ابر بن عامر

بولس والبعثة .. شراكة ضرورية 

منذ بداية عام 2025، برز اسم مسعد بولس، المبعوث الأمريكي الخاص إلى ليبيا، كلاعب أساسي في مسار موازٍ للبعثة الأممية.

وبدأ بوليس من الملف الاقتصادي، في مقدمته توحيد المصرف المركزي، ومراقبة الإنفاق العام، ومحاولة ضبط موارد النفط.

لكن بولس اقترب لاحقاً من الملفات السياسية، وطرح نفسه كجسر بين واشنطن والبعثة الأممية، معلناً دعمه العلني لخارطة الطريق، ومؤكداً أن العملية الأممية هي المظلّة الوحيدة للحل“.

مصادر دبلوماسية أفادت لـعربي بوستبأن العلاقة بين تيتيه وبولس تحولت إلى شراكة تكاملية، تمثلت بـ:

  1. تيته تدير الحوار السياسي عبر الأمم المتحدة.

  2. بولس يوفر الغطاء الدولي والدعم المالي والدبلوماسي.

ووصفت المصادر ذلك بأنه حوّل البعثة من وسيط، إلى أداة ضمن منظومة إدارة الأزمة، حيث يجتمع الدور الأمريكي والدور الأممي ضمن سياسة واحدة، هدفها تثبيت الاستقرار المرحلي، لا إنهاء الصراع، على حد قولها.

أما الكاتب والمحلل السياسي مصطفى الفيتوري فقال لـعربي بوست، إنّ الولايات المتحدة لا تتعامل مع ليبيا كملف سياسي يحتاج إلى حل، بل كمساحة نفوذ تحتاج إلى إدارة دقيقة لحماية مصالحها“.

وأضاف أن خارطة تيتيه ليست جديدة، بل نسخة معدلة من مبادرة غسان سلامة (2019–2020)، التي كانت الأكثر نضجاً وواقعية، لكن التطورات حينها أفشلتها“.

وأوضح أن شروط التسوية غير متوفرة حالياً، خصوصاً في ظل استمرار الانقسام العسكري، إذ لا يمكن تحقيق أي تقدم سياسي دون توحيد المؤسسة العسكرية“.

وأشار إلى أن تعيينات المشير خليفة حفتر التي شملت أبناءه في مواقع حساسة تعمّق الانقسام وتمنع قيام جيش موحد، لأن بقية القادة لن يقبلوا بمثل هذه الهيكلة المغلقة“.

وختم بالقول إن الاقتصاد بات أداة إدارة للصراع، فطالما أن النفط يتدفق وسعر الصرف مستقر، فلن يرى المجتمع الدولي ضرورة للحل السياسي، لتبقى ليبيا في دائرة إدارة الأزمة لا حلها، وفق تأكيده.

وقام عربي بوستبمحاولة الحصول على تعليقات ورد من البعثة الأممية على هذه المعلومات، إلا أنه لم يتلق رداً.

كذلك حاول عربي بوستالحصول على تعليق رسمي من الجانب الأمريكي حول الموقف من خارطة الطريق الأممية، ومسار المبعوث الخاص مسعد بولس، عبر مراسلة كلٍّ من: مكتب الشؤون العامة للبعثة الأمريكية في ليبيا، والمكتب الإعلامي للسفارة الأمريكية، ومكتب المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن، لكن لم يتلق رداً من الجهات الثلاث، حتى موعد نشر التقرير.

دعم دولي للمسار الأممي

قال المرشح الرئاسي الفضيل الأمين لــعربي بوست، إن الموقف الدولي من خارطة الطريق الأممية واضح وقوي، وقد تجلّى ذلك في اجتماع مجلس الأمن، حيث كان هناك إجماع كامل على دعم الخريطة، وتم تمديد عمل البعثة لعام إضافي“.

وأضاف أن الممثلة الخاصة هانا تيتيه ونائبتها السيدة ستيفاني خوري تتحركان بثقة ووضوح، وبأسلوب عملي وواقعي، لتنفيذ خارطة طريق محددة العناصر والمراحل“.

وردًا على سؤال عما إذا كانت الخريطة مجرّد إدارة أزمة أم مشروع حلّ سياسي جاد، قال الأمين إنّ خارطة الطريق ليست أداة لإدارة الأزمة فقط، بل تؤكد على إنهاء الانقسام السياسي الذي دام لأكثر من عشر سنوات، وتؤكّد السير نحو الانتخابات“. 

واعتبر أن الحوار المهيكلإنما هو إطار لمعالجة الملفات الأساسية التي أعاقت ديمومة الدولة منذ عقود، والمقاربة هنا مقاربة معالجة وحلول، لا إدارة أزمة“.

وحول استقلالية البعثة أم تحولها إلى جزء من منظومة نفوذ دولي، قال الأمين إنه بالنسبة له فإنّ البعثة تمثل منظومة الأمم المتحدة التي يقودها مجلس الأمن والجمعية العامة؛ ولا شك أن للدول دائمة العضوية صوتاً قوياً، لكن قرارات المجلس تتخذ عادةً بالتفاهم بين الأعضاء. وليبيا، كغيرها في المنطقة، تبقى ضمن دوائر نفوذ غربية بحكم الجغرافيا والسياسة“.

ولفت إلى أن خطة تيتيه برأيه– “ستحدث الاختراق المطلوب وستنجح إلى حد كبير، بغض النظر عن محاولات إفساد أو عرقلة قد تقوم بها أطراف تستفيد من الوضع القائم“. 

وختم بالقول إن الأطراف الوطنية الأساسية داعمة للخطة، وترى في وحدة ليبيا واستقرارها مكسباً للبلاد والمنطقة والعالم، وهو ما يجعله حلاً رابحاً للجميع .

وكان مجلس الأمن الدولي في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025، اعتمد بالإجماع، قراراً يقضي بتمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (حتى 31 أكتوبر/تشرين الأول 2026)، مجددًا دعمه الكامل لجهود الممثلة الخاصة للأمين العام هانا تيتيه وخارطة الطريق التي طرحتها في أغسطس/آب الماضي، والهادفة إلى إنهاء الانقسام وتهيئة المناخ لإجراء انتخابات وطنية شاملة.

وتضمّن القرار الذي صاغته المملكة المتحدة توصيات تدعو إلى جعل الحل السياسي محور عمل البعثة، وتنفيذ المراجعة الإستراتيجية التي أوصت بتوسيع وجودها في بنغازي وسبها، وإنشاء قسم اقتصادي مخصص لدعم المسار المالي.

كما شدد القرار على تولي البعثة دوراً قيادياً في تنسيق الجهود الدولية ضمن مسار برلين، ودعم المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، مؤكداً أنه لا حل عسكرياً في ليبيا، مجدداً الدعوة إلى سحب القوات الأجنبية والمرتزقة وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في أكتوبر/تشرين الأول 2020.

ورحّبت العواصم الغربية بالقرار، إذ أكد المندوب الأمريكي دعم بلاده لخارطة الطريق الأممية، مشيراً إلى أن الهدف هو قيام حكومة ليبية موحدة قادرة على بسط السيادة وتحمل مسؤولياتها الأمنية، داعياً البعثة إلى التركيز على مهامها السياسية وتحسين كفاءتها الميدانية.

كما رحّبت بريطانيا، بصفتها مقدّمة مشروع القرار، بتجديد التفويض، معتبرة أنه يعزز دور البعثة في دعم عملية سياسية يقودها الليبيون، ودعت الأطراف إلى التفاعل مع خارطة الطريق لإجراء انتخابات حرة وشفافة.

أما روسيا، فقد أيّدت القرار معتبرة أنه يعكس جوهر المراجعة الإستراتيجية ويمنح البعثة زخماً جديداً، مطالبة بتوسيع وجودها في جميع أنحاء البلاد وتنشيط عملية برلين، إضافة إلى تسريع الحوار الليبي لإنهاء المرحلة الانتقالية.

من جانبه، أوضح المكتب الإعلامي لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في بيان سابق، أن الخطة الجديدة تستند إلى توصيات اللجنة الاستشارية وملاحظات الليبيين، إلى جانب الدروس المستفادة من تعثر انتخابات عام 2021.

وقال إن الخطة تهدف إلى ضمان إجراء انتخابات عامة وتوحيد المؤسسات من خلال نهج متسلسل ومدروس“.

وبحسب مكتب البعثة، فإن خطة خارطة الطريق ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية:

  1. إطار انتخابي فني وسياسي قابل للتطبيق.

  2. توحيد المؤسسات عبر تشكيل حكومة موحدة.

  3. تنظيم حوار مهيكل بمشاركة واسعة من مختلف المكونات الليبية.

  4. بالتوازي هناك مسار المحور المهيكل

وأضاف البيان أن تنفيذ الخطة سيتم على مراحل متتابعة تمتد بين 12 و18 شهراً، بحيث تُمهِّد كل خطوة للتي تليها وصولاً إلى تنظيم الانتخابات الوطنية واستكمال عملية توحيد المؤسسات

المدير التنفيذي في مركز ستيمسونللعلاقات الدولية بواشنطن، حافظ الغويل قال لـعربي بوست، إنّ الأمم المتحدة عبر بعثتها إلى ليبيا ليست مستقلة في قراراتها كما يعتقد البعض، فهي تابعة لمجلس الأمن، وقراراتها مرهونة بتوافق الدول الخمس الكبرى“. 

لذلك فإنه يرى أن ذلك جعل كل مبادرة أممية رهينة لتوازنات دولية، أكثر من كونها استجابة حقيقية لمصلحة الشعب الليبي“.

وأضاف أن الحديث عن استقلالية البعثة وهمٌ سياسي؛ فالأمم المتحدة لا تتحرك إلا في الحدود التي ترسمها القوى الكبرى، وغالباً ما تتحول مبادراتها إلى أدوات لإدارة الصراع بدل حله“.

وعن خارطة الطريق التي أعلنتها المبعوثة هانا تيتيه، اتفق الغويل مع القول إنها لا تعالج جوهر الأزمة الليبية، بل تُعيد إنتاجها بصيغة جديدة، إذ تقتصر على إعادة توزيع السلطة بين أطراف الأمر الواقع، التي وصفها بـالفاسدة والمتورطة في جرائم، ولا تمثل الشعب الليبي، ولا تمتلك الإرادة لبناء دولة حقيقية، وفق تعبيره.

وأوضح أن المنظومة الدولية لم تعد بقيادة الولايات المتحدة كما كانت بعد الحرب العالمية الثانية، فواشنطن اليوم فقدت كثيراً من قدرتها على فرض إرادتها، نتيجة سياسات رئيسها دونالد ترامب، وتراجع مصداقيتها داخلياً وخارجياً“.

وأشار الغويل إلى أن المشكلة في ليبيا ليست صراعاً سياسياً على السلطة، بل غياب الدولة من الأساس، فليبيا تحوّلت إلى ما يشبه محطة بنزين على البحر المتوسط، يعيش الجميع على عائداتها دون وجود اقتصاد حقيقي أو مؤسسات مستقرة“.

وختم بالقول إنّ الأزمة الليبية لن تُحل بخطط التقاسم أو المبادرات الشكلية، بل عندما يواجه الليبيون الحقيقة: أنهم بلا دولة، وأن النفط ليس بديلاً عن المؤسسات، وأن الحل يجب أن يبدأ من الداخل لا من الخارج“.

يذكر أنه في 21 أغسطس/آب الماضي، قدمت تيتيه إحاطة لمجلس الأمن الدولي أعلنت خلالها عن خارطة طريقجديدة ترتكز على 3 نقاط رئيسية أهمها توحيد المؤسسات من خلال حكومة جديدة موحدة بهدف إجراء انتخابات ليبية.

وتشهد ليبيا أزمة صراع بين حكومتين إحداهما حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي تحظى باعتراف دولي، ومقرها العاصمة طرابلس، والتي تدير منها كامل غرب البلاد.

والحكومة الأخرى عينها مجلس النواب مطلع 2022 ويرأسها حاليا أسامة حماد ومقرها بنغازي (شرقاً) التي تدير منها كامل شرق البلاد، ومعظم مدن الجنوب.

ولم تنجح ليبيا حتى الآن، في إجراء انتخابات وإنهاء الفترات الانتقالية المتواصلة منذ الإطاحة بنظام حكم معمر القذافي (1969-2011).

______________

 

مواد ذات علاقة