حافظ الغويل

كيف يمكّن تفتت الحوكمة في ليبيا من تحويل عائدات النفط عبر شبكات هجينة، وماذا تشير التدخلات الأخيرة بشأن استعادة سيطرة الدولة.
ثروة ليبيا النفطية لا تُدار بشكل سيئ فحسب، بل يجري تحويلها بشكل منهجي عبر شبكات تطمس الخط الفاصل بين سلطة الدولة والنشاط غير المشروع. تكشف ما يُعرف بـ“قضية أركنو” كيف تعمل هذه الهياكل الهجينة داخل الأنظمة الرسمية، مستنزفةً مليارات الدولارات بهدوء، مع الحفاظ على واجهة قانونية شكلية.
المسألة لا تتعلق فقط بفقدان الإيرادات؛ بل إن هذه الديناميكية تُرسّخ الانقسام السياسي وتُضعف أي مسار نحو حوكمة مستقرة. ومع ذلك، تشير تحركات محمد المنفي الأخيرة إلى تحول محتمل نحو المساءلة، ما يطرح تساؤلاً حول ما إذا كانت ليبيا قادرة على استعادة السيطرة على أهم مواردها.
ما بدأ كخلل تقني بسيط تحوّل إلى ما هو أكثر دلالة: نموذج يوضح كيف يمكن لهياكل قوى موازية أن تستحوذ على أهم أصول الدولة، مع الحفاظ على مظهر من الشرعية. تشكل “قضية أركنو” نافذة لفهم كيف أُعيد تشكيل الاقتصاد النفطي الليبي تدريجياً إلى نظام هجين تتعايش فيه المؤسسات الرسمية مع شبكات غير مشروعة، بل وتخدمها أحياناً.
في جوهرها، لم تكن أركنو حالة شاذة، بل كانت تطوراً طبيعياً. تأسست الشركة في عام 2021، في وقت كانت فيه التسوية السياسية بعد الحرب في ليبيا تُعطي الأولوية للاستقرار على حساب المساءلة. هذا التوازن خلق بيئة مثالية لكيانات هجينة — تجارية على الورق، سياسية في الوظيفة — لتتغلغل في سلسلة قيمة النفط.
تكمن أهمية أركنو في أنها لم تعمل خارج النظام، بل من خلاله، مستفيدة من العقود، وإمكانية الوصول، والثغرات المؤسسية، لتحويل عائدات النفط بعيداً عن الدولة. وآليات العمل لم تكن جديدة ولا بدائية.
لطالما كان اقتصاد النفط والوقود في ليبيا عرضة لعمليات “التحكيم السعري”. فالوقود المدعوم محلياً بأسعار زهيدة يمكن بيعه بأكثر من دولار عند تهريبه عبر الحدود. هذا الفارق السعري، الذي قد يتجاوز 40 ضعف السعر الرسمي، غذّى اقتصاداً غير مشروع واسعاً لعقود. ما تغيّر بعد 2021 هو الحجم ومستوى التنسيق.
بحلول عام 2024، كانت ليبيا تستورد نحو 37 مليون لتر من الوقود يومياً، في حين أن الاستهلاك المحلي كان يقترب من 24 مليون لتر. الفارق لم يتبخر؛ بل تم تحويله. وبحسب الأسعار السائدة، يعادل ذلك خسائر سنوية تقارب 6.7 مليار دولار في الوقود وحده. وإذا أُضيفت تحويلات النفط الخام، وصفقات المقايضة غير الشفافة، والصادرات غير المُبلّغ عنها، يصبح حجم التسرب المالي هائلاً.
اندماج أركينو في هذا النظام كان سلساً: فقد تعاملت — بحسب التقارير — مع ملايين البراميل خلال أشهر من بدء عملها، محققة مئات الملايين من عائدات التصدير. إلا أن جزءاً كبيراً من هذه الإيرادات لم يمر عبر المصرف المركزي.
بين أواخر 2024 وبدايات 2026، تشير التقديرات إلى تحويل أكثر من 3 مليارات دولار عبر قنوات مرتبطة بأنشطتها. لم يكن ذلك “سرقة” بالمعنى التقليدي، بل “استخراجاً” منظماً ومؤسسياً محمياً بطبقات من الشرعية الشكلية. الظروف التي مكّنت هذا المستوى من السيطرة كانت جغرافية وبيروقراطية ومالية.
في شرق وجنوب ليبيا، عززت شبكات مرتبطة بعائلة حفتر سيطرتها على الموانئ وممرات النقل ونقاط توزيع النفط. ما أتاح تشغيل نظام مزدوج: رسمياً، إدارة توزيع الوقود والأمن؛ وفعلياً، فرض الرسوم وإعادة توجيه وتصدير الوقود على نطاق واسع.
بحرياً، شهدت الطرق عمليات إعادة تصدير لشحنات كاملة من الناقلات، أحياناً عبر نقل من سفينة إلى أخرى في المياه الدولية لإخفاء المصدر والملكية. يمكن لسفينة واحدة نقل عشرات الملايين من اللترات، ما جعل التهريب البحري العمود الفقري لهذه العمليات.
أما برياً، فكان النظام أكثر تفصيلاً لكنه فعال بنفس القدر: نقاط تفتيش تفرض رسوماً غير رسمية، حصص توزيع يتم التلاعب بها، وأزمات مفتعلة تدفع الوقود إلى السوق السوداء.
هنا يتضح دور أركنو، ليس فقط كمشارك، بل كمسهل للطبقة المالية في هذا النظام. من خلال عملها ككيان خاص يتمتع بوصول مميز، أنشأت جسراً بين الإنتاج الخاضع للدولة وقنوات الإيرادات الخاصة في الخارج. وبذلك، ساهمت في تحويل منظومة تهريب مجزأة إلى اقتصاد ظل أكثر تكاملاً.
السؤال إذن ليس لماذا استمر هذا الوضع، بل لماذا تأخر التعامل معه. الإجابة تكمن في التوازن السياسي الليبي. فمنذ 2021، استندت الحوكمة إلى اتفاق ضمني: توزيع العوائد بشكل واسع لمنع عودة الصراع. وهذا يعني التسامح مع مصادر دخل غير مشروعة، بل وتمكينها أحياناً، لدعم الجماعات المسلحة والتحالفات السياسية. وأي محاولة لعرقلة هذه التدفقات كانت تهدد توازناً هشاً للغاية.
رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة عمل ضمن هذه القيود، حيث تراوحت سياسات حكومته بين التصريحات الإصلاحية وإجراءات انتقائية لم تصل إلى تفكيك الشبكات الراسخة، بل تم التراجع عن بعضها أحياناً، ما عزز الانطباع بوجود تواطؤ أو حذر سياسي مفرط.
في هذا السياق، يبرز تدخل محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي، ليس كرد فعل لأزمة، بل كجزء من محاولة لإعادة ترسيخ التماسك المؤسسي في بيئة سياسية مجزأة. في نظام طالما اتسم بتعدد مراكز القوة والحكم القائم على الصفقات، يسعى نهجه إلى إعادة تموضع الرئاسة كضامن للمساءلة والتوازن الوطني. بحلول أوائل 2026، تجاوزت قضية أركنو عتبة حرجة: تصاعد التدقيق العام، وصعب إخفاء الخسائر المالية، كما زاد الاهتمام الدولي.
لكن ما يميز دور المنفي ليس فقط تدخله، بل كيفية تأطيره للمسألة: فقد حوّلها من قضية تقنية إلى مسألة سيادة وثقة عامة ونزاهة الحوكمة الاقتصادية. ويمثل ذلك تحولاً ملحوظاً، إذ بات يقدم نفسه كشخصية جامعة قادرة على العمل عبر الانقسامات السياسية، مع التأكيد على أن إدارة الثروة الوطنية خط أحمر. بهذا، بدأ في ترسيخ دور رئاسي أكثر فاعلية، لا ينافس المؤسسات الأخرى بقدر ما يسعى إلى تثبيتها.
كما يتكامل قراره السابق بإطلاق تدقيق شامل لعقود النفط والكهرباء مع تعامله مع قضية أركنو. فهذه ليست إجراءات إدارية ضيقة، بل خطوات استراتيجية لبناء أدوات مؤسسية قادرة على مواجهة الممارسات الراسخة. في بيئة يسودها الغموض، تحمل مثل هذه التحركات نحو الشفافية وزناً سياسياً كبيراً.
كما يجب فهم الضغوط التي مورست على السلطة التنفيذية، بما فيها رئيس الوزراء، ضمن هذا الإطار. ما كان يمكن أن يبقى جدلاً مُداراً، دُفع نحو الحسم، ما يعكس توقعاً متزايداً بعدم تأجيل الملفات الاقتصادية الكبرى إلى ما لا نهاية.
إلى جانب تعليق عمليات أركنو، حملت تحركات المنفي رسائل سياسية جديدة: أن التدخلات عالية المستوى، إذا استندت إلى شرعية مؤسسية ومساءلة عامة، يمكن أن تغيّر مسار حتى الأنظمة المتجذّرة.
الأهم أن نهجه تجنب المواجهة المباشرة في بيئة مستقطبة، حيث ركز على مبادئ مثل الشفافية والشرعية وحماية الموارد المشتركة، ما سمح له بمعالجة القضية دون تعميق الانقسامات. ويتماشى ذلك مع جهوده الموازية لتحقيق المصالحة الوطنية.
بهذا المعنى، يبدو أن المنفي يتبنى نموذج قيادة قائم على التدرج، يجمع بين التوازن واستعادة سلطة الدولة تدريجياً، بدلاً من القطيعة المفاجئة. صحيح أن هناك حدوداً، فالهياكل التي مكّنت أركنو لا تزال قائمة، ومحاولات الالتفاف مستمرة عبر كيانات جديدة. لكن رفع كلفة هذه الممارسات سياسياً يمثل بحد ذاته تحولاً مهماً.
ما كان يحدث في الظل أصبح الآن تحت رقابة أعلى مستويات الدولة. وهذا مهم لبلد يمر بانتقالات متداخلة: سياسية واقتصادية ومؤسسية. فبينما كان نمط القيادة يعتمد على موازنة قصيرة الأمد، يظهر الآن توجه لدمج هذه الموازنة مع وضع حدود واضحة لاستعادة هيبة الدولة.
في النهاية، لا تمثل قضية أركنو مجرد اختبار للحوكمة، بل مؤشراً مبكراً على ما إذا كانت القيادة الليبية قادرة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى تبني نهج إصلاحي أكثر عمقاً. وفي هذا السياق، تشير تحركات المنفي — الحذرة ولكن المتصاعدة — إلى أن هذا التحول، رغم عدم ضمانه، قد بدأ بالفعل.
___________
![]()