جوليا فنجلر

منذ عام 2020، سجّلت ليبيا أكبر تحسّن في مؤشر السلام العالمي. ومع ذلك، تُوضّح جوليا فنجلر أن التحديات المستمرة، والحوكمة المُجزّأة، والتدخل الأجنبي، وضعف المؤسسات، لا تزال تُقوّض الاستقرار.

بعد ما يقرب من عقد من الحرب الأهلية، خفّضت ليبيا في السنوات القليلة الماضية مستويات الصراع المفتوح بشكل كبير. ومع ذلك، فإن هذا السلام النسبي يُخفي هشاشتها الاجتماعية الشديدة ومشهدها العسكري والسياسي المُتصدّع، مما يجعلها عُرضةً لخطر تجدد الصراع بشكل متزايد.

بعد ما يقرب من عقد من الصراع الأهلي الذي أعقب الإطاحة بمعمر القذافي عام 2011، شهدت ليبيا مؤخرًا تحسّنًا ملحوظًا في السلم.

منذ عام 2020، سجّلت أكبر تحسّن بين جميع البلدان في مؤشر السلام العالمي (GPI)، مُتقدّمةً 25 مركزًا في التصنيف العالمي.

ومع ذلك، فإن التقدم الذي أحرزته ليبيا في الحد من المظاهر الخارجية للعنف يخفي هشاشة اجتماعية شديدة في البلاد وسط مشهدها العسكري والسياسي الممزق بشدة.

وتنعكس هذه الهشاشة في التدهور المستمر في ليبيا في مؤشر السلام الإيجابي، وهو مقياس معهد الاقتصاد والسلام للمرونة الاجتماعية والمؤسسية.

وفي حين أن الانخفاضات الأخيرة في العنف في ليبيا موضع ترحيب، إلا أنها جاءت نتيجة لجمود اجتماعي وسياسي لا يمكن الدفاع عنه.

وما لم يتم التغلب على تصدعات ليبيا وتعزيز مرونتها المؤسسية، سيظل السلام غير مستدام، كما يتضح من اندلاع العنف في وقت سابق من هذا العام.

السياق التاريخي

إن عدم الاستقرار الحالي في ليبيا متجذر بعمق في إرث حكم القذافي الذي استمر أربعة عقود. فقد وصل القذافي إلى السلطة عام 1969 من خلال انقلاب عسكري، وأسس نظامًا استبداديًا فكك المؤسسات الرسمية.

واستبدل نظامه الجماهيري الهياكل الحكومية التقليدية بشبكة معقدة من اللجان الشعبية والمجالس الثورية. قُمعت المعارضة السياسية بشدة، ونُفيت جماعات المعارضة.

وبينما استخدم القذافي الثروة النفطية لتمويل البرامج الاجتماعية والبنية التحتية، ترك حكمه ليبيا بلا مؤسسات سياسية فاعلة أو خطة واضحة لخلافته.

في سياق الربيع العربي، اندلعت الحرب الأهلية في البلاد عام 2011، مما تسبب في مقتل عشرات الآلاف وأدى إلى انهيار النظام.

وقد خلق هذا فراغًا كبيرًا في السلطة، حيث تنافست الميليشيات والقبائل والفصائل السياسية المتنافسة على السيطرة.

وبدون مؤسسات قوية أو جيش وطني موحد، كافحت ليبيا للانتقال إلى الحكم الديمقراطي. جلبت الانتخابات في عام 2012 الأمل في البداية، لكن التوترات المتزايدة بين الفصائل الإسلامية والعلمانية، إلى جانب صعود الميليشيات القوية، أدت إلى تجدد العنف.

وأثار هذا التشرذم حربًا أهلية ثانية في عام 2014، مع اشتباكات متكررة وتدخل جهات خارجية كلفت آلاف الأرواح الليبية.

بعد ست سنوات من القتال العنيف، انتهت هذه الحرب الأهلية الثانية من خلال اتفاق لوقف إطلاق النار في عام 2020. أدت هذه الصراعات المتتالية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، إلى جانب الارتفاع الكبير في النشاط الإرهابي، إلى التدهور الهائل في درجة السلام في البلاد، وقد أدى توقفها إلى تحسنها اللاحق.

على سبيل المثال، تُحصي سجلات برنامج بيانات الصراع في أوبسالا حوالي 4000 حالة وفاة بسبب الصراع الداخلي في عام 2011.

ومن عام 2012 وحتى نهاية العقد، بلغ متوسط وفيات الصراع في البلاد أكثر من 1100 حالة وفاة سنويًا، لكنها سجلت أقل من 15 حالة وفاة بسبب الصراع كل عام منذ عام 2021.

وبالمثل، ووفقًا لمؤشر الإرهاب العالمي 2025، بلغ الإرهاب ذروته في ليبيا في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

وكان هناك ارتفاع في عدد الوفيات المرتبطة بالإرهاب في البلاد إلى 234 حالة في عام 2015. ولكن لم تُسجل أي هجمات إرهابية أو وفيات منذ عام 2022.

التحديات المعاصرة

في حين أن السلام السلبي، الذي يُعرّف بأنه غياب العنف أو الخوف من العنف، قد تحسن مؤخرًا في ليبيا، إلا أن هذا الاتجاه لم يصاحبه مكاسب مماثلة في السلام الإيجابي.

يشمل السلام الإيجابي الأنظمة الاجتماعية والمؤسسات وهياكل الحكم التي تدعم الاستقرار طويل الأمد. وفقًا لهذا المقياس، كانت ليبيا تسير في مسار تدهوري ثابت إلى حد كبير لأكثر من عقد من الزمان.

واعتبارًا من عام 2024، احتلت المرتبة 145 من بين 163 دولة في مؤشر السلام الإيجابي (PPI).

وقد انعكس ندرة السلام الإيجابي في ليبيا على المشهد السياسي الممزق في البلاد وتفاقم بسببه. ففي السنوات الأخيرة، حكمتها فعليًا حكومتان، تسيطر كل منهما على جزء كبير من أراضيها.

وتتخذ حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليًا من طرابلس مقرًا لها وتسيطر على الجزء الغربي من البلاد، بينما تسيطر سلطة منافسة يدعمها القائد خليفة حفتر على بنغازي والجزء الشرقي من البلاد.

ويدعي كلا الفصيلين الشرعية، لكن لم يتمكن أي منهما من إجراء الانتخابات الوطنية التي طال انتظارها، والتي كان من المقرر إجراؤها في ديسمبر 2021.

وقد أدى هذا الجمود إلى تجميد جهود الإصلاح وترك جزءًا كبيرًا من البلاد في حالة من عدم اليقين السياسي. وما لم يتم اتخاذ خطوات حقيقية نحو الوحدة، فإن هذا التشرذم المستمر للحكم سوف يترك البلاد عرضة لاندلاع متجدد للعنف.

في أوائل مايو 2025، على سبيل المثال، شهدت طرابلس أشد اندلاع للعنف منذ أكثر من عام، عقب اغتيال عبد الغني الككلي، القائد التابع لحكومة الوحدة الوطنية.

أثار مقتله اشتباكات مسلحة بين القوات التابعة للحكومة والجهات الفاعلة غير الحكومية. تصاعد العنف بسرعة في الأحياء المكتظة بالسكان، مما أسفر عن مقتل كل من المقاتلين والمدنيين. وعلى الرغم من التوصل إلى وقف لإطلاق النار بوساطة الأمم المتحدة بحلول منتصف مايو، إلا أن الحادث كشف عن هشاشة المشهد الأمني في ليبيا.

الآفاق المستقبلية

منذ وقف إطلاق النار هذا، استمرت تعبئة الميليشيات، لا سيما حول طرابلس. دفعت هذه التحركات بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى إصدار تحذيرات متكررة، كان آخرها في يوليو. وبينما انخفضت شدة الصراع بشكل عام، لا يزال خطر العنف في المستقبل مرتفعًا.

زاد التدخل الأجنبي من تعقيد هذه الصورة. تدعم تركيا حكومة الوحدة الوطنية، بينما تدعم روسيا، من خلال وكلاء ومتعاقدين عسكريين من القطاع الخاص، قوات حفتر. مع أن هذه القوى قد تُحقق استقرارًا مؤقتًا في بعض المناطق، إلا أنها تُعيق أيضًا المصالحة الوطنية.

يعكس مسار ليبيا ما بعد عام ٢٠١١ الفجوة بين غياب الحرب ووجود السلام.

فبينما تجاوزت البلاد ذروة الصراع المفتوح، لا تزال العوامل الأساسية لعدم الاستقرار تفتت الحكم، والتدخل الأجنبي، وانهيار المؤسسات قائمة.

ونتيجةً لذلك، قد تكون المكاسب في مجال السلام مؤقتة ما لم تُجرَ إصلاحات هيكلية أعمق، وتُحلّ الأزمة السياسية والعسكرية.
________________

مواد ذات علاقة