محمد شيخ يوسف

شهد الملف الليبي تطورات هامة خلال الفترة الأخيرة، على وقع اتفاق جديد للجنة الحوار المصغرة “4+4” في نهاية أغسطس/ آب الماضي، يتضمن الاتفاق النهائي لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ليبيا خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً.

وتبع ذلك لقاء جمع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة في تركيا، حيث اتفقا على تفعيل مسار لجنة 6+6، باعتبارها الأداة التي يُمكن أن تعيد قرار التحكم في العملية السياسية.

جولة فيدان في ليبيا

وبرز خلف التطورات الحاصلة من عودة السخونة إلى الملف الليبي حراك تركي مكثف وسعي إلى جمع الأطراف عبر وزارة الخارجية والاستخبارات الوطنية، بدأت بجولة أجراها وزير الخارجية هاكان فيدان في ليبيا التقى خلالها مختلف الأطراف في شرق البلاد وغربها وذلك في 11 و12 أغسطس الماضي، ثم استضافة تكالة وصالح في أنقرة الأسبوع الماضي.

وعقب مشاوراته في ليبيا على مدار يومين، أعرب فيدان عن تفاؤله بالمشاورات التي أجراها بين الأطراف الليبية رغم وجود بعض العقبات، مشدداً على أن “السياسة الخارجية التي تتبعها تركيا أسهمت بشكل كبير وبنّاء في هذه المرحلة داخل ليبيا، حيث تشهد كل من طرابلس وبنغازي والبلاد حركة بناء واسعة“.

وقال: “التقينا في طرابلس المسؤولين، والقاسم المشترك بين كل هذا هو أن حكومة الوفاق الوطني تقدم دعماً كبيراً لإعادة توحيد ليبيا وتوحيد الشرق والغرب، وتجري مفاوضات في هذا الشأن، ولكن بالطبع هناك شروط معينة، وفي بنغازي أجرينا لقاءات مع شخصيات جميعها محورية، ويقدمون دعماً كبيراً لدمج ليبيا وتوحيدها“.

كلام فيدان برزت فيه رغبة تركيا بتوحيد المؤسسات، وفي الوقت ذاته أقرّ بوجود عقبات، مؤكداً تبني تركيا سياسة البناء على التوافقات وترحيل الخلافات في تطبيع العلاقات.

ويبدو أن الجهود أثمرت توافق نهاية أغسطس، قبيل أن يستضيف رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن كلاً من صالح وتكالة في 11 سبتمبر/ أيلول الحالي، حيث جرى خلال اللقاء بحث التطورات في ليبيا والمنطقة، والخطوات التي يمكن اتخاذها لمواصلة التعاون بين ليبيا وتركيا، فضلاً عن الجهود المبذولة لتحقيق الوحدة السياسية والعسكرية والحفاظ على الاستقرار في ليبيا، بحسب مصادر أمنية تحدثت لوكالة الأناضول التركية للأنباء.

وتتكون لجنة 4+4 من ثمانية أشخاص، أربعة يمثلون الغرب الليبي، وأربعة يمثلون شرق ليبيا، وتجري حواراً برعاية الأمم المتحدة منذ إبريل/ نيسان الماضي، لتنفيذ خريطة الطريق الأممية في ملفي الانتخابات وتوحيد السلطة التنفيذية.

ونصّ الاتفاق على إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتعيين ضو إبراهيم عطية رئيساً لمجلس المفوضية، وسناء الليشاني نائبة للرئيس، كما حدّد جدولاً زمنياً لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، في ظلّ سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً.

وفي حال تعذر إجراء الانتخابات خلال هذه المدة، نصّ الاتفاق على أن يعمل الطرفان مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على إيجاد الآلية المثلى للوصول إلى الاستحقاق الانتخابي.

وأعلن مجلس النواب في ليبيا اعتماده اتفاق 4+4، في جلسته المنعقدة الاثنين الماضي، فيما يلزم المجلس الأعلى للدولة الصمت بعد اعتماد النواب الاتفاق، رغم الاتفاق بين صالح وتكالة على إحياء لجنة 6+6.

والفارق بين المسارين أن اتفاق 4+4 هو ما توصلت إليه لجنة شكّلتها البعثة الأممية من ممثلين عن سلطتي طرابلس وبنغازي، حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة لخليفة حفتر في شرق البلاد، بهدف وضع ترتيبات تقود إلى الانتخابات، وتحدد ملامح المرحلة السياسية المقبلة خارج حضور مجلسي النواب والدولة، بخلاف لجنة 6+6 المشتركة من المجلسين، التي صاغت قوانين انتخابية سابقة ضمنت 4+4 بعضها في اتفاقها الحالي وتجاوزت أخرى.

منع الانقسام

وعن الدور التركي في الملف الليبي وماهيته والهدف منه، قال الكاتب والباحث جاهد طوز لـ”العربي الجديد”، إن هذ الملف “يعدّ بالغ الأهمية بالنسبة إلى تركيا، حيث تقيّم التطورات في هذا البلد، وتنظر إلى المستجدات فيه على أساس أنها تؤثر عليها إيجاباً أو سلباً، ولذلك فإن نهج تركيا تجاه ليبيا هو في جوهره فهم سياسي، وفي هذا السياق ركّزت تركيا على قضيتين رئيسيتين في فترة ما بعد القذافي، الأولى هي منع انقسام ليبيا وضمان وحدة البلاد، والثانية ضمان الاستقرار السياسي“.

وشدّد طوز على “ضرورة تقييم هذه المناقشات في هذا الإطار، فخلال فترة العام ونصف العام الماضية لاحظنا أن صدام حفتر، نجل خليفة حفتر، زار تركيا أربع أو خمس مرات والتقى في إحداها الرئيس رجب طيب أردوغان، فيما تتبادل وفود من المؤسسات التركية المعنية الزيارات باستمرار، وتبذل تركيا جهوداً حثيثة للتقريب بين الأطراف المتنازعة وضمان الوحدة السياسية في ليبيا، لذا فإن المضمون العام للاجتماعات التي عُقدت يتماشى بطبيعة الحال مع هذا التوجه“.

جاهد طوز: الهدف الأساسي في ما يتعلق بليبيا هو ضمان الاستقرار، لأنه يصب في مصلحة تركيا العليا

وعن أهداف تركيا من هذا الحراك، أفاد طوز بأن “الهدف الأساسي في ما يتعلق بليبيا هو ضمان الاستقرار، لأنه يصب في مصلحة تركيا العليا، ولتحقيق هذه الغاية تسعى أنقرة إلى إدارة هذه العملية من خلال الجمع بين الأطراف، وطرح القضية الليبية على المنصات الدولية ولا سيما الأمم المتحدة وغيرها، وفي الوقت ذاته تعمل على منع تأثير الديناميات الخارجية في ليبيا، أو بالأحرى منع التدخل في شؤونها الداخلية“.

وشرح الباحث ذلك بالقول إن أنقرة “تسعى جاهدة إلى منع الجهات الفاعلة الدولية، سواء كانت دولاً أو منظمات، من التدخل في ليبيا والتسبب في زعزعة استقرارها، وقد أُحرز تقدم ملحوظ في هذا الصدد، وأخيراً اجتمعت الأطراف الليبية وتوصلت إلى اتفاق بشأن ليبيا موحدة، ولهذا أرى أن ليبيا تبدو مهيأة لتطور إيجابي كبير في وقت قريب”، معرباً عن اعتقاده بأن “الزخم يسير في هذا الاتجاه“.

وختم طوز قائلاً: “يمكننا أن نضيف أن تركيا بالتنسيق مع الجزائر ونتيجة لمبادراتهما تحقّقَ زخم إيجابي، وبرعاية أممية توصل محورا حفتر وطرابلس إلى اتفاق للاجتماع بشأن أوضاع البلاد، وهذا يظهر أن جهود تركيا كان لها أثر على الأطراف، كما نرى كيف تتجلى فعالية تركيا على الساحة الدولية، حيث تعتبر شريكاً موثوقاً به ودولة جديرة بالثقة في ما يتعلق بليبيا“.

من جهته، رأى الكاتب والصحافي فراس رضوان أوغلو، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “تقريب وجهات النظر هي سياسة مستمرة بدأت منذ فترة من قبل تركيا بين الشرق والغرب الليبيين، وبعد موافقة البرلمان على خطة 4+4 الجديدة في ليبيا، والهدف وحدة البلاد، وزيادة المؤسسات القانونية، وبعد ذلك توحيد المجهود العسكري والأمني بين الشرق والغرب، وهي تقريباً تتوافق مع خطة المبعوث الأميركي”، في إشارة إلى مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس.

فراس رضوان أوغلو: هناك توافق تقريباً بين كل الأطراف الخارجية المعنية بالملف الليبي على المسار الأممي

رغم ذلك، استبعد رضوان أوغلو حصول نجاح مباشر للجهود التركية، لكنه أكد أنها “ستساعد في النجاح، وهو أمر يحتاج إلى وقت، لأن دمج المؤسسات الليبية ليس سهلاً، خصوصاً أن الظروف الإقليمية جعلت الدور الليبي أكبر، فالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وأزمة مضيق هرمز جعلتا الضغط على ليبيا أكبر لزيادة إنتاجها النفطي إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً، وهذا يحتاج طبعاً إلى تكافل دولي أكبر من الخارج والداخل”، وفق رأيه.

وعن المواقف الدولية من الجهود التركية، اعتبر الكاتب والصحافي أن “الدول جميعها تدعم المسار”، لافتاً إلى أن “الوجود الروسي هو مشكلة بالنسبة إلى بعض الأطراف الأوروبية والأميركية”، لكنه لفت إلى أن تركيا “تتوافق مع روسيا بالملف الليبي نوعاً ما“.

وأعرب عن اعتقاده بأن “مواقف فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة وروسيا وتركيا ومصر، أي الدول الفاعلة بشكل كبير في الملف الليبي، متقاربة، ويمكن الإشارة بشكل كبير إلى التقارب المصري التركي“.

وشدّد أخيراً على أن “الأطراف الليبية لا يزال كل منها يبحث عن مصالحه السياسية، ولكن الموافقة الأخيرة من البرلمان على خطة 4+4 ودمج بعض العناصر الرئيسية من الشرق باتجاه الغرب، ربما تكون مقدمة جيّدة لبدء الحوار“.

_____________

مواد ذات علاقة