
اضطرابات أسواق الطاقة العالمية تفتح بابًا تاريخيًا للاستثمار… لكن الخلافات الداخلية تهدد بإغلاقه.
نادرًا ما تتزامن التحولات الدولية الكبرى مع امتلاك دولة لكل المقومات التي تؤهلها للاستفادة منها، لكن ليبيا تجد نفسها اليوم أمام هذه المعادلة.
فاضطرابات أسواق الطاقة العالمية، والبحث الأوروبي عن موردين أكثر استقرارًا، وارتفاع أهمية أمن الإمدادات، كلها عوامل تمنح البلاد فرصة استثنائية لاستعادة مكانتها النفطية. غير أن السؤال لم يعد يتعلق بقدرة ليبيا على إنتاج مزيد من النفط، بل بقدرة نظامها السياسي المنقسم على استغلال هذه اللحظة التاريخية.
وجاء إعلان المؤسسة الوطنية للنفط حصولها على أول ميزانية موحدة منذ أكثر من عقد، مع خطة تستهدف رفع الإنتاج إلى مليوني برميل يوميًا، ليعكس وجود إدراك متزايد لأهمية تطوير القطاع. لكن نجاح هذه الخطط يبقى مرهونًا ببيئة سياسية مستقرة تسمح بالانتقال من إدارة الأزمات اليومية إلى تنفيذ رؤية اقتصادية طويلة المدى.
وأكد رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، أن الميزانية الجديدة، التي تتجاوز 13 مليار دينار ليبي، تمثل “شريان حياة” للمؤسسة بعد سنوات من نقص التمويل، بما يسمح بإطلاق مشاريع الصيانة والتطوير واستقطاب الاستثمارات الأجنبية.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم التمويل، بل في طبيعة النظام السياسي الذي يدير الدولة.
فمنذ أكثر من عقد، تحولت الخلافات بين المؤسسات المتنافسة إلى أحد أكبر معوقات الاستثمار، إذ أصبحت القرارات الاقتصادية رهينة التوازنات السياسية، بينما تحول النفط في كثير من الأحيان إلى أداة ضغط في الصراع الداخلي بدل أن يكون رافعة للتنمية.
وتزداد أهمية هذا التحدي في ظل التحولات التي يشهدها سوق الطاقة العالمي. فالحرب الإقليمية، والاضطرابات التي مست طرق الإمداد، والقلق المتكرر بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز، دفعت شركات الطاقة الكبرى إلى إعادة النظر في استراتيجياتها والبحث عن مناطق تمتلك احتياطيات كبيرة وقريبة من الأسواق الاستهلاكية.
ومن هذه الزاوية، تمتلك ليبيا أفضلية يصعب تجاهلها. فهي تضم أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا، وتقع على الضفة الجنوبية للمتوسط، ما يجعلها أقرب إلى الأسواق الأوروبية من كثير من المنتجين المنافسين. كما أن منشآتها النفطية، رغم ما تعرضت له من أضرار، لا تزال قادرة على استعادة جزء كبير من طاقتها الإنتاجية إذا توافرت الاستثمارات والاستقرار.
غير أن هذه المزايا قد لا تكون كافية وحدها. فالمستثمرون لا يبحثون فقط عن النفط، بل عن بيئة قانونية وسياسية مستقرة تضمن استمرارية المشاريع لعقود، وهو ما لا تزال ليبيا عاجزة عن توفيره بصورة كاملة.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية. ففي الوقت الذي يعيد فيه العالم رسم خريطة الطاقة، لا تزال الطبقة السياسية الليبية منشغلة بإدارة الصراع على السلطة وتقاسم النفوذ، أكثر من انشغالها ببناء استراتيجية وطنية تستثمر التحولات الدولية. وتغلب الحسابات الآنية والمكاسب السياسية المباشرة على التفكير في كيفية تحويل الظرف العالمي إلى مشروع اقتصادي طويل الأجل.
ولذلك، فإن الميزانية الموحدة، على أهميتها، لا تمثل سوى خطوة أولى. أما الاختبار الحقيقي فيتمثل في قدرة المؤسسات الليبية على تحييد قطاع النفط عن التجاذبات السياسية، ومنح المؤسسة الوطنية للنفط استقلالية كافية لتنفيذ برامجها الاستثمارية دون أن تتحول مرة أخرى إلى رهينة للخلافات بين الحكومات والأطراف المتنافسة.
كما أن الوصول إلى إنتاج مليوني برميل يوميًا يتطلب استثمارات بمليارات الدولارات لتطوير الحقول القديمة، واستكشاف مكامن جديدة، وتحديث شبكات النقل والتخزين والتصدير.
وهي مشاريع لا يمكن أن تنجح في ظل بيئة تتكرر فيها عمليات إغلاق الحقول أو تعطيل الموانئ مع كل أزمة سياسية.
ولا يقتصر الرهان على زيادة الإنتاج فحسب، بل يمتد إلى إعادة بناء صورة ليبيا لدى المستثمرين الدوليين. فالشركات العالمية أصبحت أكثر حذرًا في ضخ استثماراتها، وهي تقيس المخاطر السياسية قبل حساب حجم الاحتياطات النفطية، ما يجعل الاستقرار المؤسسي شرطًا لا يقل أهمية عن الثروة الطبيعية نفسها.
وتدرك الدول الأوروبية، التي تسعى منذ سنوات إلى تنويع مصادر الطاقة، أن استقرار ليبيا يصب في مصلحة أمنها الطاقي، وهو ما يفسر الاهتمام الدولي المتزايد بدعم توحيد المؤسسات الاقتصادية وتشجيع عودة الشركات الأجنبية إلى السوق الليبية.
لكن هذا الدعم الخارجي لن يكون كافيًا إذا استمرت الانقسامات الداخلية. فالفرص الدولية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد، وأسواق الطاقة تتغير بسرعة، فيما تتنافس دول عديدة على اجتذاب الاستثمارات نفسها. وإذا لم تتمكن ليبيا من استغلال اللحظة الحالية، فقد تجد نفسها بعد سنوات أمام سوق مختلفة وفرص أقل.
وفي نهاية المطاف، لا يبدو التحدي الحقيقي أمام ليبيا تقنيًا أو ماليًا، بل سياسيًا بالدرجة الأولى.
فالبلاد تمتلك النفط، وتمتلك الموقع الجغرافي، وتحظى باهتمام المستثمرين، لكن ما ينقصها هو وجود إرادة سياسية تنظر إلى ما وراء الصراع اليومي، وتتعامل مع قطاع الطاقة باعتباره مشروعًا لبناء الدولة، لا مجرد مورد لتغذية الانقسامات.
ولهذا، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت ليبيا قادرة على إنتاج مليوني برميل يوميًا، بل ما إذا كانت طبقتها السياسية قادرة على التفكير بعقلية الدولة، لا بعقلية المكاسب المؤقتة.
____________