خالد محمود
مع تصاعد الجهود الدبلوماسية الدولية في محاولة تجاوز الجمود السياسي الطويل الأمد في ليبيا، برز نهج أمريكي جديد يتسم بنبرة تفاؤل ملحوظة تتناقض بشكل صارخ مع الحقائق المجزأة والمتقلبة في البلاد.
بعد 15 عامًا من إطاحة نظام القذافي في عام 2011، لا تزال ليبيا — على الرغم من ثروتها الهائلة من الهيدروكربونات وموقعها الاستراتيجي على البحر المتوسط — غير قادرة على توحيد نظام سياسي مستقر أو دمج مؤسساتها السيادية المجزأة.
لقد فشلت جهود الوساطة الدولية المتكررة حتى الآن في سد الانقسام الهيكلي بين التشكيلات السياسية والعسكرية في شرق البلاد وغربها.
مؤخرًا، قدم مسعود بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون العالم العربي وأفريقيا، مقترحًا يشير إلى انحراف جزئي عن خارطة الطريق التي ترعاها الأمم المتحدة منذ فترة طويلة.
ووفقًا للمعلومات المتاحة، يؤكد هذا المقترح على ترتيبات عملية لتقاسم السلطة بين المعسكرين المتخاصمين في ليبيا، بما في ذلك مناقشات حول إعادة تشكيل المجلس الرئاسي وترتيبات تنفيذية انتقالية قد تؤدي إلى إجراء انتخابات بحلول عام 2027.
وفي حين يُقدَّم هذا المقترح كتكيف عملي مع الحقائق السياسية، فإنه يعكس تحولًا أوسع في التفكير بواشنطن يفضي إلى إدارة الاستقرار على حساب التحول المؤسسي.
وتشمل هذه التغييرات الموافقة على ميزانية وطنية موحدة بعد سنوات من التشرذم، بالإضافة إلى مشاركة ليبيا في مناورات عسكرية متعددة الجنسيات مثل “فلينتلوك 26″ تحت إشراف القيادة الأمريكية لأفريقيا (أفريكوم).
من هذا المنظور، يتم النظر إلى ليبيا بشكل متزايد من خلال عدسة “الاقتصاد أولاً“، حيث يُعطي استقرار إنتاج النفط وضمان استمرارية صادرات الطاقة أولوية كأدوات لإدارة الضغوط التضخمية العالمية وكبح النفوذ المتزايد لكل من روسيا وتركيا عبر شمال أفريقيا.
على مستوى أوسع، يتناسب هذا النهج مع استراتيجية أمن الطاقة عبر الأطلسي التي تشكلت بفعل الصدمات الأخيرة في سلاسل التوريد العالمية. لقد عزز عدم الاستقرار المستمر في ممرات الطاقة بالشرق الأوسط، ولا سيما التوترات التي تشمل إيران والخطر الدائم لتعطل المسارات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز، من إلحاح تنويع مصادر الإمداد بعيدًا عن الخليج.
في هذا السياق، لم يعد النفط الخام الليبي يُنظر إليه في واشنطن على أنه مجرد قضية ليبية داخلية، بل كمنطقة عازلة جيوسياسية مفيدة خارج أنظمة الطاقة الخليجية والروسية على حد سواء.
ما يجعل ليبيا ذات أهمية خاصة هو قربها من أوروبا والجودة النسبية لنفطها الخفيف، الذي يمكن دمجه بسرعة في سلاسل التوريد بالبحر المتوسط. بالنسبة لدول أوروبية مستوردة رئيسية مثل إيطاليا وإسبانيا، تظل الصادرات الليبية مصدرًا مهمًا ومرنًا للإمداد.
ونتيجة لذلك، يمكن قراءة المشاركة الأمريكية الأخيرة، بما في ذلك المبادرات المرتبطة بمقترح بولس، ودعم ترتيبات الميزانية الموحدة، ومشاركة ليبيا في تدريبات “أفريكوم” مثل “فلينتلوك 26″، كجزء من جهد أوسع لتأمين استقرار الطاقة والأمن على المدى القصير، حتى لو بقيت التحديات الأمنية الهيكلية الأعمق داخل ليبيا دون حل.
حكومات الظل و“حق النقض للميليشيات“
إن الافتراض القائل بأن الاتفاقات على مستوى النخب والتنسيق التكنوقراطي يمكن أن يحل محل التحول الأمني الشامل يصطدم بما يمكن وصفه بـ“حق النقض للميليشيات” الراسخ.
منذ عام 2011، تطور المشهد الأمني الليبي إلى نظام بيئي مجزأ من الجماعات المسلحة التي لا تعمل كجهات فاعلة عسكرية فحسب، بل كهياكل حكم متجذّرة ذات نفوذ مالي وإقليمي ومؤسسي.
استفادت الجماعات المسلحة في غرب ليبيا من انهيار نظام معمر القذافي عام 2011 ونجحت في تحويل نفسها إلى هياكل مهيمنة تطالب بانتظام بالسيطرة على العاصمة طرابلس.
ونتيجة لذلك، تمارس حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليًا، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، سلطة اسمية فقط على مفاصل الحكم وتظل تعتمد على هذه الفصائل لبقائها، لا سيما بعد فشل هجوم المشير خليفة حفتر على طرابلس عام 2019.
وهو صراع استمر عامًا وانتهى بانسحاب الجيش الوطني الليبي وتوقيع هدنة هشّة برعاية الأمم المتحدة أوجدت ترتيبًا سياسيًا جديدًا تمثل في المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية.
لا يزال هذا الترتيب يشكل الديناميكيات الجيوسياسية الأوسع بين شرق ليبيا وغربها.
تاريخيًا، تتسم هذه الجماعات بقاعدة اجتماعية ضيقة نسبيًا، إذ يعتمد العديد من قادتها على إظهار التدين الأدائي لتوطيد السلطة المحلية.
على سبيل المثال، يسيطر عبد الرؤوف كارة — المعروف على نطاق واسع بـ“الشيخ” بينما يحمل رسميًا رتبة عسكرية “ملازم” — على جزء كبير من طرابلس.
تستمد قوة الردع الخاصة (جهاز الردع) نفوذها من قاعدة اجتماعية تعززت في البداية من خلال عملياتها لمكافحة المخدرات قبل أن تتطور إلى “دولة داخل دولة“، مع الحفاظ أيضًا على موقف عدائي جامد تجاه جماعة الإخوان المسلمين.
يجند جهاز الرداع عناصر بكثافة من أحياء طرابلس المحافظة، مثل سوق الجمعة، ويعمل تحت التبعية الرسمية لوزارة الداخلية؛ ولكن من الناحية العملية، يعمل خارج سيطرة الحكومة الفعلية ويحتفظ بسلطته على مطار معيتيقة الدولي، المطار الوحيد العامل في العاصمة.
في المقابل، تمثل لواء 44 قتال تشكيلًا عسكريًا منظمًا ومنضبطًا نسبيًا تابعًا لوزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية.
يستفيد اللواء من علاقات تدريب ودعم غير مباشرة مع تركيا، ويستمد الكثير من شرعيته من فعالية عملياته في مناطق مثل ترهونة وبني وليد، مع الحفاظ على قاعدة تجنيد متنوعة اجتماعيًا.
وفي الوقت نفسه، تستمد الجماعات المسلحة في مصراتة نفوذها من شبكات ما بعد ثورة 2011 في المدينة وقطاعات من نخبتها التجارية، إلى جانب علاقات أمنية مستدامة مع أنقرة.
على الأطراف، تظل الفصائل في الزاوية محلية للغاية، وتعتمد على هياكل قبلية مثل أولاد صقر وبوحميرة، بالإضافة إلى اقتصادات تهريب الوقود، والتي تمكنها معًا من مقاومة محاولات السيطرة عليها.
مناورات عسكرية: فرض شروط الشرق
على النقيض من ذلك، يتسم شرق وجنوب ليبيا بهيكل عسكري أكثر مركزية لكنه لا يزال شخصيًا تحت قيادة الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.
في السنوات الأخيرة، تم توزيع المناصب القيادية بشكل متزايد بين أبنائه، بما في ذلك صدام حفتر وخالد حفتر، مما يعكس إضفاء الطابع التدريجي للسلطة العسكرية العائلية.
كما أدى تعزيز سيطرة الجيش الوطني الليبي على البنية التحتية الرئيسية، بما في ذلك القواعد الجوية ومنشآت النفط في الجنوب، إلى زيادة تعميق عدم التماثل بين الغرب الليبي المجزأ وشرقه الهرمي الأكثر.
لا يزال هذا الانقسام يعيق أي محاولة جادة لإنشاء احتكار الدولة لاستخدام القوة بشكل شرعي، وهو عنصر أساسي في السيادة.
الرفض الليبي لمبادرة بولس
ليس من المستغرب أن تواجه المبادرة الأمريكية مقاومة عبر المشهد السياسي الليبي المجزأ. فقد أعربت مؤسسات رئيسية، بما في ذلك المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة، إلى جانب مختلف الفصائل الثورية والمسلحة في غرب ليبيا، عن تحفظات أو رفض صريح.
وبالتوازي، أجرت قوات الشرق مناورات عسكرية واسعة النطاق، يشار إليها غالبًا باسم “عملية كرامة الدرع 2″، أظهرت قوى بشرية هائلة ومعدات عسكرية متطورة، بما في ذلك أنظمة دفاع جوي روسية الصنع.
وإلى جانب بعدها التكتيكي، تحمل هذه المناورات وظيفة إشارات واضحة، مما يعزز فكرة أن أي تسوية سياسية مستقبلية يجب أن تراعي الحقائق العسكرية القائمة بدلاً من محاولة تجاوزها.
اقتصاد النهب والفصائل المسلحة
بمرور الوقت، تطورت الجماعات المسلحة الليبية أيضًا لتصبح مكونات مركزية لاقتصاد سياسي موازٍ. تمتد أنشطتها إلى ما هو أبعد من توفير الأمن إلى تنظيم الحياة الاقتصادية، بما في ذلك شبكات توزيع الوقود، وطرق التهريب عبر الحدود، وأنظمة الضرائب غير الرسمية، والتأثير على الإنفاق العام وعقود إعادة الإعمار.
في هذا السياق، ينظر العديد من النخب المسلحة والسياسية إلى الانتخابات التنافسية ليس كطريق إلى الشرعية، بل كتهديد محتمل للمصالح الاقتصادية الراسخة وشبكات المحسوبية.
ساهم هذا التشابك بين القوة القسرية والبقاء الاقتصادي في الفشل المتكرر للمبادرات الرامية إلى إزالة السلاح من المراكز الحضرية. على الرغم من الاتفاقات الرسمية التي أعلنتها السلطات في طرابلس والداعية إلى انسحاب التشكيلات المسلحة من العاصمة، ظل التنفيذ محدودًا وغير متسق.
وقد تلت هذه الإعلانات حلقات من تجدد العنف في طرابلس والزاوية ومناطق حضرية أخرى، مما عزز تصورات المراقبين الدوليين لبيئة أمنية هشّة وقابلة للعكس.
معادلة النفط والنفوذ الروسي
يعكس إنتاج ليبيا المستقر نسبيًا من النفط — والذي يتراوح حول 1.4 مليون برميل يوميًا — تفاهمًا ضمنيًا وغير رسمي بين الأطراف المتنافسة. وبدلاً من أن يشير إلى توطيد مؤسسي، يبدو أن هذا الاستقرار يقوم على ترتيبات براغماتية تعزل قطاع الطاقة عن المواجهة المباشرة. وبالتالي، يظل النفط موردًا مشتركًا وأداة مساومة محتملة داخل الاقتصاد السياسي الليبي المجزأ.
وهذا يثير سؤالاً تحليليًا مركزيًا بشأن اتجاه السياسة الأمريكية: ما إذا كانت واشنطن تستثمر حقًا في دعم انتقال ديمقراطي طويل الأجل قائم على مؤسسات موحدة، أو ما إذا كانت بدلاً من ذلك تعطي الأولوية لشكل أضيق من “الاستقرار الوظيفي” يهدف إلى ضمان تدفقات الطاقة واحتواء المنافسين السياسيين، وخاصة روسيا من خلال تواجدها المتوسع لفيلق أفريقيا في ليبيا ومنطقة الساحل الأوسع.
لقد تعمقت مشاركة روسيا في ليبيا من خلال علاقاتها مع الفاعلين في الشرق والجنوب، وخاصة أولئك الموجودين في مدار الجيش الوطني الليبي. يؤكد المشير خليفة حفتر أن الجيش الوطني الليبي يمارس سيطرة عملياتية فعالة على الغالبية العظمى من الأراضي الليبية، لا سيما في جميع أنحاء المناطق الشرقية والجنوبية.
بعد أن ثبت شرعيته السياسية على محو شبكات “الجهادية” العابرة للحدود من شرق ليبيا، نجح حفتر في إسقاط قوته على الهلال النفطي الاستراتيجي وفي منطقة فزان الجنوبية الشاسعة — وهي مثلث حدودي يقع على حدود دول جوار مضطربة.
على الرغم من الاحتكاك الأمني العرضي مع الفصائل المسلحة التشادية والسودانية العاملة عبر هذه الحدود، فقد خفف الجيش الوطني الليبي من هذه التهديدات إلى حد كبير من خلال انتشار عسكري مستدام، على الرغم من بقاء جيوب معزولة كممرات لشبكات التهريب المربحة.
للحفاظ على هذا الهيكل، يقود حفتر قوة تقدر بنحو 100 ألف فرد، ويعتمد بشكل كبير على الدعم اللوجستي والاستخباراتي والعسكري الحيوي من مصر وروسيا للتحايل على حظر الأسلحة المستمر للأمم المتحدة على ليبيا.
إضفاء الشرعية على الفوضى وتأجيل الانتخابات
ردًا على هذه التعقيدات، تقدم واشنطن بنهج يركز على الإدماج التدريجي للميليشيات، والاستيعاب المؤسسي، والمركزية المالية بهدف تقليص مصادر الإيرادات غير المشروعة.
هذه الاستراتيجية معززة بمجموعة من الشراكات الأمنية الإقليمية التي تشمل مصر والإمارات العربية المتحدة. ومع ذلك، تخاطر مثل هذه المقاربة بإنتاج ما يصفه المحللون بشكل متزايد بـ“فخ الاستقرار“، حيث يخفي خفض التصعيد قصير الأجل توترات هيكلية لم تحل.
تشير الأدلة الميدانية إلى أن الاستقرار في غرب ليبيا، ولا سيما في طرابلس، يظل مشروطًا وحساسًا للغاية للمحفزات المحلية. فحتى الحوادث البسيطة لديها القدرة على التصعيد بسرعة إلى مواجهات مسلحة، مما يؤكد غياب احتكار كامل للقوة.
أظهرت حلقات العنف الأخيرة المرتبطة بالتجمعات العامة والأحداث الرياضية مدى سرعة تحول المساحات المدنية إلى عسكرة، مما يثير تساؤلات أوسع حول جدوى العمليات الانتخابية على مستوى البلاد في ظل الظروف الراهنة.
تؤكد التقييمات الدولية، بما فيها تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة وهيومن رايتس ووتش والمجموعة الدولية للأزمات، باستمرار على أن الجماعات المسلحة أصبحت جزءًا لا يتجزأ من هيكل الحكم في ليبيا. فهي تمارس نفوذًا قسريًا على صنع القرار السياسي والتنظيم الاقتصادي والإدارة العامة، وغالبًا مع مساءلة أو إشراف فعالين محدودين.
وإدراكًا لهذه الديناميكيات العنيدة، تحولت مشاركة واشنطن في ليبيا بشكل متزايد نحو نهج تعاملاتي قصير الأجل يركز على التوسط في صفقات النخبة مع مراكز القوى الراسخة في كل من طرابلس وبنغازي.
وفي حين أن هذه الاستراتيجية تمكن من الحفاظ على استقرار هش ومؤقت، إلا أنها تعيق عمليًا أي مسار حقيقي نحو التوحيد السياسي الوطني أو تحقيق انتخابات محلية ذات مصداقية. فبدلاً من حل الأزمة، فهي تديم سوقًا سياسيًا مغلقًا يعطي الأولوية للفاعلين المسلحين على الانتقال الديمقراطي.
***
خالد محمود ـ صحفي مصري ومحلل سياسي مقيم بالقاهرة، يغطي الأمن الإقليمي والصراعات المسلحة وشؤون الشرق الأوسط لمنشورات دولية.
__________
