ثريا رحيم
تهيئة النضج السياسي
يكشف الفشل المتكرر لمسارات الانتقال السياسي في ليبيا، ولا سيما في ما يتعلق باستدامة التسويات بين النخب، أن الاتفاقات الشاملة المقترحة كثيرًا ما طُرحت قبل أن تنضج.
غير أن هذا النضج يظل شرطًا حاسمًا لنجاح أي عملية سياسية. وبتعبير الباحث الأمريكي البارز والمتخصص في تسوية النزاعات ويليام زارتمان، فإن «نضج» التسوية المقترحة ينبغي أن يُزرَع ويُرعَى من قبل الجهة الوسيطة في أي نزاع.
وفي الحالة الليبية، تقع هذه المسؤولية على عاتق بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، من خلال إرساء إطار صارم لأي خارطة طريق أو اتفاق، إطار يتيح مساحة حقيقية للحوار بين الأطراف المتعارضة، والأهم من ذلك، يسهم في إزالة الغموض القائم، كليًا أو جزئيًا.
ويُعد استئناف المفاوضات داخل لجنة «6+6»، التي تضم أعضاء من مجلس النواب والهيئة المنافسة له على الغرفة الثانية للبرلمان، أي المجلس الأعلى للدولة، خطوة في الاتجاه الصحيح.
وقد أُوكلت إلى هذه اللجنة مهمة التوصل إلى اتفاق بشأن مراجعة الإطار الدستوري المنظّم للعملية الانتخابية، بدعم من توصيات وإشراف مشترك للجنة استشارية تتكوّن من عشرين خبيرًا ليبيًا، وذلك وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم 2755 (2024).
ويفرض هذا الإطار على أعضائه العمل المشترك على الجوانب التقنية للدستور والانتخابات. غير أن التوصل إلى تسويات متينة يتطلب وقتًا، ولا تزال لجنة 6+6 تواجه صعوبات في إنجاز مهمتها.
ولكي يبلغ أي إطار درجة كافية من النضج، لا بد أن يستقطب مشاركة قطاع واسع من المجتمع الليبي. فذلك من شأنه ضمان مفاوضات أكثر شفافية وتمثيلًا وانفتاحًا سياسيًا، والحد من إقصاء الفئات المهمشة.
وتعتزم رئيسة البعثة، هانا تيتيه، استئناف وتعزيز المبادرات الشاملة التي نُفّذت سابقًا في إطار الحوار الوطني الجاري وملتقى الحوار السياسي الليبي، من خلال اقتراح إنشاء منصة لـ«حوار مهيكل».
وستضم هذه المنصة ممثلين عن المجتمع المدني، والبلديات، والأحزاب السياسية، والفاعلين الأمنيين، مع ضمان تمثيل النساء وبعض المكونات الجغرافية والثقافية. وبهدف أساسي يتمثل في إرساء أسس رؤية وطنية واضحة، والإشراف على المسار الدستوري.
يمكن لمنصة الحوار المهيكل أن تسهم في الحد من ما يُعرف بقدرة النخب على «صناعة الملوك».
فمن جهة، من شأن إشراك ممثلين عن المجتمع المدني في الهيئات المستقبلية أن يسهّل عملية التداول الدوري للنخب قبل كل جولة انتخابية. ومن جهة أخرى، سيساعد ذلك على نقل صلاحيات في عدد من الملفات إلى أفراد ومجموعات المجتمع المدني القاعدي، بما يوازن الترتيبات التقليدية السائدة بين النخب، والتي غالبًا ما تحصر الوصول إلى السلطة في دائرة ضيقة.
اغتنام الفرص
منذ إنشائها، واجهت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تعطيلات متكررة بسبب التدخلات الخارجية التي نافست مهمتها وأضعفتها. ورغم جهود ممثلي البعثة لحثّ مجلس الأمن على فرض عقوبات على الجهات التي تعرقل المسار—سواء كانت ليبية أو أجنبية—فإن فعالية هذه التدابير تظل غير مؤكدة، نظرًا للانقسامات البنيوية واستمرار تضارب المصالح داخل مجلس الأمن بشأن الملف الليبي.
وفي ختام كتابها الذي تستعرض فيه تجربتها ممثلةً سابقة للبعثة، تتناول ستيفاني ويليامز التحولات العميقة التي تشهدها عمليات صنع السلام، متسائلة: «هل ستتولى منظمات إقليمية معنية أو دول أعضاء منفردة ومهتمة إدارة مفاوضات النزاعات؟ أم ستناط المهمة بمنظمات وساطة خاصة؟ وهل توجد صيغ أخرى يمكن اعتمادها؟».
وفي معرض رسمها لمسار تصحيحي، ترى ويليامز أن على وسطاء الأمم المتحدة أن يتموضعوا باعتبارهم «قادة أوركسترا» يحدّدون الإطار ويوجهون العملية، بدلًا من الاكتفاء بدور «العازفين المنفردين» الذين يقودونها من الخلف.
ومع أهمية الحفاظ على النهج متعدد الأطراف في مفاوضات تسوية النزاعات، يمكن لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أن تستفيد من الفرص التي تتيحها الطموحات الاستراتيجية للفاعلين الخارجيين، إذ قد تشكّل هذه الطموحات حوافز تدفعهم نحو حل النزاع.
ومثال ذلك اتفاق السلام الذي أُبرم في سبتمبر/أيلول 2025 بين حكومة الوحدة الوطنية وميليشيا «الردع» في طرابلس، المسيطرة على مطار معيتيقة. وقد أظهر الدعم التركي لهذا الاتفاق كيف يمكن للمصالح الاقتصادية والأمنية الخارجية أن تسهم في بلورة ترتيبات وساطة جديدة توازي الجهود التقليدية.
وبالمثل، قد يتجسّد الطموح الأمريكي للاضطلاع بدور أكثر فاعلية في تسوية النزاع الليبي بصورة بنّاءة. وقد تجلى ذلك في اجتماع روما في سبتمبر/أيلول 2025 بين مسعد بولس، المستشار الأول للشؤون الأفريقية في إدارة ترامب، وشخصيتين ليبيتين نافذتين ترتبطان بقوتين متنافستين في الشرق والغرب.
وأفادت التقارير بأن الاجتماع ركّز على سبل إعداد ميزانية موحّدة بين المؤسسات المتنافسة، بما يعزز انفتاح البلاد على الفرص التجارية.
كما يمكن لمبادرة أمريكية منفصلة، تهدف إلى دمج أجزاء من القوات المسلحة في شرق وغرب ليبيا—في إطار مناورات «فلينتلوك» السنوية للعمليات الخاصة التي تقودها «أفريكوم»—أن تمثل فرصة إضافية لتسوية النزاع.
ويمكن تنفيذ هذه المبادرة بالتنسيق مع جهود بعثة الأمم المتحدة، لا في منافسة معها، ولا سيما مع مساعيها لتأسيس فريق تنسيق تقني مشترك يجمع التشكيلات الأمنية من الشرق والغرب في تدريبات مشتركة.
ومن جانبهم، قد يجد الفاعلون الليبيون الرئيسيون مصلحة حقيقية في إنهاء الصراعات بين فصائلهم المختلفة، إذا ما انخرطوا في مبادرات تتيح لهم أداء أدوار مؤسسية معترف بها بالتعاون مع الوسطاء والشركاء الدوليين.
الخاتمة
تشعر القوى الخارجية، ولا سيما المنخرطة بعمق في الشأن الليبي، بإغراء متزايد للعب دور «صانعي الصفقات» في ليبيا. وإذا ما أحسنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا توظيف هذه الظاهرة، فقد تسهم في حل النزاع.
غير أنه من الضروري عدم منح هذه القوى تفويضًا مفتوحًا؛ بل ينبغي على البعثة والفاعلين الليبيين أنفسهم وضع حدود واضحة لصلاحياتها. وإلا، فإن ثمة خطرًا—كما أظهرت تجربة الوساطة مع الفلسطينيين في غزة—بأن تُهمَّش تطلعات السكان المحليين واحتياجاتهم.
وليس من الصعب تخيّل ما قد يحدث في السياق الليبي. فلو تُركت هذه القوى دون ضوابط، فقد تتوصل القوى الإقليمية والدولية إلى تفاهمات فيما بينها عبر صفقات قصيرة الأمد، تقوم على اعتبارات تجارية أكثر من كونها سياسية—بل واعتبارات تجارية ذاتية بالدرجة الأولى.
وفي مثل هذا السيناريو، ستظل القضايا الجوهرية التي تغذّي النزاع الليبي دون معالجة. وعلى بعثة الأمم المتحدة إدراك هذه الحقيقة. وإذا كان المطلوب تجنّب تهميش الليبيين العاديين على يد القوى الخارجية والنخب المحلية المرتبطة بها، فعلى البعثة أن تجد سبيلًا لإشراك الفاعلين الخارجيين المؤثرين بصورة حقيقية في استراتيجيتها للوساطة، من دون أن تبلغ حد تسليمهم زمام القيادة.
***
ثريا رحيم ـ باحثة منتسبة إلى مركز الدراسات والأبحاث والتوثيق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية في القاهرة.
_______________
