، أنه لا يُمكن قراءته بوصفه مجرد سلسلة من التفاهمات التقنية أو الترتيبات الإدارية، بل باعتباره تعبيرًا عن محاولة أوسع لإعادة تشكيل الدولة في ظل انقسام ممتد طال بنيتها السياسية والمؤسسية، فقد أدى تداخل الصراع السياسي مع إدارة الموارد العامة إلى إنتاج واقع تتوزع فيه السلطة بين أكثر من مركز قرار، مما جعل من أي محاولة للإصلاح جزءًا من إدارة التوازنات القائمة، لا مدخلًا لتفكيكها بصورة نهائية.

وفي هذا السياق تبدو الجهود المرتبطة بإعادة ضبط الإنفاق العام وتوجيه الموارد نحو أولويات تنموية أكثر انتظامًا، أقرب إلى أدوات لتخفيف حدة الانقسام وإعادة تنظيمه، أكثر من كونها مسارًا مكتملًا لتجاوزه.

فاستمرار غياب وحدة القرار السيادي، وتعدد مستويات الصلاحية بين المؤسسات المختلفة، يفرض حدودًا بنيوية على قدرة هذه الترتيبات على التحول إلى سياسة دولة مستقرة وقابلة للاستمرار.

وعليه فإن ما يتشكل ليس نموذجًا نهائيًا لإعادة بناء الدولة، بقدر ما هو إطار انتقالي لإعادة تنظيم وظائفها الأساسية، يقوم على محاولة المواءمة بين الممكن السياسي والمتاح الاقتصادي في بيئة شديدة التعقيد.

وإذا استمر هذا المسار دون اختراق مؤسسي حقيقي، فقد يساهم في رفع درجة الانضباط المالي والإداري، لكنه سيظل مرهونًا بإعادة إنتاج منطق الانقسام نفسه، وإن كان بأدوات أكثر تنظيمًا وأقل فوضوية.

وفي ضوء ذلك يظل السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه المقاربات الاقتصادية والتنموية قادرة على التحول إلى مدخل فعلي لإعادة بناء الدولة الليبية، أم إنها ستظل محكومة بسقف الانقسام القائم، بما ينتج استقرارًا وظيفيًا طويل الأمد دون الوصول إلى تسوية سياسية ومؤسسية شاملة.

___________

مواد ذات علاقة