عبدالله فارس القزّاز

ثالثا تحديات وآفاق التحكم في القوة غير التقليدية:

على الرغم من محاولات عديدة لمعالجة قضية القوة غير التقليدية في ليبيا خلال العقد الماضي، لا يزال التحدي الأكبر هو دمج هذه القوى في إطار الدولة أو تفكيكها بطريقة تحقق استقرارًا دائمًا.

تشهد الساحة الليبية منذ 2011 حالة من الانقسام الشامل في المسارات السياسية والأمنية، حيث تتداخل جهود الحكومات المحلية مع مبادرات دولية دون أن تنجح في إنتاج مشروع وطني جامع.

هذا التعقيد يعكس أن الأزمة الليبية لم تعد مجرد صراع على السلطة، بل تحوّلت إلى بنية مركبة من المصالح المتشابكة التي يصعب تفكيكها عبر أدوات تقليدية.

في هذا السياق تبرز محاولات إعادة هندسة العلاقة بين الدولة والقوى غير التقليدية، سواء عبر الإدماج أو التفكيك، باعتبارها محورًا رئيسيًا لأي تسوية محتملة.

غير أن التجارب السابقة أظهرت أن إدماج الميليشيات داخل مؤسسات الدولة دون ضوابط صارمة أدى في كثير من الأحيان إلى إعادة إنتاج الأزمة داخل الهياكل الرسمية نفسها، حيث تحولت بعض الأجهزة إلى امتداد لنفوذ هذه الجماعات بدل أن تكون أداة لضبطها، وهو ما يعكس إشكالية عميقة في بنية الدولة الهشّة.

ومن أبرز المسارات التي سعت إلى معالجة الانقسام الأمني كانت لجنة “5+5” العسكرية المشتركة، التي عُوِّل عليها كإطار عملي لتوحيد المؤسسة العسكرية وإخراج المرتزقة.

إلا أن محدودية نتائجها كشفت عن عمق الأزمة، حيث اصطدمت جهودها بتعدد الولاءات وغياب الثقة بين الأطراف، فضلًا عن استمرار التدخلات الخارجية، مما جعلها عاجزة عن ترجمة الاتفاقات إلى واقع فعلي، لتتحول من أداة للحل إلى مؤشر على تعقيد الأزمة البنيوي.

وفي موازاة ذلك برز توقيع مشروع تنموي موحّد بين المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب كتحول نوعي في مقاربة إدارة الأزمة، إذ يعكس محاولة واعية لنقل التنافس من المجال السياسي الصفري إلى المجال الاقتصادي التكاملي.

يقوم هذا المشروع على تنسيق السياسات المالية وتوجيه الموارد نحو برامج مشتركة، بما يخلق شبكة مصالح متداخلة بين الشرق والغرب، ويؤسس لما يمكن وصفه بـ التكامل الوظيفيبين مؤسسات منقسمة.

تكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تتجاوز منطق تقاسم السلطة إلى منطق تقاسم المنافع، وهو ما قد يشكل مدخلًا أكثر واقعية لإعادة بناء الثقة بين الفاعلين السياسيين.

ومع ذلك فإن قدرة هذا المسار على تحقيق تحول فعلي نحو المركزية التدرجيةتظل مشروطة بمدى قدرته على اختراق القيود البنيوية التي تحكم المشهد الليبي. فمن ناحية، يمكن للتكامل التنموي أن يفرض واقعًا إداريًا مشتركًا يمهّد تدريجيًا لتوحيد المؤسسات، خاصة إذا انعكس في تحسين ملموس للخدمات العامة.

لكن من ناحية أخرى يظل هذا المسار مهددًا باستمرار نفوذ القوى المسلحة وسيطرتها على الموارد، إضافة إلى غياب منظومة رقابة موحدة، مما قد يحوّله إلى إطار شكلي محدود التأثير.

ومن ثم فإن هذا المشروع يمثل اختبارًا حقيقيًا لإمكانية الانتقال من اقتصاد الانقسام إلى اقتصاد التوافق، وهو انتقال إن تحقق قد يؤسس تدريجيًا لإعادة بناء مركزية الدولة، أما إذا تعثر فسيؤكد مجددًا أن التنمية وحدها لا تكفي في ظل بيئة أمنية وسياسية مجزأة.

ولا يمكن فصل هذه التحديات عن التأثيرات الإقليمية والدولية، حيث تستمر بعض القوى الخارجية في لعب دور مباشر أو غير مباشر في دعم فاعلين محليين، مما يعقّد أي مسار وطني خالص لإعادة بناء الدولة .

كما أن استمرار اعتماد بعض التشكيلات المسلحة على موارد اقتصادية غير رسمية يعزز من قدرتها على البقاء خارج سيطرة الدولة، ويجعل من الصعب تفكيكها دون معالجة البعد الاقتصادي للصراع.

في ضوء ذلك يتضح أن مستقبل السيطرة على القوة غير التقليدية في ليبيا لن يُحسم عبر مسار واحد، بل يتطلب مقاربة مركبة تجمع بين الإصلاح الأمني، والتسوية السياسية، والتنمية الاقتصادية، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تفكيك الميليشيات، بل في إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والقوة، بما يسمح بإعادة تأسيس الدولة على أسس أكثر توازنًا واستدامة.

ختاما:تكشف التجربة الليبية، بعد أكثر من عقد على سقوط النظام السابق، عن تحول عميق في بنية الدولة ووظائفها، حيث لم تعد مسألة احتكار القوة مسألة مؤسساتية بحتة، بل أصبحت رهينة لتوازنات معقدة بين فاعلين متعددين يتقاسمون النفوذ على الأرض. فقد أفرزت ديناميات

الصراع واقعًا تتداخل فيه السلطة الرسمية مع القوة غير التقليدية، ضمن شبكة من المصالح السياسية، والاقتصادية، والأمنية التي يصعب تفكيكها عبر أدوات تقليدية أو حلول أحادية.

وفي هذا الإطار يتضح أن النموذج الليبي لا يعكس فقط أزمة داخلية، بل يقدم مثالًا على تحولات أوسع في طبيعة الصراعات المعاصرة، حيث تتراجع مركزية الدولة لصالح أنماط الحوكمة المتعددةالتي تتقاسم فيها السلطة قوى رسمية وغير رسمية، محلية وخارجية.

ومن ثم فإن أي محاولة لإعادة بناء الدولة الليبية لا يمكن أن تنجح دون الاعتراف بهذه البنية المركبة، والعمل على إدارتها بدلًا من تجاهلها أو السعي لتفكيكها بشكل فوري.

ومن منظور استشرافي، سيظل مستقبل ليبيا مرتبطًا بقدرتها على تطوير نموذج تدرّجي لإعادة تنظيم القوة، يقوم على دمج المصالح، وإعادة هيكلة المؤسسات، وبناء توازنات مستدامة بين الفاعلين المختلفين. غير أن هذا المسار سيبقى محفوفًا بالتحديات، في ظل استمرار التدخلات الخارجية وتداخل الاقتصاد غير الرسمي مع البنية الأمنية.

وفي النهاية يبقى السؤال المركزي مطروحًا: هل تستطيع ليبيا التحول من نموذج تعدد مراكز القوةإلى نموذج تنسيق مراكز القوةكمرحلة انتقالية نحو دولة موحدة، أم سيظل هذا التعدد عاملًا لإعادة إنتاج الصراع بدل احتوائه؟

***

عبدالله فارس القزّاز ـ باحث في الشئون الإفريقية

_____________

مواد ذات علاقة