صلاح الهوني

الاختبار الحقيقي ليس في توقيع الاتفاقات ولا في إعلان النوايا بل في التنفيذ على الأرض وفي قدرة الأطراف على تجاوز منطق المحاصصة نحو رؤية وطنية تتجاوز المصالح الضيقة.

بين تفاؤل مشروع تحركه بوادر تغيير فعلية، وريبة تثقلها ذاكرة مثقلة بوعود سابقة ذرتها الرياح قبل أن ترى النور، وعلى مشارف العام 2027، يقف الشعب الليبي مرة أخرى على أعتاب موعد انتخابي وُعد به.

في مشهد سياسي اعتاد أن يكون ساحة لإعلان النوايا أكثر منه أرضاً لتنفيذها، ثمة ما يبدو مختلفاً هذه المرة: لا مجرد بيان نوايا، بل وثيقة مبادئ، وميزانية موحدة، وغرفة عسكرية مشتركة، ولجنة عليا للانتخابات.

لكن هل يكفي هذا الزخم لقلب معادلة الفشل الليبية؟ أم أن البلاد أمام حلقة جديدة في مسلسل إجهاض الانتخابات قبل ولادتها، عنوانها هذه المرة “الأمل المشروط”؟

في خطوة حملت رمزية سياسية لا يستهان بها، جمع اجتماع عبر تقنية الزوم في حزيران/يونيو 2026 بين رؤساء السلطات الليبية الثلاث: عقيلة صالح رئيس مجلس النواب، ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة، ومحمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي، لاعتماد وثيقة “خارطة طريق إنهاء المرحلة التمهيدية”.

لم يكن مجرد لقاء صوري، بل تجسيداً لرغبة في تجاوز الانسداد الذي استمر لأعوام، وسط وعي بأن استمرار حالة اللّا قرار بات يشكل تهديداً لوحدة البلاد.

تستند الوثيقة إلى ثلاث مرجعيات أساسية: الإعلان الدستوري لعام 2011 وتعديلاته، والاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات عام 2015، والبيان الثلاثي الصادر عن القاهرة برعاية جامعة الدول العربية.

وهذا التثبيت المرجعي ليس من قبيل الترف القانوني، بل محاولة لوضع حد للاجتهادات السياسية المتضاربة التي جعلت كل طرف يلتجئ إلى نص يشرعن موقفه على حساب الآخر. لكن السؤال الجوهري: هل يمكن لهذه المرجعيات، التي فشلت في إنتاج حل سابقاً، أن تكون اليوم أساساً لبناء توافق جديد؟

ثمة ثلاثة تحولات جوهرية في المشهد الليبي تجعل هذه المحاولة مختلفة عن سابقاتها: الأول اقتصادي، والثاني عسكري، والثالث مؤسساتي.

على الصعيد الاقتصادي، شهد الحادي عشر من نيسان/أبريل 2026 توقيع أول ميزانية موحدة منذ أكثر من عقد من الزمن للسنة المالية الحالية (2026)، بقيمة تقدر بحوالي 30 مليار دولار، حظيت بترحيب عشر دول، بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وتركيا ومصر والسعودية.

هذه الميزانية، التي وقعها ممثلو مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، خصصت نحو 73 مليار دينار للرواتب، و40 ملياراً للتنمية موزعة بين الشرق والغرب. وينص الاتفاق أيضاً على العمل على إعداد ميزانية موحدة لعام 2027 في مرحلة لاحقة.

الاتفاق على هذه الميزانية لم يكن مجرد حل تقني لأزمة الإنفاق المزدوج الذي استنزف خزينة الدولة، بل اعترافاً صريحاً بأن استمرار الانقسام المالي بات يهدد بقاء الدولة ذاتها. لكن الاختبار الحقيقي، كما أشار رئيس حكومة الوحدة عبدالحميد الدبيبة، يكمن في “الالتزام الجاد من جميع الأطراف حتى يتحول إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن”.

الأمل مشروع كما يقول المراقبون لكنه مرهون بتحويل وثيقة المبادئ إلى إجراءات ملموسة خلال الستين يوماً المقبلة خصوصاً مع تحديد موعد أقصاه 17 فبراير 2027 لإجراء الانتخابات

أما على الصعيد العسكري، فقد شهدت ساحة سرت تمرين “فلينتلوك 2026” تحت إشراف أميركي، بمشاركة قيادات عسكرية من شرق البلاد وغربها، وهو ما أسفر عن تشكيل غرفة عسكرية مشتركة بصيغة “3+3” لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. وقد رحبت بعثة الأمم المتحدة بهذه الخطوة واعتبرتها “خطوة أساسية في بناء الدولة”.

غير أن التحدي هنا يتمثل في أن هذه التحركات العسكرية تصطدم برفض من تشكيلات مسلحة في غرب البلاد، فضلاً عن تعقيدات مشهد القيادة العسكرية.

أما التحول الثالث، فيتمثل في تشكيل اللجنة العليا للانتخابات، وهي هيئة سيادية تشرف على المسار الانتخابي، على أن تضم محافظ مصرف ليبيا المركزي، ورئيس المفوضية العليا للانتخابات، وعضوين من اللجنة العسكرية (5+5)، وممثلين عن الجهات الأمنية من الشرق والغرب، فضلاً عن التزام الأطراف بإجراء تعديل دستوري توافقي وتفعيل لجنة (6+6) لإعداد القوانين الانتخابية.

هذه الآليات قد تقدم إطاراً مؤسسياً لضمان نزاهة الانتخابات وحيادها، شرط أن تبقى بعيدة عن التجاذبات السياسية، علماً أن الخلافات لا تزال قائمة حول تغيير تشكيلة لجنة 6+6 واعتبار إضافة مؤسستي النفط والاستثمار إلى المؤسسات السيادية أمراً غير عملي في ظل الانقسام القائم.

غير أن هذا المشهد المتفائل لا يمكن فصله عن حقائق سياسية قائمة تؤرق أي مراقب موضوعي. فانقسام المؤسسة التنفيذية إلى حكومة وحدة وطنية في طرابلس برئاسة الدبيبة، وحكومة موازية في بنغازي برئاسة أسامة حماد، لا يزال قائماً.

هذا الانقسام، الذي يمتد ليشمل مؤسسات سيادية كبرى، يخلق حالة من “الشرعية المزدوجة” تجعل أي اتفاق عرضة للانهيار إذا لم تُحسم مسألة الحكومة الموحدة أو إعادة توزيع السلطة.

كما أن الذاكرة الشعبية الليبية تحمل جروحاً عميقة جراء تجارب سابقة أجهضت الانتخابات، كان آخرها إلغاء الانتخابات الرئاسية المقررة في ديسمبر 2021. هذه الذاكرة تجعل الليبيين ينظرون إلى المواعيد الانتخابية الجديدة بريبة تصل إلى حد السخرية أحياناً.

الأمل مشروع، كما يقول المراقبون، لكنه مرهون بتحويل وثيقة المبادئ إلى إجراءات ملموسة خلال الستين يوماً المقبلة، خصوصاً مع تحديد موعد أقصاه 17 فبراير 2027 لإجراء الانتخابات.

والفرق بين هذه المرة والمرات السابقة أن ثمة إرادة دولية تبدو أكثر تنسقاً، كما تجسد في البيان المشترك للدول العشر الذي لم يكتف بالترحيب بالميزانية بل ربطها بمسار سياسي شامل.

ليبيا اليوم أمام منعطف حقيقي: إما أن تُكتب قصة الشرعية الانتخابية أخيراً، أو أن تذرو الرياح وعوداً جديدة كما حدث في الماضي. الاختبار الحقيقي ليس في توقيع الاتفاقات ولا في إعلان النوايا، بل في التنفيذ على الأرض، وفي قدرة الأطراف على تجاوز منطق المحاصصة نحو رؤية وطنية تتجاوز المصالح الضيقة.

الميزانية الموحدة، الغرفة العسكرية المشتركة، واللجنة الانتخابية العليا، كلها أدوات يمكن أن تعمل، لكنها ستظل حبراً على ورق ما لم تقترن بإرادة سياسية صادقة لوضع حد لدوامة الفشل.

الشعب الليبي، الذي دفع أثماناً باهظة من دمائه وموارده، ينتظر أن يرى الأفعال لا الأقوال. وفي هذا الانتظار تتجلى جسامة التحدي، وضخامة الاختبار.

__________

مواد ذات علاقة