محمد الجارح
شكّل شهر أكتوبر زلزالًا سياسيًا في ليبيا. فقد بدأ بعزل رئيس مجلس النواب، الذي شغل منصبه لفترة طويلة، عقيلة صالح، في السادس من أكتوبر، وهو أحد أبرز الثوابت في المشهد السياسي الليبي لأكثر من عقد. ثم، في العشرين من أكتوبر، أقدم مجلس النواب، في تحول دراماتيكي في موقفه، على الموافقة بالإجماع على اتفاق ترسيم الحدود البحرية المثير للجدل المبرم عام 2019 بين طرابلس وأنقرة.
يزيل هذا التطور عقبة طويلة الأمد أمام التطبيع الكامل للعلاقات بين أنقرة وبنغازي، وهي علاقة ظلت مجمّدة منذ التدخل العسكري التركي عام 2019 ضد هجوم القوات المسلحة العربية الليبية للسيطرة على طرابلس. كما يحمل التصويت تداعيات جيوسياسية كبيرة في شرق البحر المتوسط، ولا سيما بالنسبة إلى اليونان وقبرص ومصر. وقد يشكل أيضًا قطعة من أحجية إعادة توحيد بلد ظل منقسمًا لما يقرب من عقد ونصف.
إن تسلسل هذه الأحداث ليس من قبيل المصادفة. فعقيلة صالح، الحليف القديم لمصر والذي كانت لديه طموحات للوصول إلى رئاسة ليبيا، ظل لفترة طويلة معارضًا للاتفاق الليبي التركي لعام 2019، شأنه في ذلك شأن القاهرة. لكن هذا التحول يتجاوز شخصيات الأطراف المعنية.
منذ عام 2014، اعتمد عقيلة صالح والقائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية، المشير خليفة حفتر، على بعضهما البعض للحفاظ على نفوذهما وأهميتهما. فقد امتلك كل منهما ما يفتقر إليه الآخر.
راكم حفتر القوة العسكرية والسيطرة على الأراضي، بينما سيطرعقيلة صالح على السلطة البرلمانية وما تمنحه من شرعية داخلية ودولية. وأنتجت هذه المعادلة اعتمادًا متبادلًا، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود ثقة كاملة أو علاقة تعاونية مستقرة في جميع الأوقات.
لكن البيئة التي حافظت على هذه العلاقة لأكثر من عقد بدأت تتغير. فقد ظهر مركز جديد للقوة حول صدام حفتر، نائب القائد العام لجيش حفتر، حيث أدى صعوده إلى إعادة تشكيل السياسة الداخلية الليبية وعلاقاتها الخارجية في آن واحد.
وهنا أصبح عقيلة صالح قابلًا للاستبدال. ففي السادس من أكتوبر، صوّت 104 أعضاء من مجلس النواب لعزله من منصبه. وقد نجحت هذه المحاولة حيث فشلت محاولات سابقة، لأنها حظيت بدعم صدام حفتر.
وهذا التطور أكثر أهمية من مجرد نزاع حول قيادة البرلمان. فهو يمثل نهجًا جديدًا في التعامل مع السياسة الداخلية المنقسمة في ليبيا وعلاقاتها الخارجية.
التداعيات الجيوسياسية
كان الاتفاق البحري الليبي التركي أحد أكثر بؤر التوتر تأثيرًا وإثارة للجدل في شرق البحر المتوسط.
في عام 2019، أبرمت تركيا اتفاقًا للتعاون العسكري مع حكومة الوفاق الوطني التي كانت تتخذ من طرابلس مقرًا لها، في وقت كانت فيه الحكومة تواجه هجومًا شنته القوات المسلحة العربية الليبية.
وجاء ذلك بالتوازي مع اتفاق لترسيم الحدود البحرية بين طرابلس وأنقرة. وتنظر تركيا إلى هذا الاتفاق باعتباره ركيزة أساسية في استراتيجيتها لحماية مطالباتها ومصالحها البحرية في شرق المتوسط في مواجهة اليونان وقبرص. ومن جانبهما، تعترض اليونان وقبرص على هذا الاتفاق البحري وعلى المطالبات التي يقوم عليها.
لكن مجلس النواب في بنغازي ظل لسنوات يرفض المصادقة على الاتفاق الليبي التركي. وكان هذا الموقف طبيعيًا بالنسبة لعقيلة صالح والمجلس، في ظل اختيار شرق ليبيا تعزيز اصطفافه الأوسع مع مصر وغيرها من القوى الإقليمية التي كانت تشعر بالقلق من طموحات تركيا وتوسع نفوذها في ليبيا وما بعدها. أما الآن، فقد تغير كل ذلك.
يثير تصويت العشرين من أكتوبر أسئلة مهمة حول مستقبل الاصطفافات الإقليمية التقليدية لبنغازي وطريقة إدارتها لعلاقاتها الخارجية. فبالنسبة للقاهرة، فإن تقارب العلاقات بين بنغازي وأنقرة والمصادقة على الاتفاق البحري يعقدان حسابات مصر الإقليمية وعلاقاتها وتحالفاتها في شرق المتوسط.
أما بالنسبة لبنغازي، فإن التقارب مع أنقرة والتعامل الإيجابي مع مطالباتها في شرق المتوسط قد يساعدان في تحقيق ما سعت إليه منذ سقوط نظام القذافي: الحصول على دعم تركي لتسوية سياسية وأمنية يمكن أن توحد المؤسسات الليبية المنقسمة وتُدخل مراكز القوة في بنغازي ضمن المنظومة الأمنية والسياسية في طرابلس.
لذلك، لا ينبغي فهم الاتفاق باعتباره رفضًا للتحالفات التقليدية، بل باعتباره محاولة لتوسيع الخيارات الدبلوماسية الليبية وتنويع علاقاتها الخارجية. وإذا أُدير هذا الاتفاق بصورة فعالة ومنسجمة، فإنه يمكن أن يساعد في تأمين التعاون الضروري لتجاوز انقسامات البلاد بعد سنوات طويلة من الصراعات والعمليات السياسية الفاشلة والوساطات الدولية.
عامل صدّام
يشكل النفوذ المتزايد لصدام حفتر عنصرًا أساسيًا لفهم ما يحدث في شرق ليبيا.
فقد أخذ يجمع تدريجيًا أشكالًا مختلفة من القوة كانت موزعة في السابق بين أطراف متعددة: القوة العسكرية، والنفوذ السياسي، والوصول إلى الموارد، والاعتراف الدبلوماسي.
ومنذ عام 2023، امتد نفوذه إلى جهود مرتبطة ببناء الدولة، بما في ذلك مشروعات البنية التحتية، والمبادرات الإنسانية، والاستجابة للكوارث، ومؤخرًا الإشراف على رؤية القوات المسلحة العربية الليبية لعام 2030 الخاصة بالتحول والتحديث العسكري.
ويعكس ذلك رؤية صدام حفتر لاكتساب شرعية الحكم من خلال الإنجاز العملي وتقديم النتائج.
كما شهد عام 2026 لقاءاته مع قيادات سياسية رفيعة في معسكرات دولية متنافسة، من فرنسا إلى روسيا واليونان وقطر والنيجر. وكان لقاؤه في يونيو مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ذا أهمية خاصة، إذ ناقش الرجلان، بحسب البيان الأمريكي، «الجهود الليبية الجارية لتوحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية في البلاد».
ويعمل حفتر الابن بصورة متزايدة على تقديم بنغازي بوصفها طرفًا يتمتع باستقلال استراتيجي، قادرًا على الحفاظ على علاقات منتجة مع قوى متنافسة دون أن يصبح تابعًا بصورة حصرية لأي منها.
وربما يمثل انفتاحه المتزايد على تركيا أوضح مثال على هذا النهج. فقد ساعدت أنقرة في هزيمة هجوم القوات المسلحة العربية الليبية عام 2019 للسيطرة على طرابلس. ومع ذلك، طوّر الخصمان السابقان علاقة تشمل الدبلوماسية والتعاون الدفاعي والاستثمارات الاقتصادية.
ويعكس ذلك استعدادًا براغماتيًا لدى الطرفين للفصل بين المواجهة العسكرية السابقة والمصالح الاستراتيجية الراهنة. كما يشير إلى ابتعاد عن النمط السياسي السائد الذي طبع جزءًا كبيرًا من تاريخ ليبيا بعد عام 2011، حيث كانت العلاقات تُعرّف في الغالب من خلال التحالفات القائمة والأيديولوجيات والخصومات القديمة.
الحسابات الاستراتيجية لبنغازي
تشمل الأهداف الاستراتيجية لبنغازي إعادة توحيد الوطن، واستعادة سلطة الدولة على كامل البلاد، وحماية وحدة الأراضي، وتأمين الحدود، وإنشاء مؤسسات وسلطات وطنية قادرة على الحكم في مختلف أنحاء ليبيا.
وبدأت الشراكات والعلاقات الخارجية تُقيَّم بصورة متزايدة وفقًا لمدى مساهمتها في تحقيق هذه الأهداف.
عمليًا، يعني ذلك أن التعاون مع روسيا لا يمنع التواصل وزيادة التعاون مع واشنطن أو الغرب. كما أن العلاقات الاستراتيجية مع مصر والإمارات لا تمنع تعزيز التعاون مع تركيا. وبالمثل، فإن الخلافات مع بعض الجيران والشركاء الأوروبيين لا تستبعد الانخراط الدبلوماسي في المجالات ذات المنفعة والمصلحة المشتركة.
وقد تبدو هذه العلاقات متناقضة، لكنها يمكن أن تتعايش إذا فُهمت في إطار سعي بنغازي إلى تحقيق استقلال استراتيجي. غير أن التحدي الذي تواجهه بنغازي في هذه المرحلة يتمثل في تحويل هذه المرونة والبراغماتية الدبلوماسية إلى مكاسب استراتيجية فعلية.
فعلى سبيل المثال، يوفر اتفاق 4+4 الأخير، الذي تم التوصل إليه برعاية الأمم المتحدة وبدعم من الولايات المتحدة، إلى جانب الجهود الأمريكية الخاصة بتوحيد ليبيا، مسارًا محتملًا نحو توحيد المؤسسات الوطنية.
لكن نجاح هذه الجهود يعتمد على دعم أطراف خارجية، يخشى بعضُها أن يؤدي تغير ميزان القوى إلى الإضرار بمصالحه الخاصة في ليبيا. وقد كان هذا صحيحًا بشكل خاص، في الآونة الأخيرة، بالنسبة إلى كل من مصر وأوروبا، وهو ما يفسر شعورهما بأنهما لم تعودا منسجمتين مع بنغازي.
وعلى الجانب الآخر، تحتل تركيا موقعًا مميزًا. فعلاقاتها السياسية والأمنية في غرب ليبيا تمنح أنقرة نفوذًا وتأثيرًا على أطراف سيكون قبولها ضروريًا لأي تسوية وطنية مستقبلية، سواء جاءت عبر المسار الأمريكي أو مسار الأمم المتحدة.
ومن منظور بنغازي، فإن تأمين الدعم التركي يمكن أن يساعد في دفع عملية توحيد المؤسسات السيادية والسلطة التنفيذية الليبية، التي طال انتظارها.
وتمتلك تركيا الوسائل والنفوذ اللازمين لتسهيل اتفاقات تفاوضية بشأن الترتيبات الأمنية ودمج المؤسسات العسكرية في بنغازي وطرابلس، وهو ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى دخول سلطات الشرق إلى طرابلس.
وبذلك يمكن تحقيق ما فشلت حرب عام 2019، ثم الحوار الذي رعته الأمم المتحدة لاحقًا، في تحقيقه.
وتشير أحاديث مع شخصيات سياسية وأمنية في بنغازي إلى وجود توقع بأن أنقرة، بعدما حصلت على مكسبها من خلال الاتفاق البحري، ستضع كامل ثقلها وراء إعادة توحيد ليبيا — وقريبًا.
وضع ليبيا في موقع أفضل للمستقبل
هناك أيضًا حسابات اقتصادية وجيوسياسية طويلة المدى تلعب دورًا في رؤية بنغازي لإعادة توحيد البلاد تحت سلطة واحدة.
فعبر منطقة شرق البحر المتوسط، أمضت الدول سنوات في التفاوض على اتفاقات ثنائية لترسيم الحدود البحرية وفي إقامة أشكال مختلفة من التعاون بهدف تعزيز مصالحها الاستراتيجية وحمايتها.
في أغسطس 2020، وقعت اليونان ومصر اتفاقًا لترسيم جزئي لمنطقتهما الاقتصاديتين الخالصتين. وفي عام 2022، رسم المرسوم الرئاسي المصري رقم 595 حدًا بحريًا غربيًا شمال الحدود البرية. وقد اعترضت كل من طرابلس وبنغازي على ذلك.
كما قامت اليونان بتأجير مناطق تقع جنوب جزيرة كريت، وتطالب ليبيا بها باعتبارها جزءًا من منطقتها الاقتصادية الخالصة، وفقًا لمذكرة قدمتها ليبيا إلى الأمم المتحدة في مايو 2025.
وفي عام 2020، أنشأت عدة دول منتدى غاز شرق المتوسط لتنظيم التعاون الإقليمي واستغلال موارد الطاقة في المنطقة، لكن دون مشاركة ليبيا وتركيا.
وكان يُنظر إلى ليبيا على أنها دولة مشلولة ومنقسمة إلى درجة لا تسمح لها بمنع هذه التحركات. لكن ذلك تغير الآن.
ومن منظور بنغازي، فإن الاتفاق البحري لا يتعلق بإرضاء تركيا من خلال تقديم تنازل لها، بل يتعلق أيضًا بتعزيز موقع ليبيا في منطقة اتخذت فيها دول أخرى بالفعل خطوات مؤثرة تمس مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية.
وستكون الدولة الليبية الموحدة في وضع أفضل للتفاوض بشأن الترتيبات البحرية، وتطوير الموارد البحرية التي تحتاج إليها البلاد بشدة، والتعامل مع مصر وأوروبا من موقع يتمتع بقوة مؤسسية ودبلوماسية أكبر.
ليبيا أكثر استقلالًا
لا يمكن التقليل من أهمية جهود صدام حفتر الرامية إلى توحيد مراكز القوة المتنافسة في البلاد.
فمنذ عام 2014، نجح عقيلة صالح ومعاصروه بدرجة استثنائية في إدارة السياسة الليبية المنقسمة، حيث أوجدت المؤسسات المتنافسة والتحالفات الخارجية فرصًا لتعطيل التقدم والحفاظ على الوضع القائم عندما كان ذلك يخدم مصالحهم.
أما المشروع السياسي الناشئ فيتطلب شيئًا مختلفًا: القدرة على التفاوض عبر خطوط الانقسام، وإدارة العلاقات الخارجية بفاعلية، وتحويل الفرص الدبلوماسية والسياسية إلى دولة موحدة. وتشكل المصادقة على الاتفاق البحري مع تركيا الاختبار الأول لهذا النهج.
***
محمد الجرح باحث ومحلل سياسات ليبي متخصص في قضايا الأمن والجغرافيا السياسية والشؤون الإقليمية.
__________
