محمود قاسم
شهدت الأزمة الليبية خلال الأيام الماضية من شهر يونيو 2026، زخماً سياسياً ملحوظاً، مع تعدد المبادرات المطروحة لحلحلة هذه الأزمة، سواء عبر الإعلان عن مخرجات الحوار المهيكل برعاية الأمم المتحدة، أو التحركات الأمريكية، أو التفاهمات الصادرة عن المجالس الليبية الثلاثة.
وبالرغم من اتفاق هذه المسارات على هدف واحد وهو السعي لحل الأزمة الراهنة؛ فإنها تختلف في آليات التنفيذ وأولويات المعالجة؛ مما يثير تساؤلات حول مدى تكاملها أو تعارضها، والتحديات التي قد تعرقل تحويلها إلى تسوية سياسية.
1- الجدل حول مخرجات الحوار المهيكل:
اختتمت لجنة الحوار المهيكل في ليبيا، والتي انطلقت برعاية الأمم المتحدة في ديسمبر الماضي، أعمالها خلال الجلسة الختامية المنعقدة في طرابلس في 7 يونيو الجاري. وقدمت اللجنة مجموعة من التوصيات التي شملت المسارات السياسية والاقتصادية والأمنية والمصالحة وحقوق الإنسان؛
ومن أهمها تشكيل حكومة جديدة لإدارة المرحلة الانتقالية تتراوح مدتها بين 18 و24 شهراً، وغير قابلة للتمديد، على أن يقدم أعضاؤها تعهداً كتابياً صريحاً بعدم الترشح في الانتخابات المقبلة، إضافة إلى تشكيل مجلس رئاسي من رئيس ونائبين كما هو معمول به راهناً، وأن تُسند إليه القيادة العامة للقوات المسلحة.
وقد عبّرت مبعوثة الأمم المتحدة لدى ليبيا، هانا تيتيه، عن تفاؤلها بمخرجات لجنة الحوار وتوصياتها؛ مشيرة إلى أنها “لمست رغبة قوية في التغيير، مقرونة بإصرار راسخ على أن يكون هذا التغيير بقيادة وملكية ليبية“.
وأثارت آلية الحوار المهيكل حالة من الزخم من الأوساط الليبية؛ حيث رأى البعض أنها نجحت في الانتقال من اقتصار مناقشة مسارات التسوية في الأزمة على النخب التقليدية والفاعلين الرئيسيين فيها إلى ما يشبه الحوار المجتمعي؛ حيث ضمت اللجنة طيفاً واسعاً من الليبيين، ونجحت في تمثيل شريحة كبيرة من المجتمع ضمت أكثر من 120 عضواً من مختلف المناطق، بما في ذلك ممثلون عن المكونات الثقافية والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة.
فيما نظر البعض الآخر إلى الحوار المهيكل على أنه إعادة لإنتاج الماضي، وأن معظم ما طرحه ليس جديداً على الأزمة الليبية؛ وعليه رأى أنصار هذا الاتجاه أن تلك المخرجات لن تؤدي إلى حلحلة الأزمة، بل قد تكون سبباً في فرض مزيد من التعقيد على المدى المنظور.
2- تحديات اختيار الحكومة الجديدة:
تطرح توصيات الحوار المهيكل تحديات إضافية، تتعلق بصلاحية اختيار السلطة التنفيذية وكيفية الوصول إلى الانتخابات؛ إذ تشير هذه التوصيات إلى أن اختيار المجلس الرئاسي ورئاسة الحكومة يكون عبر لجنة الحوار، ويقوم رئيس الحكومة المكلف بعرض وزارته على البرلمان لنيل الثقة في مده لا تتجاوز 30 يوماً. وفي حال عدم حصولها على ثقة مجلس النواب، يتم اعتماد الحكومة من قِبل لجنة الحوار.
وقد تواجه هذه الصيغة مقاومة من الأجسام السياسية في ليبيا؛ حيث تراها الحكومتان القائمتان بداية لإزاحتهما من المشهد. وقد يرى مجلس النواب أن اعتماد الحكومة من قِبل اللجنة حال عدم منحها الثقة، يمثل تجاوزاً لصلاحياته الدستورية والسياسية.
وترتيباً على ما سبق، لا يُتوقع أن يقبل الفاعلون الرئيسيون في ليبيا الخروج من المعادلة السياسية والتنازل عن المكاسب والمصالح التي تحققت لهم طيلة السنوات الماضية، ويعزز موقفهم امتلاكهم للقوة العسكرية التي يمكن لكل طرف أن يوظفها دفاعاً عن مصالحه عند الحاجة.
ومع ذلك، اعتبر البعض أن إعلان المجالس الثلاثة في ليبيا (مجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة، والمجلس الرئاسي) في 18 يونيو الجاري؛ توصلها إلى اتفاق يقضي بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في موعد أقصاه فبراير 2027، خطوة مهمة نحو خلق مساحة من التوافق، ودفع هذه الأطراف لتقديم تنازلات، بغض النظر عن أن المدى الزمني المحدد لإجراء الانتخابات بعد نحو ثمانية أشهر قد يكون غير واقعي؛ في ظل تشابك الملفات والقضايا الشائكة.
من ناحية أخرى، تواجه مخرجات البعثة الأممية تساؤلات حول المسار الدستوري والقوانين التي سيتم على أساسها إجراء الانتخابات، وهل سيتم وضع قواعد دستورية مؤقته أم دستور دائم للبلاد؟ وماذا عن شروط الترشح ووضع العسكريين ومزدوجي الجنسية من خوض العملية الانتخابية؟ وهي قضايا ظلت شائكة في ليبيا وكانت سبباً في عرقلة جهود التسوية.
3- تراجع فعالية الأمم المتحدة:
استعرضت مبعوثة الأمم المتحدة لدى ليبيا، تيتيه، مخرجات الحوار المهيكل أمام مجلس الأمن خلال الإحاطة الشهرية يوم 18 يونيو الجاري، للحصول على الدعم والشرعية الأممية؛ ما يجعل هذه المخرجات أساساً للتسوية ونقطة الانطلاق الجديدة التي ستراهن عليها الأمم المتحدة في إنهاء المرحلة الانتقالية الممتدة في ليبيا لأكثر من 15 عاماً.
ويبدو أن اكتساب المخرجات الشرعية والدعم من مجلس الأمن لم يكن محلاً للخلاف، وستحظى المبادرة بدعم وتأييد من كافة الأطراف، إلا أن المعضلة الحقيقية لا تتوقف على شكل خارطة الطريق والأطراف المنخرطة فيها، ولا على حدود الدعم الدولي المنتظر؛ بقدر ما تعتمد على قدرة البعثة الأممية على تحريك المياه الراكدة وإنهاء المرحلة الانتقالية دون الوقوع في دوامة التكرار.
وقد لا يُعول كثيراً على البعثة الأممية في هذا الشأن، في ضوء طبيعة اختصاصات وصلاحيات عملها، والتي تقوم على أداء دور المُيسر بين أطراف الأزمة وبذل المساعي الحميدة للتوفيق بينهما، دون أن يكون لديها سلطة تُلزم الأطراف المختلفة بتنفيذ التوصيات التي يتم التوافق عليها؛ وهو ما عبّرت عنه تيتيه بالقول إن مخرجات الحوار عبارة عن توصيات توافقية غير ملزمة وليست قرارات تنفيذية.
وفي هذا الصدد، تُشير التجربة الليبية منذ انخراط أول مبعوث للأمم المتحدة في جهود التسوية عام 2011، إلى أن هذه البعثات تُجيد رسم خرائط الطريق دون أن تنجح في تنفيذها؛ الأمر الذي يجعل أي ترتيبات سياسية في ليبيا أشبه بالحلقة المفرغة.
4- الاختلاف بين المقاربتين الأممية والأمريكية:
تشهد الساحة الليبية مسارين سياسيين متوازيين مطروحين من الخارج، الأول عبر الحوار المهيكل برعاية الأمم المتحدة، والثاني من خلال الجهود التي يقوم بها مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون إفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس. وعلى الرغم من أن مساريْ تيتيه وبولس يتفقان في الهدف النهائي المتمثل في توحيد السلطة التنفيذية وإنهاء الانقسام السياسي في ليبيا؛ فإنهما يختلفان في الوسائل والآليات؛
بمعنى آخر، ترتكز مقاربة الأمم المتحدة على ترتيب المشهد السياسي من خلال حوار وطني موسع. في حين تنطلق المقاربة الأمريكية من التعاطي مع سلطة الأمر الواقع والفاعلين الأقوياء في شرق ليبيا وغربها باعتبارهما أساس الحل، وعليه تعمل على تقليل الفجوة بينهما.
وفي هذا الإطار، تعمل واشنطن على توظيف نفوذها وقدرتها على ممارسة الضغط على الأطراف الفاعلة في ليبيا، لتحقيق اختراق في مسار توحيد المؤسسات، وذلك على غرار جهودها في إقناع الأطراف الليبية ولأول مرة منذ 13 عاماً في إقرار أول ميزانية إنفاق مالي موحد في أبريل الماضي، ونجاحها في الشهر ذاته في جمع قوات من شرق ليبيا وغربها في المناورة العسكرية “فلينتلوك-2026″ في مدينة سرت. وكانت هذه التدريبات الأولى منذ نحو عقد التي يشارك فيها الطرفان في تدريب عسكري واحد تقوده القيادة الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم“.
وكشفت تقارير خلال الفترة الماضية عن مساعٍ أمريكية لإعادة ترتيب السلطة التنفيذية الليبية، من خلال صيغة جديدة لتقاسم السلطة تتضمن تولي صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، رئاسة مجلس رئاسي جديد، مع إبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.
ويؤثر تنوع الفاعلين وتعدد المبادرات في مسار التسوية؛ حيث إنها توفر فرصاً لتدخلات أكثر فعالية إذا جرى تنسيق الأدوار، وتوظيف نقاط القوة المشتركة والنفوذ في اتجاه واحد. ولكن، من ناحية أخرى، يمكن أن تؤدي زحمة مسارات التسوية والمبادرات إلى خلق شكل من أشكال التنافس أو الصدام؛ ما قد يوفر مساحة للأطراف الداخلية للمناورة بينها.
وخلال لقائه تيتيه يوم 13 يونيو الجاري، أكد بولس دعمه للحوار المهيكل وتوصياته النهائية؛ مشيراً إلى أن جهود واشنطن تتوافق مع خارطة الطريق الأممية الداعية للوحدة والشمولية وتأسيس مسار سياسي بقيادة ليبية. ويبقى التكامل بين المسارين الأممي والأمريكي مرهوناً باستمرار دعم واشنطن لمبادرة الأمم المتحدة وعدم الخروج عن المظلة الأممية أو تحويل هذه الجهود إلى مسار موازٍ يقتصر على عقد ترتيبات وصفقات مع مراكز القوة في ليبيا.
5- إشكالية تعدد مراكز القرار:
اصطدمت أي محاولة لاستكمال المسار السياسي وإنهاء المرحلة الانتقالية في ليبيا خلال الأعوام الماضية، بالانقسام السياسي بين حكومتيْ الشرق والغرب؛ وما نتج عن ذلك من تعدد مراكز القرار بين الجانبين. وهذه المعضلة تظل التحدي الرئيسي لأي تسوية سياسية محتملة، خاصة إذا ما تمت صياغة أي ترتيبات مستقبلية لا تضع في الحسبان مصالح هذه الأطراف.
وعلى الرغم من عدم صدور مواقف مباشرة من الفاعلين المؤثرين في المشهد الليبي تجاه توصيات الحوار المهيكل؛ فإن تصريحات سابقة لبعض الأطراف تكشف عن أزمة ثقة مع بعثة الأمم المتحدة. فقد تبنى أسامة حماد، رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي، موقفاً معارضاً لها منذ البداية، واتهم البعثة الأممية بتجاوز القوانين والتشريعات الليبية في اختيار أعضاء الحوار المهيكل ووضع خارطة الطريق، وذلك قبل أن يُعلن في نوفمبر الماضي تعليق كافة أشكال التعامل مع البعثة.
وفي السياق ذاته، عبّر المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، في أكتوبر الماضي، عن رفضه الضمني للمبادرة الأممية، قائلاً إن “خيوطها نسجت وراء الحدود“. وفي ديسمبر الماضي، رحب الدبيبة بانطلاق جولات الحوار، واعتبره مهماً في تجاوز حالة الانسداد السياسي، إلا أن ذلك لا يعني قبوله بمخرجاته؛ حيث يتحفظ على أي ترتيبات تؤدي إلى تشكيل حكومة بديلة قبل الانتخابات؛ وهو المسار الذي أقرته بالفعل لجنة الحوار في أعقاب انتهاء أعمالها؛ إذ أكدت ضرورة تشكيل حكومة الاستحقاق الوطني لتتولى مهمة تهيئة الأجواء لإجراء انتخابات في مده لا تتجاوز 24 شهراً.
من ناحية أخرى، تثير مخرجات الحوار والتوجه نحو تشكيل حكومة جديدة، أزمة تتعلق بفكرة “القادة الانتقاليين“؛ حيث إن كل مرحلة انتقالية تظهر معها مجموعة يُوكل إليها إدارة المرحلة قبل أن تتعثر الجهود في هذا المسار؛ ومن ثم يتحول هؤلاء إلى سلطة أمر واقع تزيد من تعقيد المشهد السياسي.
6- مخاوف تعميق الانقسام الليبي:
تزامن مع انتهاء جلسات الحوار المهيكل إعلان تسع بلديات ليبية (هي مصراتة والخمس وزليتن وبني وليد وترهونة وتينيناي والمردوم ومسلاتة وقصر الأخيار)، في 8 يونيو الجاري، تأسيس ما يُسمى بـ“إقليم الوسطى“. وبحسب البيان التأسيسي؛ فإن الهدف من إنشاء الإقليم هو تعزيز التنسيق والتشاور والتعاون المشترك بين البلديات الواقعة ضمن النطاق الجغرافي للمنطقة الوسطى؛ بما يسهم في تحقيق التنمية والارتقاء بمستوى الخدمات العامة.
وقد أثار هذا الإعلان جدلاً كبيراً في الأوساط الليبية حول مشروعيته والهدف الحقيقي وراءه وتأثيره في مستقبل ووحدة الدولة الليبية. وبغض النظر عن قانونية الإعلان والاحتجاجات التي شهدتها بني وليد وترهونة رفضاً لإدراج المدينتين ضمن هذا الكيان المُقترح؛ فإن توقيت الإعلان عنه في ظل مساعي الأمم المتحدة تجاوز الانقسام السياسي والمؤسسي في البلاد؛ قد فرض تساؤلات بشأن شكل الدولة الليبية وتوزيع الثروة والقوة، وما إذا كان هذا الإعلان مقدمة لتغير الخريطة الليبية وميلاد إقليم رابع بجانب الأقاليم الثلاثة التاريخية؛ وهي طرابلس وبرقة وفزان.
وفي هذا السياق، يمكن أن يزيد أي مشروع قائم على أساس مناطقي من حدة الانقسام في ليبيا، كما أن هذه البلديات ربما تستهدف من إعلانها عن الإقليم الجديد إعادة التموضع وإيجاد موطئ قدم في أي ترتيبات مستقبلية، خاصة إذا ما نجحت جهود بعثة الأمم المتحدة في تشكيل حكومة جديدة؛ ومن ثم إعادة توزيع السلطة والنفوذ.
في الأخير، أعادت خارطة الطريق التي أقرتها بعثة الأمم المتحدة، بجانب المبادرة الأمريكية، واتفاق الرئاسات الليبية الثلاث على إجراء الانتخابات في موعد أقصاه فبراير المقبل؛ الزخم السياسي مرة أخرى للأزمة الليبية، وزادت من مساحة التفاؤل بشأن استكمال المسار السياسي لحل الأزمة؛ ومع ذلك، يظل حدوث أي اختراق إيجابي مرهوناً بجدية الأطراف الليبية المنخرطة في الأزمة ومدى التوافق بينها، وتكامل الجهود التي تقودها الأمم المتحدة وواشنطن، إضافة إلى أدوار بعض القوى الإقليمية.
***
محمود قاسم ـ باحث متخصص في قضايا الصراعات المسلحة، ونائب رئيس تحرير دورية “اتجاهات آسيوية“
__________