كريم ميزران و داريو كريستياني

في 21 أغسطس/آب، قدّمت الممثلة الخاصة للأمم المتحدة في ليبيا إلى مجلس الأمن خطة عمل جديدة تهدف إلى إحياء العملية السياسية المتوقفة في البلاد، وإتاحة فرصة جديدة لتحقيق الاستقرار بعد سنوات من الجمود.
تأتي هذه الخطة في ظلّ تزايد عدم الثقة في المؤسسات وضعف الأوضاع السياسية، حيث يشعر الليبيون بالملل من المراحل الانتقالية التي لا تُحقق نتائج ملموسة.
وفي هذا السياق، شهد شرق ليبيا تطوراً سياسياً هاماً: حيث عيّن الجنرال خليفة حفتر ابنه، صدام حفتر، نائباً للقيادة العامة للجيش الليبي. وأوضح حفتر أن هذه الخطوة تأتي في إطار “رؤية القيادة العامة 2030″ لتحديث الجيش وتحسين أدائه. وأشار حفتر إلى أن هذه الخطوة هي بداية لإعادة هيكلة أوسع تشمل تعيينات في مناصب رئيسية.
بعد ذلك بوقت قصير، وافق مجلس النواب الليبي بالإجماع على ترقية صدام حفتر. كما عيّن المجلس اللواء عبد الرزاق الناظوري مستشاراً للأمن القومي، بعد إعفاءه من منصبه كأركان حرب القوات الشرقية. أما خليفته؟ فهو خالد حفتر، ابن آخر للجنرال.
إن توقيت هذا التعيين، قبل أيام قليلة من إعلان الأمم المتحدة عن خطة العمل الجديدة التي تهدف إلى إقامة انتخابات وحكومة موحدة، أمر جدير بالاهتمام. وتأتي هذه التطورات في ظل تقارب متزايد بين حفتر وتركيا، على الرغم من تاريخ من التوترات.
قد تمهد هذه التطورات الطريق لتغيير في موازين القوى في طرابلس. وبشكل ملحوظ، تشير هذه التطورات إلى أن حفتر لا يكتفي بتشكيل المشهد السياسي الحالي، بل يسعى أيضاً إلى تعزيز نفوذه الاستراتيجي على المدى البعيد.
خارطة طريق بعثة الأمم المتحدة
ترتكز خطة عمل الأمم المتحدة على ثلاثة أهداف رئيسية: إقامة إطار انتخابي موثوق، وتشكيل حكومة وطنية موحدة، وبدء حوار شامل يضمّ النخب السياسية إضافة إلى الشباب والنساء ومنظمات المجتمع المدني والأقليات. والهدف الأساسي هو أن العملية الشاملة وحدها تضمن الشرعية وتُعالج أسباب النزاع.
وتستغرق الخطة المقترحة من اثني عشر إلى ثمانية عشر شهراً. تهدف هذه الخطة إلى تجنب نفس المعوقات التي حالت دون إجراء الانتخابات في عام 2021، والتي لم تتم في النهاية، على الرغم من أنها كانت المهمة الأهم التي حددتها حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة،كمنتج لعملية برعاية الأمم المتحدة.
وبموجب هذه الخطة الجديدة، سيكون التركيز الأولي على تعزيز الهيئة العليا الانتخابات، ومعالجة أوجه القصور في القيادة، وتسوية النزاعات القانونية والسياسية التي عرقلت العملية الانتخابية خلال العقد الماضي.
وبعد إتمام هذه الخطوات الأساسية، سيتم توجيه الاهتمام نحو تشكيل حكومة موحدة مسؤولة عن إعداد البلاد لإجراء الانتخابات. ومن أهم عناصر هذه الخطة أنها تستند إلى مشاورات سابقة أجرتها الأمم المتحدة، شملت آراء أكثر من 22 ألف مواطن ليبي.
وقد تبلورت رسالة واضحة من هذه المشاورات: ضرورة استعادة الشرعية السياسية من خلال الانتخابات، والتحول عن المؤسسات التي يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها غير فعالة وتفتقر إلى المصداقية.
مع أن الانتخابات الحرة والنزيهة ركيزة أساسية لأي نظام ديمقراطي، إلا أنه في الوضع الليبي الحالي، قد تزيد الانتخابات الوطنية، لا سيما على المدى القريب، من حدة عدم الاستقرار بدلاً من حلّه. ورغم إجراء الانتخابات المحلية مؤخراً، إلا أن العملية لم تحظَ باهتمام كبير.
ووصفها الأمم المتحدة بأنها خطوة إيجابية، نظراً لنسبة المشاركة المرتفعة (71%). إلا أن 26 بلدية فقط من أصل 63 بلدية شاركت، مما يعني أن نسبة المشاركة كانت محدودة بالبلديات التي شاركت فقط.
وهذا يؤكد أن الحماس الشعبي للانتخابات ليس عاماً، وأن القوى المؤيدة للموقف الراهن لا تزال قوية وقادرة على عرقلة العملية الانتخابية.
حالياً، لا تزال ليبيا مقسمة بين حكومتين متنافستين:
حكومة الوحدة الوطنية في الغرب، التي كان من المفترض أن تكون حكومة مؤقتة مهمتها الرئيسية إعداد الانتخابات في عام 2021، لكنها بقيت في السلطة.
وحكومة الشرق غير المعترف بها التي تدعمها قوات خليفة حفتر ومجلس النواب المنتخب عام 2014 برئاسة عقيلة صالح.
وبينما أقرت تيتي بضرورة العمل مع هياكل السلطة الحالية حتى إنشاء مؤسسات جديدة، حذر من أن الطريق نحو الأمام سيكون مليئاً بالمقاومة ومحاولات عرقلة العملية. وفي ضوء هذه التحديات، حثت أعضاء مجلس الأمن على البقاء متماسكين وعازمين، مشددة على أهمية محاسبة من يعيقون التقدم.
حسب تصريحاتها، يمثل هذا البرنامج خطوة مهمة نحو استعادة الشرعية والاستقرار في ليبيا، وفرصة لإنهاء دورة الاضطرابات المستمرة وبناء الأساسات اللازمة لإعادة بناء الدولة بعد أكثر من عقد من الانقسام.
سيطرة حفتر على السلطة والنفوذ التركي المتزايد
يشغل جميع أبناء حفتر الآن مناصب قيادية في شرق ليبيا، سواء في المجال العسكري أو الاقتصادي. ويُعتبر صدام حفتر خليفة والده المحتمل. ويعزز هذا الترقية الأخيرة مكانته داخل هيكل السلطة العائلي، مما يجعله خليفة محتملًا لوالده سياسيًا وعسكريًا. وتزداد أهمية هذه الخطوة مع الشائعات المتكررة حول حالة حفتر الصحية المتقدمة في السن.
يصادف تعيين صدام حفتر زيادة ملحوظة في دوره على الساحة الدولية. ففي الأشهر الأخيرة، قام بسلسلة من الزيارات الدبلوماسية رفيعة المستوى نيابة عن والده. وفي يوليو، سافر إلى إسلام آباد للقاء قائد الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، ورئيس الوزراء شهباز شريف لمناقشة التعاون العسكري والعلاقات البحرية.
وفي وقت سابق من هذا العام، زار واشنطن للقاء مسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية؛ وروما حيث التقى بوزير الدفاع الإيطالي غيودو كروزيتو؛ والقاهرة حيث بحث التنسيق العسكري والأمني مع رئيس الأركان المصري أحمد فتحي خليفة.
وكانت زيارته إلى تركيا هي الأكثر أهمية، إذ مثلت أول اتصال عسكري مباشر بين عائلة حفتر وأنقرة. وفي إسطنبول، التقى صدام بوزير الدفاع التركي يشار غولر ورئيس الأركان سلجوق أوغوز.
في ظل هذا الوضع المليء بالانقسام والتناحر السياسي، حظي تعيين صدام حفتر بردود فعل متباينة. وكما كان متوقعاً، رحب قادة المنطقة الشرقية من البلاد بهذا القرار، حيث لا يزال الكثير منهم مرتبطين ارتباطاً وثيقاً – بل ربما تابعين بشكل مباشر – لرغبات الجنرال حفتر. ففي حين رحب به قادة شرق ليبيا، إلا أنه أثار قلقًا وانتقادًا من فصائل تابعة لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس.
وبعد أيام قليلة من إعلان الأمم المتحدة، استضاف حفتر في 25 أغسطس/آب إبراهيم كالين، رئيس جهاز المخابرات التركي، في بنغازي. ويُعتبر كالين، إلى جانب وزير الخارجية هاكان فيدان، من أقرب مستشاري الرئيس أردوغان. كان قرار زيارة بنغازي دون التوقف في طرابلس رمزياً للغاية.
ففي اليوم السابق، رست الفرقاطة التركية “كيناليادا” في ميناء بنغازي، حيث استقبلها صدام حفتر. وقد مثلت هذه الزيارة أول زيارة سفينة حربية تركية إلى شرق ليبيا، المنطقة التي يسيطر عليها حفتر بشكل كامل. وفي 25 أغسطس، التقى خالد حفتر مع القائم بأعمال السفارة الأمريكية جيريمي بيرندت، أعلى مسؤول أمريكي في ليبيا بعد انتهاء ولاية السفير ريتشارد نورلاند في مايو الماضي.
ركز اللقاء على شراكة الأمن بين الولايات المتحدة وليبيا، حيث أكد بيرندت على أهمية “توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية في ليبيا وتعزيز الاستقرار على المدى البعيد للشعب الليبي“، مضيفاً أن الولايات المتحدة “ستواصل التواصل مع قادة الأمن في جميع أنحاء ليبيا“.
أفاد مصدرنا في ليبيا أن حفتر التقى في اليوم نفسه بوفود من تركيا وفرنسا والولايات المتحدة وإيطاليا. تعزز هذه اللقاءات زخم الدبلوماسية الذي حققه حفتر في الأشهر الأخيرة، لا سيما مع تركيا. إن توقيت تعييناته التي تحمل طابع “الوراثة العائلية” إلى جانب هذه الاتصالات الدبلوماسية رفيعة المستوى، يشير إلى أن هدف حفتر هو ترسيخ نفوذه وسيطرته على السلطة على المدى الطويل، ليس لنفسه فحسب، بل لعائلته أيضًا.
تشكل هذه التطورات تحديات خطيرة للحكومة الحالية في طرابلس. على نحو مثير للدهشة، لاحظ رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة (حكومة الوحدة الوطنية) تضييقاً في مساحة تحركه السياسية منذ مقتل عبد الغني الككلي (المعروف باسم “غنيوة“) في شهر مايو.
فبعد مقتل عبد الغني الككلي (غنيوة) في مايو، تضيق مساحة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة السياسية، حيث أصبحت الميليشيات التي تدعم حكومته أقل ولاءً له وأكثر استقلالية. بل إنها هي التي تحدد نطاق الاشتباكات وتوقفها متى شاءت.
وفي الوقت نفسه، اتخذت تركيا موقفاً استراتيجياً آخر، حيث عززت علاقاتها مع مصر، خصمها الرئيسي في شرق البحر المتوسط. لقد أظهر هذا الإجراء الدبلوماسي الرائع بوضوح نهج أنقرة العملي في التعامل مع خصومها في منطقة البحر المتوسط، على الرغم من أن الطريق نحو التعاون الكامل مع القاهرة لا يزال مليئاً بالتحديات.
وبعد سنوات من التوتر، الذي بدأ مع إطاحة الرئيس محمد مرسي في عام 2013 وصعود الجنرال عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، ظلّت العلاقات السياسية والدبلوماسية بين أنقرة والقاهرة متوترة، مما حدّ من تعاون البلدين في معالجة الأزمات الإقليمية في أفريقيا والبحر المتوسط الشرقي، وخصوصاً في ليبيا.
مع ذلك، وبسبب الحرب في غزة، بدأت تركيا ومصر العمل على إنهاء عقد من الخلافات، ما فتح الباب أمام التعاون في إطار استراتيجيات جديدة لمعالجة الأزمات المستمرة. ومع ذلك، لا تزال المنافسات الإقليمية وولاءات القوى المتضاربة ودور اللاعبين الخارجيين الآخرين يعقدون عملية التعاون.
في ليبيا، بات واضحًا أن تركيا لا تسعى إلى التحالف مع لاعبين محددين، بل تركز على تحقيق أهداف محددة: ضمان قبول اتفاقية تحديد المنطقة الاقتصادية الحصرية، والحصول على عقود إعادة إعمار ليبيا، واستخدام ليبيا كحليف استراتيجي لمواجهة جهود اليونان وقبرص وفرنسا العازلة لتركيا في شرق البحر المتوسط.
تعد هذه الاتفاقية أهم مصالح تركيا في ليبيا. فإذا وافقت كلتا الحكومات في ليبيا عليها، فستكون هذه أفضل ضمانة لتركيا ضد أي محاولات من خصومها الإقليميين لعزلها أو المساس بمصالحها في استكشاف الطاقة. في الواقع، كانت هذه الاتفاقية حاسمة لتدخل أنقرة العسكري في نوفمبر 2019، حيث وقعتها حكومة الوفاق الوطني آنذاك مقابل الدعم العسكري التركي ضد قوات حفتر.
على المدى القريب، من المرجح أن تشجع تركيا فصائل الغرب والشرق الليبيين على التوصل إلى تسوية سياسية وتشكيل حكومة وحدة وطنية. أما على المدى البعيد، فتبدو آفاق الدبيبة أقل إيجابية. مع القرارات الأخيرة، عزز حفتر سيطرته على القوات الشرقية، مؤكدًا سيطرته التامة على الأجهزة الأمنية في برقة. أما الدبيبة، فلا يمكنه الادعاء بنفس مستوى السيطرة في الغرب، إذ لا يزال يعتمد على دعم ميليشيات طرابلس، وليس على قيادتها.
بل يمكن القول إن موقفه يعتمد على رضا هذه الميليشيات، وبشكل رئيسي على وجود الجيش التركي في المنطقة الغربية، وليس على قاعدة شعبية واسعة أو شرعية واضحة. في هذا السياق، بمجرد أن تحقق اتفاقية مشاركة السلطة توافقًا في طرابلس، يمكن لحفتر استخدام سيطرته على القوات الشرقية للسيطرة على العاصمة أيضًا.
وسيعتمد تحقيق هذه السيطرة، سواء بالتفاوض أو بالقوة، على رد فعل الميليشيات في طرابلس ومصراتة، وعلى مصالح اللاعبين الخارجيين الرئيسيين، لا سيما تركيا، في هذا الوضع المتطور.
لا تزال تركيا، على الأرجح، اللاعب الوحيد القادر على وضع حد حقيقي لتطلعات حفتر. ومع ذلك، وكما أظهرت التطورات الأخيرة، أبدت أنقرة استعدادها للتواصل مع الفصائل في شرق ليبيا، لا سيما بعد أن بدأ حفتر ومحيطه المقرب بتعزيز علاقاتهم مع المصالح الاستراتيجية التركية.
بعد فشل هجومه المفاجئ على طرابلس في عامي 2019 و2020، والذي تم صدّه بفضل التدخل العسكري التركي الحاسم، قد يجد حفتر نفسه الآن قادماً إلى العاصمة عبر القنوات الدبلوماسية بدلاً من استخدام القوة. في تطور مفاجئ، قد يدخل طرابلس دخولاً انتصارياً دون إطلاق رصاصة واحدة، بفضل هذا التقارب غير المتوقع مع أنقرة.
***
كريم ميزران هو مدير مبادرة شمال أفريقيا وباحث أول في مركز رفيق الحريري وبرامج الشرق الأوسط في مجلس الأطلسي، حيث يركز على عمليات التغيير في شمال أفريقيا.
داريو كريستياني هو مستشار في مجال المخاطر السياسية وباحث مشارك في برنامج “الجهات الفاعلة العالمية” التابع لمعهد الشؤون الدولية في روما. وهو أيضاً باحث أول في مؤسسة مارشال الألمانية، حيث يعمل في مجال السياسة الخارجية الإيطالية والبحر المتوسط والسياسة العالمية.
________________
المجلس الأطلسي