د. يوسف محمد صواني

استراتيجية الالتفاف المؤسسي

لطالما ركز النهج الدولي لإصلاح ليبيا، لسنوات، على الصفقات التي تقودها النخب من أعلى إلى أسفل. لقد تحولت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، التي تقودها حالياً الممثلة الخاصة للأمين العام السيدة هانا تيتيه، فعلياً من وسيط موضوعي إلى مدير للوضع الراهن، حيث تعقد حوارات لا نهاية لها، منظمة كانت أم لا، لإعادة خلط نفس الأوراق السياسية المفقودة الثقة.

وهذه العمليات محكوم عليها بالفشل، لأنها تطلب من أعضاء الكارتل أنفسهم التوقيع على أحكامهم السياسية بالإعدام.

ينبع فشل الوساطة الدولية في ليبيا من صورة ذهنية معيبة تختزل الأمة إلى مشروع شركة قابل للتفاوض. فمنذ عام 2011، اتسمت هذه الوساطة بسلسلة من المبادرات الأممية من أعلى إلى أسفل، والتي كافحت لإيجاد موطئ قدم لها في مشهد يتسم بالتشرذم السياسي العميق والتدخل الأجنبي.

بعد تدخل الناتو عام 2011، أُنشئت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لتوجيه عملية الانتقال، لكن هذه الجهود عانت غالباً من افتقارها للملكية المحلية وفشلها في إشراك المجتمع المدني بشكل هادف.

وأسفرت المحاولات البارزة لتوحيد الصف، مثل الاتفاق السياسي الليبي الموقع في الصخيرات عام 2015، في النهاية عن ترتيبات لتقاسم السلطة بين النخب، فشلت في تحقيق الشرعية الشعبية أو حل الانقسامات المؤسسية في البلاد.

في السنوات الأخيرة، تحولت الدبلوماسية نحو نهج المسار الثلاثيلمعالجة القضايا السياسية والعسكرية والاقتصادية، ومع ذلك، وكما يلاحظ المحللون، كثيراً ما قوضت هذه العمليات الأجندات الجيوسياسية المتنافسة للجهات الخارجية ونفوذ الجماعات المسلحة الراسخة.

ونتيجة لذلك، كثيراً ما تعرضت الوساطة الدولية لانتقادات لأنها أعطت الأولوية للصيغ السياسية السريعة على حساب المصالحة الجامعة التي يقودها الليبيون، والضرورية لبناء استقرار مستدام طويل الأجل.

فبدلاً من التعامل مع ليبيا كمجتمع له احتياجات جذرية، يعمل الوسطاء في كثير من الأحيان بمنطق تعاملاتي، إذ ينظرون إلى البلاد كمجموعة من خرائط القوى التي يمكن إعادة ترتيبها عبر صفقات النخب.

هذا النهج يتعامل مع الدولة كشركة يعاد هيكلتها، وشعبها كتفاصيل ثانوية، بافتراض أنه يمكن تحقيق الاستقرار بمجرد توزيع السلطة والموارد بين الفصائل المتنافسة.

قدم مسعود بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون العالم العربي والشرق الأوسط، مبادرة تجسد هذا الفشل التعاملاتي، من خلال معاملة ليبيا كأحجية شركة يمكن حلها عبر تقاسم السلطة بين النخب، بدلاً من كونها دولة ذات سيادة.

تقترح الخطة فترة انتقالية متعددة السنوات لتوحيد مؤسسات الدولة، تقوم على صفقة بين عائلتي الدبيبة وحفتر، وتشمل بشكل بارز إبراهيم الدبيبة وصدّام حفتر. إبراهيم الدبيبة هو مستشار الأمن القومي لإبن عمه، رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، ويلعب دوراً محورياً في إدارة حكومة الوحدة الوطنية المتمركزة في الغرب.

أما صدّام حفتر، فهو نائب القائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية (المعروفة أيضاً بالجيش الوطني الليبي) المتمركزة في الشرق. وتنبع أهميته ودوره من كونه ابن المشير خليفة حفتر، قائد القوات المسلحة العربية الليبية. ويُنظر إلى صدّام على نطاق واسع كخليفة محتمل لوالده، وكلاعب رئيسي في الجهود المدعومة أمريكياً لتوحيد قيادة البلاد.

على خلفية هذه التنافسات الداخلية الراسخة، تحولت الجهود الدولية لإصلاحليبيا نحو مبادرات تعاملاتية ذات أولوية اقتصادية، مثل ما يُسمى بالميزانية الموحدة، والسيطرة على عائدات النفط، والتنسيق الأمني عبر القيادة الأمريكية لأفريقيا (أفريكوم)، مما يختزل الدولة إلى مفاوضات بين الأطراف المسلحة والمالية المعنية.

وبينما يواصل بولس الضغط بإطار عمله بحيوية ملحوظة، تواجه المبادرة مقاومة شديدة. فقد نددت جماعات مسلحة وسياسية في مصراتة ومناطق أخرى، بالإضافة إلى الإسلاميين الراديكاليين ورئيس المجلس الرئاسي، بالاقتراح واصفين إياه بـالزواج القسريالمفروض على الليبيين، وبتهديد للعملية الديمقراطية.

غير أن هذه الاعتراضات تستدعي أكثر من مجرد الحذر. فاستحضار المبدأ الديمقراطي هنا لا يعمل كدفاع حقيقي عن الصالح العام، بل كدرع بلاغي تستخدمه جهات تخشى أن يؤدي التقارب بين معسكري الدبيبة وحفتر إلى تهميشها وحرمانها من الوصول إلى السلطة والمنصب والموارد.

وبالتالي، فإن تأطير الصراع كمواجهة بين الحكم العسكري والديمقراطية يبسّط بشكل مفرط تعقيد ما هو على المحك. فما يتكشف ليس صراعاً حول طبيعة النظام السياسي، بل صراعاً بين شبكات راسخة حول مكانتها داخله.

وهذه الفصائل، في الواقع، تشير إلى أن أي تسوية لا تبقيها في قلب البنية الناشئة تشكل تهديداً لمصالحها. وبالتالي، يتم الاستيلاء على لغة الديمقراطية للدفاع عن مواقع الامتياز، مما يعزز الانقسامات بدلاً من تعزيز المصالحة التي يتطلبها أي تسوية دائمة.

والأهم من ذلك، أن إعادة الهيكلة هذه من أعلى إلى أسفل، على غرار إعادة هيكلة الشركات، تتجاوز الشعب الليبي، مما يعزز نفوذ النخب مع تجاهل الحاجة الأساسية للشرعية المؤسسية والإجماع الشعبي.

من خلال عدسة إنهاء الاستعمار، يتضح أن المبادرات الدولية، مثل تلك المنسوبة حالياً إلى المستشار الرئاسي الأمريكي مسعود بولس، متجذرة في صورة ذهنيةهيكلية تعامل ليبيا كموضوع للتفاوض وليس كدولة ذات سيادة. ومن خلال العمل بمنطق إعادة هيكلة الشركات بدلاً من المصالحة الوطنية الجامعة كشرط مسبق لبناء الدولة، تقوض هذه التدخلات بشكل منهجي آفاق السلام المستدام.

أظهر تاريخ ليبيا منذ عام 2011 أن هذه الصفقات من أعلى إلى أسفل، التي تتجاهل تعقيدات المجتمع الليبي وضرورة الشرعية المؤسسية كما رأينا في صفقات تقاسم السلطة القائمة على الاتفاق السياسي الليبي لعام 2015 الذي أنشأ حكومة الوفاق الوطني، وكذلك إنشاء حكومة الوحدة الوطنية الحالية عبر المنتدى السياسي الليبي برعاية الأمم المتحدة تفشل في حل الأزمة.

فمن خلال إعطاء الأولوية لمصالح وسطاء السلطة الفصائليين على حساب بناء دولة مستدامة، تعامل هذه التدخلات السيادة كبند قابل للتفاوض، وتحول الخطاب السياسي إلى منافسة على مقاعد الحكومة بدلاً من السعي لتحقيق العدالة. ونتيجة لذلك، كثيراً ما تخضع النخب المحلية لمبررات انتهازية، محولة مبادئها لتتماشى مع أي صفقة خارجية تعدها بحصة من النفوذ.

في النهاية، تتجاهل هذه العقلية الصفقاتيةالذاكرة الجماعية الليبية؛ فهناك أزمة جوهرية قائمة بسبب انعدام ثقة الشعب في العملية السياسية، وغياب الشرعية عن الميليشيات التي تتشبث بالسلطة بأي ثمن.

من خلال التركيز على موازنة القوى المسلحة والمالية، تخاطر الوساطة الدولية بتحويل جهود السلام إلى وقود لصراعات مستقبلية. لا يمكن تحقيق الاستقرار الحقيقي عبر مخططات خارجية، بل عبر مشروع وطني يقوم على السلطة المؤسسية والإجماع المجتمعي، بدلاً من التوزيع المؤقت والإقصائي للسلطة.

لن يتم تحقيق الاستقرار التحويلي أبداً عبر الجهاز السياسي الحالي. بل يجب انتزاعه من الأسفل، من خلال استراتيجية صارمة من الالتفاف المؤسسي“: بما أن الدولة المركزية قد تم اختراقها بالكامل، يجب على حشد مدني منسق أن يتجاوز المركز السياسي الفاسد، وأن يفعلّ بشكل منهجي هياكل الحكم المحلي.

حالياً، تمتلك المجالس البلدية الليبية المنتخبة شرعية عضوية لا يمكن للكارتل المركزي شراؤها أبداً، رغم بعض الاستثناءات. من خلال تحويل مسؤولية المساءلة الإدارية والمالية إلى المستوى المحلي، والمطالبة بالإدارة اللامركزية المباشرة لعائدات النفط للبلديات، يمكن قطع الأوكسجين الذي يغذي نظام الوكالة. وبدون الأموال المركزية لتوزيعها على أذرعها المسلحة، ينهار نفوذ الكارتل.

لتحويل هذه المقاومة إلى إطار وطني دائم، يجب على تحالف استراتيجي بين الشبكات المحلية المتوازية والأحزاب السياسية الناشئة غير الفصائلية أن يتبنى أربع ركائز غير قابلة للتفاوض:

  1. دعوة جمعية تأسيسية: عملية شفافة من القاعدة إلى القمة لصياغة عقد اجتماعي وطني يضمن توزيعاً عادلاً ومنزوعاً من المركزية للثروة.

  2. إنشاء أجندة وطنية ديمقراطية موحدة: تنظيم سياسي تقوده أحزاب برامجية تركز على التماسك الوطني، وتستبعد صراحة صفقات تقاسم السلطة الصفرية التي تقودها النخب.

  3. فرض انسحاب جميع القوات الأجنبية: توحيد الضغوط المدنية والسياسية للمطالبة بالانسحاب الفوري وغير المشروط لجميع القوات الأجنبية وهياكل المرتزقة.

  4. إضفاء الطابع المؤسسي على الاستفتاءات المباشرة: إعادة حق النقض (الفيتو) إلى الشارع الليبي من خلال إجبار التصويت الشعبي المباشر على القرارات الاقتصادية الكلية والدستورية الحاسمة.

استعادة المستقبل

في حين يرفض بعض النقاد استخدام الأدوات الدستورية مثل الجمعيات التمثيلية والاستفتاءات باعتباره تبنيّاً غير نقدي لنماذج الدولة الغربية المستندة إلى وستفاليا، فإن هذا الرأي مضلل.

فبدلاً من أن يكون استسلاماً أيديولوجياً، فإن استخدام هذه الآليات هو شكل من أشكال الاستيلاء الاستراتيجي، يسمح باستعادة آليات الدولة وإعادة توجيهها نحو أهداف سيادية حقيقية.

من خلال ترسيخ هذه الأدوات في الواقع الاجتماعي المحلي وموافقة المجتمع، يتم تجريد البنية القانونية الرسمية من عبئها الإمبريالي من أعلى إلى أسفل، وإعادة توظيفها كدرع دفاعي لحماية السيادة الليبية من النهب الخارجي.

السيادة ليست هبة دولية تمنحها العواصم الأجنبية أو مبعوثو الأمم المتحدة، بل هي حق يجب استعادته. إن المهمة الأكثر إلحاحاً التي تواجه القوى المدنية في البلاد هي تجريد الأوصياءالأجانب والكليبتوقراطيين المحليين تماماً من شرعيتهم التحليلية. من خلال التخلص من أسطورة الدولة الفاشلة، يمكن لليبيين حرمان الكارتل من أوكسيجينه المالي، وتفكيك بنية الوصاية، وأخيراً أن يصبحوا هم المهندسين الوحيدين لمصيرهم.

***

الدكتور يوسف محمد صواني هو أستاذ السياسة والعلاقات الدولية في جامعة طرابلس، ليبيا، وزمالة أولى غير مقيمة في المركز الدولي لمبادرات الحوار (نيويورك). وهو أيضاً زميل أول في معهد أبحاث وتكامل السياسات في أفريقيا، وعضو في المجلس الاستشاري لمنظمة محامون من أجل العدالة في ليبيا.

__________

The Cairo Review of Global Affairs

مواد ذات علاقة