تمويل الطاقة والأطر المؤسسية

لتسهيل هذه الاستثمارات المعقدة في البنية التحتية والطاقة، وافق شرق ليبيا على إنشاء المصرف الليبي للطاقة والتعدين.

وقد كشف مديره، جمعة جاب الله، عن خطط لجلب رأس مال صيني كبير، وهو ينتظر حاليًا موافقة مصرف ليبيا المركزي على رمز سويفت لبدء المعاملات الدولية.

يؤكد هذا التطور تفضيل الصين لبناء أسس مؤسسية إلى جانب البنية التحتية. سيعمل المصرف كقناة مالية لبناء المصافي، وتطوير الموانئ، وعقود الخدمات المرتبطة بها. ومن المتوقع أن يلعب دورًا محوريًا في تسهيل تدفقات رأس المال وضمان الامتثال للمعايير الدولية، حتى في ظل استمرار الانقسام السياسي في ليبيا.

بدأت شركة كيروي بتروليوم، وهي شركة صينية كبرى لخدمات النفط، بالفعل دراسات أولية لمصفاة طبرق بموجب عقد مع هيئة الاستثمار في بنغازي. يؤكد هذا على جاهزية الشركات الصينية التشغيلية للمضي قدمًا في التخطيط التفصيلي، حتى مع استمرار انتظار الموافقات الجيوسياسية.

ودعمًا لهذه الشراكة المتنامية، سافر وفد ليبي رفيع المستوى بقيادة أحد أبناء المشير حفتر، وممثل صندوق تنمية وإعادة إعمار ليبيا مؤخرًا إلى الصين لتعزيز سبل التعاون المتعددة.

عقد الوفد اجتماعات مع شركات صينية رائدة، بما في ذلك هواوي وشركة هندسة الطاقة الصينية (CEEC)، لمناقشة مجموعة واسعة من المشاريع التي تشمل الاتصالات والبنية التحتية للطاقة والخدمات اللوجستية.

والجدير بالذكر أنه وفقًا لمصادرنا داخل ليبيا، تقود هواوي بالفعل طرح شبكة اتصالات مخصصة في شرق ليبيا من خلال مشروع مشترك مع السلطات المحلية، حيث يخضع النظام حاليًا لمرحلة الاختبار. تسلط هذه التطورات الضوء على مشاركة الصين المتعمقة متعددة القطاعات في شرق ليبيا.

الرابط مع أفريقيا: الطرق المؤدية إلى تشاد والسودان

تتجاوز رؤية الصين لليبيا الحدود الوطنية. مع توقع تضاعف عدد سكان أفريقيا بحلول عام 2050، تهدف بكين إلى تعميق طرق التجارة التي تتجاوز نقاط الاختناق البحرية مثل قناة السويسيشمل تحول طبرق خططًا لتوسيع ممرات الطرق السريعة والخدمات اللوجستية جنوبًا إلى تشاد والسودان.

ستسمح هذه الطرق البرية للسلع المصنعة في الصين بالوصول إلى الأسواق الداخلية الأفريقية بسرعة وبتكلفة فعالةفي المقابل، ستحصل الصين على إمكانية الوصول إلى المواد الخام الأفريقية النفط، والعناصر الأرضية النادرة، والسلع الزراعية التي تُنقل شمالًا إلى طبرق للمعالجة والتصديرتعكس استراتيجية الممر متعدد الوسائط هذه مشاريع صينية مماثلة في شرق أفريقيا، مثل ممر مومباسانيروبيأديس أبابا.

السياق التاريخي والجيوسياسي

ليس اهتمام الصين بشمال أفريقيا جديدًا. فمنذ ستينيات القرن الماضي، حافظت بكين على وجودها في أفريقيا، داعمةً حركات التحرير، ثم اتجهت لاحقًا نحو البنية التحتية والتجارة.

ليبيا، التي كانت مهمشةً في السابق بسبب الصراع الداخلي، تبرز الآن كمرشحة للشراكة الاستراتيجية. سياسة الصين في عدم التدخل وسجلها الحافل في التعامل مع الأنظمة غير الغربية تجذب إدارة حفتر، التي لا تزال غير معترف بها دوليًا.

ومن المهم أن المنطقة الشرقية من ليبيا المعروفة تاريخيًا باسم برقة لعبت دورًا محوريًا في حملة الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، حيث كانت بمثابة نقطة انطلاق رئيسية في القتال ضد ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشيةإن إرث المنطقة كخط دفاع أمامي في الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية يُبرز الأهمية الاستراتيجية لاصطفافها اليوم.

في سياق النشاط الصيني والروسي المتنامي، يُجادل العديد من المحللين الغربيين بأن استعادة الوحدة الليبية في ظل حكومة متحالفة مع المؤسسات الغربية ليست مسألة استقرار إقليمي فحسب، بل هي أيضًا عنصر حيوي في الأمن عبر الأطلسي الأوسعفي غضون ذلك، يُثني الحكم المُشتت في ليبيا الاستثمار والمشاركة الغربية.

وقد أعطت الولايات المتحدة الأولوية لمكافحة الإرهاب والسيطرة على الهجرة على حساب بناء الدولة في ليبيا، بينما لا يزال الاتحاد الأوروبي منقسمًا بشأن النهج الأمثلوقد فتح غياب سياسة غربية متماسكة الباب أمام جهات فاعلة بديلة، بما في ذلك روسيا وتركيا، وبشكل متزايد الصين.

التداعيات على أمن الطاقة الأوروبي

إن تداعيات هذا التوجه الصيني نحو ليبيا على أمن الطاقة الأوروبي عميقة. فقد جعلت جهود أوروبا المستمرة لتنويع مصادر الطاقة، وخاصة منذ الحرب الروسية الأوكرانية، القارة أكثر اعتمادًا على مصادر بديلة من الشرق الأوسط وشمال إفريقياوإذا سيطرت بكين على مصفاة ضخمة في طبرق والبنية التحتية للموانئ المرتبطة بها، فسيكون لها نفوذ كبير على سلاسل التوريد التي تُغذي أوروبا.

لا يقتصر الأمر على الوصول إلى النفط فحسب. فبفضل قدرتها على تكرير وتخزين ونقل منتجات الطاقة مباشرة من شمال إفريقيا إلى أوروبا، يُمكن للصين أن تُملي التسعير والحجم وتحديد الأولويات في أوقات الأزمات.

مثل هذا النفوذ من شأنه أن يتحدى استقلالية أوروبا في مجال الطاقة ويزيد من اعتمادها على بكين في وقت يتعرض فيه التحالف عبر الأطلسي بالفعل لضغوط. بالإضافة إلى ذلك، فإن سيطرة الصين على لوجستيات الحاويات عبر طبرق ستوفر لبكين نفوذًا ليس فقط على الطاقة، ولكن أيضًا على السلع المصنعة والتقنيات الحيوية.

كما يمكن للمطار ذي الاستخدام المزدوج، إلى جانب المراقبة والبنية التحتية الرقمية، أن يخدم أيضًا المصالح الاستخباراتية والعسكرية.

العواقب والتوقعات الاستراتيجية

إذا وافق حفتر على المقترحات الصينية، فستصبح ليبيا المرساة الغربية لشبكة لوجستية وطاقة واسعة بقيادة الصين تمتد عبر المحيط الهندي والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسطستمنح مصفاة طبرق والبنية التحتية المرتبطة بها بكين نفوذًا جديدًا على أسواق الطاقة الأوروبية، خاصة مع سعي الاتحاد الأوروبي إلى تنويع مصادر دخله بعيدًا عن الغاز الروسي.

علاوة على ذلك، فإن الطبيعة ذات الاستخدام المزدوج لمطار وميناء طبرق المُحسّنين يمكن أن توسع القدرات البحرية أو الاستخباراتية الصينية إلى البحر الأبيض المتوسطوقد أثار هذا الاحتمال بالفعل مخاوف في بعض دوائر الناتو، على الرغم من عدم التعبير عن أي معارضة رسمية.

إذا نجحت، فإن استراتيجية الصين تجاه ليبيا ستعيد تشكيل سلاسل التوريد وتدفقات التجارة في أوراسيا. كما أنها ستشير إلى تحول في ميزان القوة الناعمة والنفوذ الاستراتيجي في شمال أفريقيا، مع ما قد يترتب على ذلك من آثار عميقة على أمن الطاقة في أوروبا واستقلالها الجيوسياسي.

قد تبدو ليبيا دولة هشة ومتصدعة، لكنها بالنسبة للمخططين الصينيين تُمثل بوابةً قادرة على ربط أفريقيا وأوروبا وآسيا معًا في ظل هيكلية تجارية عالمية جديدة بقيادة بكين.

______________

مواد ذات علاقة