أندريا سيلينو

كيف تؤدي السياسات التكنوقراطية للاتحاد الأوروبي في ليبيا إلى تآكل نفوذه، مما يمكّن قوى منافسة من تشكيل المشهد السياسي والأمني في البلاد.

بعد خمسة عشر عاماً من سقوط معمر القذافي، لا يزال الاتحاد الأوروبي أكبر مانح لليبيا، لكنه أصبح فاعلاً سياسياً هامشياً. فمن خلال إعطاء الأولوية للتدخلات التكنوقراطية على حساب الانخراط الاستراتيجي، تنازلت بروكسل عن مساحات نفوذ لصالح أطراف مثل روسيا وتركيا والإمارات العربية المتحدة، التي باتت اليوم ترسم الوقائع على الأرض.

يتناول هذا المقال كيف ساهمت سياسات الهجرة الأوروبية، والمساعدات المجزأة، والانكفاء الدبلوماسي، في تقويض نفوذ الاتحاد، مع تعزيز هياكل قوى محلية إشكالية. ويخلص إلى أن الاتحاد الأوروبي، ما لم ينتقل بشكل حاسم إلى استراتيجية سياسية منسقة، يواجه خطر التحول إلى طرف غير ذي صلة بشكل دائم في منطقة محورية لاستقرار البحر المتوسط.

بعد خمسة عشر عاماً من سقوط القذافي، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه في مفارقة صنعها بنفسه في ليبيا. فهو أكبر مانح للبلاد، إذ ضخ مئات الملايين من اليورو عبر الصندوق الائتماني الأوروبي للطوارئ من أجل أفريقيا، وأداة “الجوار والتنمية والتعاون الدولي – أوروبا العالمية”، ومع ذلك لا يكاد يمتلك أي نفوذ سياسي على مستقبل ليبيا.

تمتلك بروكسل مهمة بحرية في المتوسط، وتدرب قوات خفر السواحل، وتمول برامج سيادة القانون، وتدعم مشاريع تنمية المهارات، ومع ذلك تحتفظ روسيا بوجود عسكري دائم في شرق البلاد، وتبقي تركيا قوات وقواعد في الغرب، فيما تواصل الإمارات دعم الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر بالسلاح والدعم السياسي. وباختصار، استبدل الاتحاد الأوروبي أهميته الجيوسياسية بوهم مريح يتمثل في إمكانية الإدارة التقنية للأزمة.

من وسيط إلى مدير

جاءت نقطة التحول تدريجياً. فبعد مؤتمر برلين في يناير 2020 — وهو آخر مناسبة حاول فيها الاتحاد الأوروبي بجدية جمع الأطراف الرئيسية حول خارطة طريق مشتركة — سمحت بروكسل لطموحاتها الدبلوماسية بالذبول.

وقد وفرت حكومة الوحدة الوطنية، التي انبثقت عن ملتقى الحوار السياسي الليبي برعاية الأمم المتحدة في فبراير 2021، مخرجاً مناسباً: إذ أُسندت مسؤولية العملية السياسية بالكامل إلى بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بينما اكتفى الاتحاد الأوروبي بدور الداعم ومقدم الخدمات.

ثم جاءت الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير 2022 لتكرّس هذا التراجع، إذ أعادت ترتيب أولويات الاتحاد الاستراتيجية بشكل جذري، ووفرت غطاءً مؤسسياً لما أصبح بالفعل سياسة متعمدة لنزع الطابع السياسي عن الملف الليبي.

وأكد مسؤولون أوروبيون معنيون مباشرة بالملف الليبي لاحقاً أن هذا التراجع عن الانخراط السياسي كان خياراً واعياً، فرضته الانقسامات المستمرة بين الدول الأعضاء، والتي جعلت الاتفاق على موقف سياسي موحد أمراً شبه مستحيل.

تسارع المنحى التكنوقراطي

ما تلا ذلك كان تسارعاً في التوجه التكنوقراطي. فقد تركزت مساعدات الاتحاد الأوروبي، التي تمر عبر وكالات الأمم المتحدة مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمنظمة الدولية للهجرة، أو عبر وكالات تعاون وطنية مثل الوكالة الألمانية للتعاون الدولي ووكالة “إكسبيرتيز فرانس”، على تدخلات ذات أثر بصري واضح وقابلة للقياس السريع، مثل إزالة الألغام، وإعادة تأهيل البنية التحتية، ودعم الحكم المحلي، وإنشاء مراكز للمجتمع المدني في البلديات.

أما أحدث “إجراء خاص” لعام 2024، فقد خصص 7.15 مليون يورو لبرنامج مهارات للقطاع الخاص، و8 ملايين يورو لمشروع العدالة وسيادة القانون، وصفته الممثلة العليا كايا كالاس بأنه يستهدف “قضاء الأحداث، ومؤسسات سيادة القانون، ومكافحة الفساد”.

هذه الأنشطة ليست هامشية، لكنها ليست استراتيجية.

وقد لاحظت محكمة المدققين الأوروبية عام 2024 أن دعم الاتحاد الأوروبي لليبيا ظل “غير موجّه بما فيه الكفاية”، وموزعاً على نطاق واسع من الأنشطة دون تسلسل واضح للأولويات. وكانت رئيسة فريق التدقيق، بيتينا ياكوبسن، أكثر صراحة، إذ قالت إن النتيجة كانت “دعماً مجزأً مع ضعف التركيز على الأولويات الاستراتيجية”، وهو ما “يفشل في إحداث أثر”.

تصدير ملف الهجرة وتكاليفه السياسية

لا يظهر هذا التهرب التكنوقراطي أكثر خطورة — أو أكثر تناقضاً — من ملف إدارة الهجرةفمنذ عام 2017، بنى الاتحاد الأوروبي منظومة متكاملة لتصدير إدارة الحدود، إذ يمول ويدرّب ويجهز خفر السواحل الليبي مقابل اعتراض المهاجرين قبل وصولهم إلى المياه الأوروبية.

وقد تم تغليف هذا الترتيب بلغة محايدة مثل “بناء القدرات”، و”الإدارة المتكاملة للحدود”، و”تنسيق البحث والإنقاذ”، بما يخفي الخيارات السياسية الكامنة خلفه.

أما الكلفة الإنسانية لهذا النهج فلم تعد محل شك معقول. فقد خلصت بعثة تقصي الحقائق المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان الأممي في مارس 2023 إلى وجود “أسس معقولة للاعتقاد” بأن الانتهاكات المنهجية في مراكز الاحتجاز — بما في ذلك التعذيب، والعنف الجنسي، والعمل القسري، والابتزاز — ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، وأن دعم الاتحاد الأوروبي لاعتراض المهاجرين ساهم بصورة غير مباشرة في هذه الجرائم.

والوحدات التابعة لخفر السواحل الليبي التي يدعمها الاتحاد ترتبط بميليشيات تستفيد من منظومة الاحتجاز عبر اختلاس الأموال العامة، وابتزاز المحتجزين، والعمل القسريوبدلاً من تفكيك هذه المنظومة، عزز التعاون الأوروبي الفاعلين المستفيدين منها، ومنحهم غطاءً مؤسسياً وموارد إضافية زادت من قدرتهم التفاوضية تجاه الحكومات الليبية والشركاء الأوروبيين.

فراغ ملأته روسيا وتركيا والإمارات

كانت نتيجة نزع الطابع السياسي عن الدور الأوروبي خلق فراغ هيكلي ملأته قوى أخرى بكفاءة أكبرفقد أدى التدخل العسكري التركي بين 2019 و2020 إلى قلب موازين الهجوم الذي شنّه حفتر على طرابلس، ومنح أنقرة وجوداً عسكرياً دائماً في غرب ليبيا، ونفوذاً أكبر على حكومة الوحدة الوطنية.

أما روسيا، التي دعمت هجوم حفتر عبر مجموعة فاغنر (التي تعمل الآن تحت اسم “فيلق أفريقيا”)، فقد رسخت وجودها في شرق ليبيا وعلى امتداد الساحل والصحراءفي المقابل، ظلت الإمارات داعماً مالياً وعسكرياً ثابتاً لحفتر، من دون أن تتأثر كثيراً بالضغوط الدبلوماسية الأوروبية.

اختبار تفشل فيه أوروبا

في أغسطس 2025، عرضت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه خارطة طريق جديدة على مجلس الأمن، ترتكز على ثلاثة محاور:

  • إطار انتخابي للانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
  • توحيد المؤسسات عبر حكومة جديدة.
  • حوار منظم حول الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة.

وأشارت إلى إمكانية إجراء انتخابات وطنية خلال 12 إلى 18 شهراً إذا تم تنفيذ الخطة بنجاحلكن رد الاتحاد الأوروبي اقتصر على بيانات دعم عامة من بعثته والدول الأعضاء، دون أي مبادرة سياسية ملموسة.

توصيات: استعادة دور سياسي

إذا أراد الاتحاد الأوروبي وقف انزلاقه نحو التهميش في ليبيا، فهناك عدة خطوات ضرورية:

أولاً: تطوير موقف سياسي أوروبي موحد تجاه خارطة طريق الأمم المتحدة، مع تنسيق مواقف الدول الأعضاء وإنهاء المسارات الثنائية المتنافسة.

ثانياً: استخدام قرار مجلس الأمن 16337 لتعزيز صلاحيات عملية “إيريني”، بحيث تنتقل من مجرد المراقبة إلى القدرة التنفيذية على اعتراض تهريب النفط غير المشروع.

ثالثاً: الانخراط مع شرق ليبيا دون منح شرعية أحادية لحفتر، وربط أي تعاون بشروط واضحة تتعلق بحقوق الإنسان والالتزام بالمسار الأممي.

رابعاً: البناء على الميزانية الموحدة التي أقرتها المؤسسات الليبية المتنافسة في أبريل 2026، واستخدام المساعدات الأوروبية لدعم الإدارة المالية العامة والمؤسسات الرقابية المشتركة.

خامساً: جعل الشفافية شرطاً غير قابل للتفاوض، عبر إخضاع كل البرامج المرتبطة بالحدود والاحتجاز لتقييمات مستقلة لحقوق الإنسان ونشر نتائجها.

نافذة تضيق لكنها لم تُغلق

إن نافذة استعادة الاتحاد الأوروبي لوزنه السياسي في ليبيا تضيق، لكنها لم تُغلق بعدفكل عام يمر مع ترسخ الوجود العسكري الروسي والتركي، واستمرار التراجع الأوروبي نحو العمل التقني فقط، يجعل أي مبادرة مستقبلية ذات مصداقية أكثر صعوبة.

لقد أثبت الاتحاد الأوروبي أن المال، في غياب الإرادة السياسية، لا يشتري النفوذ، بل يشتري مظهر المشاركة بينما يقوم آخرون بتشكيل الحقائق على أرض الواقع. ويتطلب عكس هذا الوضع التسليم بأن تحقيق الاستقرار في ليبيا ليس مشكلة تقنية تُدار، بل تحدٍ سياسي يجب مواجهته، حتى وإن تطلب ذلك خيارات صعبة بين الدول الأعضاء التي لطالما فضّلت التراخي المريح.

***
أندريا سيلينو ـ نائب رئيس معهد الشرق الأوسط في سويسرا ، وزميل تنفيذي غير مقيم في مركز جنيف للسياسة الأمنية .

____________

مواد ذات علاقة