تتحرك إحدى عشرة دولة – من الولايات المتحدة إلى مصر وإيطاليا وفرنسا وقطر والمملكة العربية السعودية – بالتنسيق لإنعاش المسار السياسي الليبي في ظلّ شلل مؤسساتي وتصاعد التوترات بين غرب البلاد وشرقها.
الرسالة واضحة:
-
توحيد المؤسسات
-
التكامل الاقتصادي والأمني
-
مسار سياسي بقيادة الأمم المتحدة
أصدرت حكومات الولايات المتحدة الأمريكية ومصر وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وقطر والمملكة العربية السعودية وتركيا والإمارات العربية المتحدة والمملكة المتحدة بيانًا مشتركًا جاء فيه:
• تؤكد من جديد دعمها لسعي الشعب الليبي إلى الوحدة والاستقرار والازدهار والسلام الدائم.
• ترحب بقرار مجلس الأمن الدولي تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وخارطة الطريق التي طرحتها الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، حنا تيته.
• تحثّ جميع الأطراف الليبية المعنية على الاستفادة من خارطة الطريق هذه وتسهيلات الأمم المتحدة للمضي قدمًا نحو حوكمة موحدة وإجراء انتخابات.
الصورة الكبيرة: يركز البيان على نهج مزدوج للتكامل:
التكامل العسكري: الإشادة بالجهود الليبية لدمج قوات الأمن ودعوة القادة لتوسيع التنسيق العسكري بين الشرق والغرب وإضفاء الطابع المؤسسي عليه وتسريع توحيد الهياكل العسكرية.
التكامل الاقتصادي: التركيز على تعزيز المؤسسات الرئيسية: المؤسسة الوطنية للنفط، ومصرف ليبيا المركزي وديوان المحاسبة.
يشيد البيان بما يلي:
تعيين رئيس رسمي للمؤسسة الوطنية للنفط؛ واتفاقية برنامج التنمية الموحد التي وقعها مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في 18 نوفمبر.
يقول الموقعون على هذه الخطوات إنها يمكن أن تضع ليبيا على مسار اقتصادي أكثر استدامة، وتدعم زيادة إنتاج الطاقة، وتعزز الاستقرار المالي، وتمكن مشاريع التنمية في إطار إشرافي متفق عليه بشكل متبادل.
بين السطور: تربط الدول صراحةً التقدم السياسي بالتقدم في مجال الأمن والحوكمة الاقتصادية، وأن ليبيا وحدها ذات المؤسسات الموحدة يمكنها استعادة الاستقرار والسيادة والازدهار.
الخطوة التالية: يضغط الموقعون على جميع الأطراف الليبية لاستخدام إطار الأمم المتحدة للتقدم:
-
مؤسسات مدنية موحدة
-
وخريطة طريق انتخابية مشتركة
-
واقتصاد أكثر شفافية ومرونة
خلاصة القول: ليبيا قوية وموحدة هي في مصلحة الجميع. إن لحظة ضغط القوى الكبرى هي فرصة جديدة مهمة للبلاد، إذا أرادت اغتنامها.
*********
تحليل عاجل لبيان الدول التسع حول ليبيا.. وماذا يعني فعلياً؟
منقول
– هذا البيان ليس عادياً إطلاقاً؛ هو أقرب إلى “إعلان إطار دولي ملزم” يُراد منه ضبط اللاعبين الليبيين ودفعهم نحو خارطة طريق محددة المعالم، مع رسائل مبطنة حول مستقبل السلطة، النفوذ العسكري، والاقتصاد الليبي.
أولاً: لماذا الآن؟
صدور بيان بهذا الاتساع (أمريكا، تركيا، قطر، الإمارات، السعودية، مصر، فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، وإيطاليا) يعني:
1. إجماع دولي نادر حول ضرورة كسر الجمود.
2. وجود خوف مشترك من انفجار الصراع بين الشرق والغرب.
3. إدراك بأن “القوى المحلية” فقدت السيطرة على المسار السياسي والاقتصادي.
4. محاولة واضحة لإعادة ضبط النفوذ العسكري – ومن ضمنه نفوذ حفتر – تحت سقف واحد.
هذا التوافق لا يحدث إلا عندما تكون هناك صفقة كبرى قيد الإعداد.
ثانياً: ماذا يعني دعم خارطة الطريق الأممية؟
يجب الانتباه: الدول التسع لم تقل “خارطة طريق ليبية“. بل قالت خارطة الطريق الأممية وأكدت على تسهيل البعثة الأممية لعملية سياسية نحو الحكم الموحد.
المعنى الحقيقي: تثبيت دور البعثة كمركز عمليات سياسي، وإقصاء أي مبادرات موازية، خاصة المبادرات التي يروج لها أطراف من الشرق أو الغرب لإنتاج مسارات بديلة.
ثالثاً: ما علاقة حفتر مباشرة بهذا البيان؟
هنا النقطة الأهم: البيان ركّز على ثلاثة ملفات تُشكّل نقاط ضعف حساسة لحفتر تحديداً:
1. “الدمج الأمني والعسكري”
العبارة الدقيقة: نرحب بالجهود الليبية لدمج قوات الأمن الليبية وتحث القادة على اتخاذ المزيد من الخطوات.
هذا يعني: وضع “الجيش” الذي يقوده حفتر تحت مسار دمج، لا تحت مسار اعتراف كجيش مستقل. وتحويل قيادات الشرق العسكرية إلى مكوّن داخل مؤسسة أكبر وليس مركز قرار منفرد. وسحب ورقة “القائد العام” تدريجياً.
2. تعزيز المؤسسات الاقتصادية (المصرف المركزي – المؤسسة الوطنية للنفط – ديوان المحاسبة)
هذه رسالة مباشرة لحفتر: لا يمكن القبول بسيطرة طرف عسكري على تدفقات النفط أو استخدامها للضغط السياسي.
رسالة أصعب: الدعوة إلى تعيين رئيس رسمي للمؤسسة الوطنية للنفط ليست جملة تقنية. هي إشارة إلى إنهاء “الصفقات الموازية” التي جرت خلال السنوات الماضية، والتي استفاد منها الشرق.
3. التنسيق الأمني والاقتصادي بين الشرق والغرب
هذه العبارة تعني: قبول وجود الشرق كجزء من الدولة، لكن ليس بصفته كيانا مستقلاً أو جيشاً موازيًا.
ومعناه عملياً: إعادة مركزة السلطة. وسحب أهم ورقة يمتلكها حفتر: الانفصال المالي والعسكري التدريجي.
رابعاً: لماذا يخيف هذا البيان حفتر تحديداً؟
لأن الدول الـ9 تمثل فعلياً كل رعاته الدوليين: أمريكا – مصر – الإمارات – فرنسا – السعودية. وحين يوقع هؤلاء على خطاب واحد يعني أنهم متفقون على تقليص دوره. وأن عليهم الانتقال لمرحلة ما بعد حفتر أو على الأقل تقليم أظافره. وهذا يفسّر ضيق الرجل، وكثرة ظهوره، وحاجته لطلب التفويض بشكل مبطن.
خامساً: ماذا يعني عملياً على الأرض؟
1. لن يُسمح لحفتر بالتصعيد دون ضوء أخضر دولي — والضوء الآن أحمر.
2. سيتم إدخاله في مسار “التوحيد العسكري” مهما رفض.
3. سيتم التحكم في إيرادات النفط عبر صيغ رقابية جديدة.
4. لن يتم قبول سلطة موازية في الشرق.
5. سيُعاد توزيع النفوذ بشكل تدريجي دون ضجة.
هذا البيان يريد القول بوضوح: المعركة لم تعد معركة الشرق والغرب… بل معركة توحيد السلطة ومراكز القرار داخل ليبيا رغماً عن الأطراف الداخلية.
سادساً: ماذا يعني هذا للفاعلين السياسيين والنخب؟
النخب المدنية والسياسية يجب أن تستوعب أن: النظام الدولي حسم اتجاه البوصلة. والفراغ السياسي الذي تعيشه ليبيا لن يبقى طويلاً. ومنصب رئيس حكومة موحدة قادم لا محالة. والقوى العسكرية سيعاد هندستها. والاقتصاد سيتم وضعه تحت رقابة مشتركة.
هذه اللحظة الذهبية لبناء كتلة سياسية مدنية تطالب بحكومة تأسيسية وتفكيك مراكز النفوذ الفردي.
سابعاً: الخلاصة الاستراتيجية
هذا البيان: يقوّض قدرة حفتر على فرض نفسه كحاكم فعلي للشرق. ويحد من نفوذه الاقتصادي والعسكري. ويرسّخ دور البعثة الأممية كمرجعية وحيدة. ويمهّد لحكومة موحدة جديدة سيتم فرضها دولياً.
والأهم: هو بداية نهاية النموذج العسكري الفردي في ليبيا، وبداية مرحلة الترتيب لسلطة مدنية موسعة.
____________