العرب الأسبوعية

يرتبط مستقبل الاستثمار النفطي في ليبيا ارتباطًا وثيقًا بقدرة المجتمع الدولي على الحد من الفساد المستشري، لا سيما من خلال التصدي لشبكة تهريب الوقود.

بين عامي 2022 و2024، شهد تهريب البنزين والديزل ارتفاعًا غير مسبوق، مما أدى إلى خسائر تقارب 20 مليار دولار في ثلاث سنوات فقط.

تستعد شركات النفط العالمية للعودة مجددًا إلى قطاع الطاقة الليبي بعد أن أطلقت البلاد أول جولة مناقصة لها منذ ما يقرب من عقدين لاستكشاف وتطوير حقول جديدة.

وقد جذبت هذه الخطوة اهتمامًا واسعًا، لا سيما من الشركات الأمريكية الكبرى التي تبحث عن فرص استثمارية في بلد غني بالموارد ولكنه غير مستغل إلى حد كبير.

على الرغم من أن هذا التطور يبدو واعدًا من منظور الأعمال ويتماشى مع رغبة الليبيين في الاستقرار وإعادة الإعمار، إلا أن التوقعات الواقعية تشير إلى أن هذه الصفقات الجديدة لن تحقق فوائد ملموسة للسكان طالما استمر الفساد المستشري في الهيمنة على قطاع الطاقة.

كتبت جوستينا جودزوسكا، المديرة التنفيذية لمنظمة ذا سنتري، في تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي، أن الفساد الهيكلي الذي يُخيم على إدارة النفط في ليبيا يُقوّض قدرة القطاع على جذب استثمارات مستدامة، واصفةً إياه بأنه من أكثر القطاعات تأثرًا بشبكات النخبة التي تسيطر على ثروات البلاد وتستخدمها لتعزيز نفوذها.

يؤدي هذا الوضع إلى ارتفاع أسعار الوقود على المواطنين، بينما تُهدر مليارات الدولارات التي كان ينبغي توجيهها لتحسين الخدمات العامة والبنية التحتية الأساسية.

في ظل هذه الخلفية، يُنصح صانعو السياسات في أوروبا والولايات المتحدة بالمضي قدمًا بحذر حتى لا تُمكّن استثماراتهم هذه الشبكات عن غير قصد.

يؤكد الخبراء أن ليبيا لن تكون شريكًا موثوقًا به للمؤسسات الدولية ما لم تكن لديها دولة فعّالة وشفافة قادرة على محاسبة مؤسساتها.

قد تتحول الفرص التجارية التي تبدو جذابة على المدى القصير إلى مخاطر كبيرة على المدى الطويل إذا استمرت المصالح الخاصة في الهيمنة على أجهزة الدولة في كل من طرابلس وبنغازي.

تكشف التحقيقات الأخيرة التي أجرتها ذا سنتريعن النطاق الواسع لشبكات التهريب العاملة ضمن برنامج دعم الوقود الليبي.

بين عامي 2022 و2024، شهد تهريب البنزين والديزل ارتفاعًا غير مسبوق، مما أدى إلى خسائر تقارب 20 مليار دولار في ثلاث سنوات فقط.

ويعود جزء كبير من هذه الخسائر إلى التحول الذي حدث منذ عام 2021، عندما بدأت المؤسسة الوطنية للنفط في استبدال النفط الخام مباشرةً بالوقود المستورد، مستبدلةً النظام السابق الذي كانت تُحوّل بموجبه الإيرادات إلى البنك المركزي.

سمحت هذه الآلية بزيادة واردات الوقود دون تسجيل نفقات حكومية، مما أدى إلى ارتفاع الواردات إلى حوالي 41 مليون لتر يوميًا بحلول أواخر عام 2024.

وفي حين بررت السلطات هذه الزيادة بتغيرات في سلسلة التوريد وزيادة الطلب على الكهرباء، تشير التقديرات إلى أن حجم الواردات يتجاوز بكثير القدرة الاستهلاكية الوطنية، مما يشير إلى أن حصة كبيرة تُهرَّب إلى الخارج برًا وبحرًا.

وقد أصبح ميناء بنغازي القديم مركزًا رئيسيًا لإعادة تصدير الوقود عبر سفن مظلمةتستخدم أوراقًا مزورة لنقل ملايين اللترات لكل شحنة.

وقد أشرف ضباط وشخصيات عسكرية محلية على هذه الأنشطة، ووفروا لها حماية مباشرة ومستدامة.

رغم الانقسامات السياسية العميقة، استفادت فصائل ليبية مختلفة من عائدات التهريب غير المشروعة.

وكشفت التقارير عن تورط جهات أجنبية عديدة دعمت الحرب الأهلية الليبية، بما في ذلك روسيا وتركيا، في هذا المخطط الضخم والمربح.

وقد دفع هذا الوضع أسعار الوقود للمواطنين الليبيين إلى مستويات قياسية، حيث يدفع البعض ما يصل إلى أربعين ضعف السعر الرسمي، بينما تُباع المنتجات المدعومة لمستفيدين خارجيين من خلال شبكات تهريب منظمة.

وفي بعض الحالات، تم توجيه كميات من الديزل والبنزين ووقود الطائرات إلى جماعات مقاتلة أجنبية تعمل داخل ليبيا أو في الدول المجاورة، مما أدى إلى تأجيج المزيد من الصراعات الإقليمية.

وبحلول عام 2024، قُدرت القيمة السنوية للوقود المدعوم المسروق بحوالي 7 مليارات دولار، أي ما يقرب من 15% من إجمالي الإنفاق العام.

كان من المفترض استخدام هذه الأموال لتحسين الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الأساسية، ولكنها أصبحت بدلاً من ذلك مصدرًا للإثراء غير المشروع.

وقد أدى هذا الاستنزاف إلى حرمان البنك المركزي من العملات الأجنبية اللازمة لاستيراد الغذاء والدواء، مما أدى إلى تفاقم التضخم وإضعاف الدينار الليبي.

في مفارقة مؤلمة، يجد مواطنو إحدى أغنى دول العالم بالنفط أنفسهم يقفون في طوابير طويلة للحصول على الوقود، بينما تظل السوق السوداء مصدرهم الرئيسي للإمدادات.

ورغم إعلان المؤسسة الوطنية للنفط انتهاء آلية تبادل النفط الخام بالوقود، لا تزال أحجام الواردات مرتفعة بشكل غير مفهوم، مما يشير إلى استمرار التهريب على نطاق واسع دون هوادة.

يأتي هذا في وقت تسعى فيه شركات النفط العالمية إلى فتح آفاق جديدة في ليبيا، وسط بيئة تتسم بعدم اليقين ومخاطر أمنية واقتصادية جسيمة. فالتدخل السياسي،

وتنافس مراكز القوى، واحتمال تجدد الصراع، كلها عوامل تُهدد الاستثمارات طويلة الأجل.
وللولايات المتحدة نفوذ كبير في هذا المشهد، نظرًا لاعتماد تجارة النفط الليبية على المعاملات بالدولار، مما يمنح واشنطن نفوذًا لفرض شروط تعزز الشفافية وتحد من الفساد.

وفي ظل المفاوضات الجارية حاليًا بين القادة الليبيين وشركات كبرى مثل إكسون موبيل وشيفرون، تبدو الحاجة إلى دور أمريكي يدعم المؤسسة الوطنية للنفط، باعتبارها الهيئة التكنوقراطية الوحيدة القادرة على إدارة العقود بكفاءة، ملحة بشكل متزايد.

ومع ذلك، يظل هذا الدور هشًا طالما استمر تهريب الوقود في امتصاص جزء كبير من الإيرادات الوطنية.

ويدفع المستشار الأمريكي مسعد بولس نحو وضع ميزانية شفافة للمؤسسة الوطنية للنفط للحد من الإنفاق غير المعلن.

لكن الخبراء يقولون إن هذه الجهود لن تكون فعالة ما لم تُواجه شبكات التهريب بشكل مباشر. يُعتبر التحقيق مع الأفراد المتورطين وفرض عقوبات صارمة عليهم خطوةً ضروريةً لتعزيز الردع والحد من إساءة استخدام الموارد العامة. كما يُمكن للإدارة الأمريكية إصدار تحذيرات رسمية للشركات الأمريكية بشأن الوسطاء والتجار وشركات الشحن المتورطة في مخططات الاستغلال.

تُصرّح واشنطن بأن سياستها تجاه ليبيا تُعطي الأولوية لتعزيز التعاون التجاري والاقتصادي مع دعم التوحيد المؤسسي ودور المؤسسة الوطنية للنفطلكن التعامل مع أفراد ذوي نفوذ على حساب المؤسسات الشرعية يُعزز الفساد بدلًا من كبحه.

إذا فشلت الولايات المتحدة وحلفاؤها في دعم المؤسسات الليبية بدلًا من التحالف مع أصحاب النفوذ المهيمن، فمن المرجح أن يستمر الفساد ويتفاقم، مما يُشكل تهديدًا مباشرًا لليبيين أولًا، ثم للمستثمرين الدوليين لاحقًا.

يرتبط مستقبل الاستثمار النفطي في ليبيا ارتباطًا وثيقًا بقدرة المجتمع الدولي على كبح جماح الفساد المستشري، لا سيما من خلال التصدي لشبكة تهريب الوقود التي تستنزف مليارات الدولارات سنويًا.

إذا أرادت واشنطن نجاح شركاتها على المدى الطويل، فعليها المساعدة في كبح جماح هذه الشبكات التي تُقوّض الدولة وتُعيق أي تقدم اقتصادي حقيقي.

_____________

مواد ذات علاقة