جمال شلّوف

تُشير ظاهرة عدوى الثورات (أو التأثير الدومينو للثورات) إلى الانتشار السريع للاحتجاجات والحركات الثورية من دولة إلى أخرى، خاصة في البيئات المتشابهة التي تتشارك في ظروف سياسية، اقتصادية، واجتماعية مُحفزة للغضب الشعبي.
لا تعني هذه “العدوى” بالضرورة التخطيط المركزي، بل إنها نتيجة للتأثير النفسي والإلهام الذي تحدثه ثورة ناجحة في دولة ما، فـتُشعل شرارة الحراك في دول أخرى تعاني من دوافع مماثلة.
أمثلة تاريخية: الثورات الملونة والربيع العربي
شهد التاريخ الحديث موجتين بارزتين من “عدوى الثورات” في بيئات متقاربة:
أولاً الثورات الملونة في أوروبا الشرقية (أواخر التسعينيات وأوائل الألفية):
#البيئة المتشابهة: دول كانت تحت النفوذ السوفييتي أو تعاني من أنظمة استبدادية ما بعد الشيوعية، مع تطلعات نحو الديمقراطية والشفافية.
أمثلة: ثورة الورد في جورجيا (2003)، الثورة البرتقالية في أوكرانيا (2004)، وثورة الزنبق في قيرغيزستان (2005).
السمات المشتركة: اعتمدت هذه الثورات على الاحتجاجات السلمية، واستخدمت رمزاً لونياً أو زهرياً (مما أكسبها تسميتها)، وكان الشباب والقوى المعارضة المُنظمة جيداً يلعبون دوراً بارزاً، مع تركيز على إسقاط نتائج الانتخابات المُزورة والمطالبة بالديمقراطية.
ثانياً الربيع العربي (2010-2011):
البيئة المتشابهة: دول عربية ذات أنظمة استبدادية طويلة الأمد، تشترك في مشاكل اقتصادية عميقة مثل ارتفاع البطالة (خاصة بين الشباب) وغلاء الأسعار، بالإضافة إلى الفساد وغياب الحريات السياسية.
الشرارة والانتشار: انطلقت الشرارة من تونس (ثورة الياسمين) مع حادثة محمد البوعزيزي، وانتشرت كـ “عدوى” بسرعة فائقة إلى مصر، ليبيا، اليمن، وسوريا.
السمات المشتركة: طابع عفوي، مطالب اجتماعية واقتصادية (العيش والخبز والكرامة) في البداية، دور محوري لـ الشباب ووسائل التواصل الاجتماعي (الفيسبوك وتويتر) في التنظيم والتعبئة وتجاوز الإعلام الرسمي، وغياب قيادة مركزية واضحة في أغلب الأحيان.
انتفاضة “جيل زد” في النيبال والمغرب
يمكن ملاحظة وجود تأثير عدوى جديد بين حركات الاحتجاج التي يقودها “جيل زد” في دول متباعدة جغرافياً لكنها قد تتشابه في دوافع الغضب وآليات التعبئة.
ولمزيد من الفهم سنقدم هنا أوجه المقارنة بين الثورات الملونة والربيع العربي مع انتفاضة “جيل زد“ (النيبال والمغرب)
القوى المحركة الرئيسية
قوى معارضة تقليدية منظمة (الملونة)، أو مجموعات شبابية غير منظمة (الربيع العربي). بينما في “جيل زد“ تحديداً (المواليد بعد منتصف التسعينات)، كقوة سياسية لا تنتمي للنخب التقليدية.
الدوافع الأساسية
الديمقراطية، مكافحة الفساد (الملونة), العدالة الاجتماعية، البطالة (في الربيع العربي)
وكان الفساد، النخبوية، نقص الخدمات (التعليم والصحة)، غياب الفرص، والانتقادات للسياسات الحكومية بالنسبة لجيل “جيل زد“.
آلية التعبئة والتنظيم
المنظمات غير الحكومية/الأحزاب (الملونة)، وسائل التواصل الاجتماعي التقليدية (الربيع العربي).
بينما برز الفضاء الرقمي كأداة أساسية، مع ظهور منصات أكثر تخصصاً (مثل ديسكورد في نيبال) لتنظيم ديمقراطية مباشرة بديلة.
تأثير العدوى
الانتقال الجغرافي والإقليمي المباشر كان سنة الثورات الملونة والربيع العربي. بينما كان انتقال نموذجي وعبر قاري؛ حيث استلهم حراك المغرب (جيل زد 212) بشكل واضح من نجاح حراك جيل زد في النيبال في إسقاط الحكومة (سبتمبر 2025).
القضية المُفجرة
انتخابات مُزورة (الملونة)، حادثة البوعزيزي (الربيع العربي) بينما كان حظر منصات التواصل الاجتماعي والتركيز على الفساد (نيبال)، أو قضايا اجتماعية/اقتصادية محددة والاحتجاج على الأولويات الحكومية (المغرب).
الاستنتاج:
تُشكل حركات “جيل زد“ في النيبال والمغرب، وسواء نجحت أو واجهت مقاومة، دليلاً على استمرار ظاهرة عدوى الثورات، لكن بنسخة مُعاصرة: العدوى لم تعد مقتصرة على الإقليم الجغرافي المتجاور، بل أصبحت عابرة للقارات بفضل العولمة الرقمية ووسائل التواصل.
“البيئة المتشابهة” لم تعد فقط سياسية أو اقتصادية، بل باتت تشمل التشابه في “الإحباط الشبابي” المشترك بين جيل عالمي يرفض النخب التقليدية ويُجيد استخدام أدوات رقمية جديدة لتنظيم حراك لا مركزي وعفوي في مظهره.
____________
مؤسسة سلفيوم للدراسات والأبحاث
