صلاح الهوني
حماية المنشآت النفطية يجب ألا تكون امتيازاً تفاوضياً، ولا وظيفة قابلة للتحول إلى ورقة سياسية، بل مسؤولية مؤسسية محددة.
هناك أشياء لا يُفترض أن تكون موضع تفاوض. أمن المنشآت السيادية واحد منها، والنفط في ليبيا هو أكثر هذه المنشآت سيادية وحساسية، ليس لأنه مورد اقتصادي مهم فحسب، بل لأنه العمود الفقري الذي تقوم عليه مالية الدولة وقدرتها على الإنفاق واستيراد السلع وتمويل المؤسسات ودفع الرواتب.
لذلك تبدو المفارقة الليبية الأخيرة شديدة الدلالة: الجهة التي يفترض أن تحمي النفط يمكن أن تصبح، في لحظة ما، قادرة على تعطيله. عندها لا يعود السؤال متعلقاً بصمام أُغلق أو إنتاج توقف، وإنما يصبح أكثر صعوبة: من يملك في ليبيا القدرة الفعلية على اتخاذ القرار في مورد يفترض أنه ملك للدولة كلها؟
هذه هي المشكلة الحقيقية التي تكشفها أزمة حرس المنشآت النفطية. فمنذ عام 2011، اعتاد النفط الليبي أن يكون في قلب الصراع السياسي والأمني. أُغلقت الحقول والموانئ، وتوقفت الصادرات، واستُخدمت المنشآت النفطية في مرات عديدة كورقة ضغط للحصول على مطالب سياسية أو مالية أو جهوية.
لكن انتقال القدرة على التعطيل إلى داخل جهاز يفترض أن تكون مهمته الأساسية حماية المنشآت يضيف طبقة جديدة إلى الأزمة. فحين يصبح الحارس قادراً على إغلاق البوابة التي يحرسها، تتغير طبيعة العلاقة بين الدولة ومؤسساتها الأمنية: لم تعد المؤسسة الأمنية تنفذ القرار، بل أصبحت تملك جزءاً من القرار بحكم قدرتها على تعطيل المورد الذي يقوم عليه الاقتصاد.
وهنا تكمن خطورة المسألة. الدولة الحديثة لا تُقاس فقط بامتلاكها الموارد، وإنما بقدرتها على التحكم في كيفية إنتاج هذه الموارد وتوزيعها وحمايتها. وإذا كانت الدولة تمتلك النفط على الورق، لكنها لا تستطيع ضمان استمرار تدفقه من الحقول إلى الموانئ، فإن سيادتها الاقتصادية تصبح منقوصة.
قد يكون العلم مرفوعاً فوق المنشأة، وقد تكون المؤسسة الوطنية للنفط هي الجهة الرسمية التي تدير القطاع، لكن القوة الحقيقية تكون في مكان آخر: عند النقطة التي يستطيع فيها شخص أو جهاز أو تشكيل مسلح أن يوقف الإنتاج.
المشكلة، إذن، ليست في وجود خلاف إداري حول الجهة التي تتبع لها قوة حماية المنشآت. مثل هذه الخلافات يمكن حلها بقرار واضح أو تشريع أو ترتيبات مؤسسية.
المشكلة تبدأ عندما يصبح غموض التبعية نفسه مصدراً للقوة. فعندما لا تكون العلاقة بين المؤسسة الوطنية للنفط والجهة الأمنية المكلفة بالحماية محددة بصورة لا لبس فيها، وعندما تتداخل صلاحيات وزارة الدفاع أو السلطات التنفيذية مع إدارة المنشآت النفطية، يصبح الفراغ المؤسسي مساحة تفاوضية.
وفي السياسة الليبية، الفراغ لا يبقى فراغاً طويلاً؛ غالباً ما يملؤه صاحب القوة على الأرض.
وهذا هو أحد الدروس القاسية التي تركتها السنوات الماضية. فالمؤسسات لا تنهار دائماً عندما تُلغى. أحياناً تنهار عندما تبقى موجودة بأسمائها، لكن تتوزع صلاحياتها الفعلية بين مراكز قوة متعددة. يصبح هناك وزير، ومؤسسة، وجهاز أمني، وسلطة تنفيذية، وقيادة محلية، لكن لا توجد جهة واحدة تستطيع أن تقول بوضوح: هذا القرار لي، وهذه المنشأة تحت مسؤوليتي، وهذا المورد لا يجوز تعطيله إلا وفق القانون.
في هذه البيئة، يمكن للصمام أن يصبح أقوى من القرار الرسمي. وهذه ليست استعارة أدبية بقدر ما هي وصف لمشكلة دولة. فإذا كان بإمكان قوة ميدانية صغيرة أن توقف جزءاً من الإنتاج، فإن قيمة التوقيع الإداري تنخفض بقدر ما ترتفع قيمة القدرة على الإغلاق. وفي الاقتصاد النفطي، هذه معادلة خطرة للغاية، لأن النفط لا يحتاج إلى قوة كبيرة لتعطيله؛ يكفي أحياناً أن يتوقف تدفقه في نقطة واحدة حتى تبدأ آثار التوقف في الظهور على بقية السلسلة.
وتزداد حساسية هذه المعادلة لأن النفط في ليبيا ليس قطاعاً اقتصادياً عادياً. إنه المصدر الأساسي للإيرادات العامة والعملات الأجنبية، ولذلك فإن أي اضطراب في الإنتاج أو التصدير لا يبقى محصوراً في ميزانية المؤسسة الوطنية للنفط.
إنه ينتقل إلى الموازنة العامة، وإلى الإنفاق الحكومي، وإلى قدرة الدولة على تمويل الخدمات، وإلى سعر الصرف، وإلى الواردات، وإلى ثقة الشركات الأجنبية التي تحتاج قبل كل شيء إلى بيئة تستطيع فيها التخطيط للإنتاج والاستثمار لسنوات، لا إلى منشآت يمكن أن تصبح رهينة لخلاف سياسي أو أمني في أي لحظة.
لهذا السبب فإن كلفة الإغلاق النفطي أكبر من قيمة البراميل التي لم تُنتج. هناك كلفة مباشرة تتمثل في فقدان الإنتاج والإيرادات، لكن هناك كلفة أخرى أقل ظهوراً وأكثر خطورة: كلفة عدم اليقين.
المستثمر لا يسأل فقط عن حجم الاحتياطيات النفطية أو جودة الخام الليبي. يسأل أيضاً: من يضمن استمرار الإنتاج؟ من يحمي المنشأة؟ من يملك قرار التصدير؟ ماذا يحدث إذا تغيرت موازين القوى في المنطقة التي يوجد فيها الحقل؟ وهل العقد الذي أبرمته المؤسسة الرسمية قادر فعلاً على حمايتي عندما تبدأ أزمة سياسية؟
هذه الأسئلة هي التي تحدد في النهاية ما إذا كان البلد قادراً على تحويل ثروته الطبيعية إلى تنمية مستدامة أم سيظل أسير اقتصاد الأزمات.
والمفارقة أن ليبيا لا تعاني من نقص في الموارد. إنها تعاني من صعوبة تحويل الموارد إلى استقرار. النفط موجود، والطلب العالمي موجود، والبنية الأساسية التي تسمح بالإنتاج والتصدير موجودة بدرجات متفاوتة، والخبرة الفنية الليبية موجودة. لكن الحلقة الأضعف هي البيئة المؤسسية التي يفترض أن تجعل هذه العناصر تعمل معاً. ولذلك فإن كل أزمة نفطية تبدو في ظاهرها مشكلة إنتاج، بينما تكشف في العمق مشكلة دولة.
وإذا كانت مطالب حرس المنشآت النفطية تتعلق بحقوق أو أوضاع مالية أو مهنية مشروعة، فإن ذلك لا يلغي هذه الحقيقة. الدولة الجادة لا تفترض أن كل مطالب العاملين في مؤسساتها غير مشروعة، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح بتحويل مورد سيادي إلى أداة ضغط. هناك فارق كبير بين التفاوض وبين تعطيل الإنتاج. الأول جزء من عمل الدولة، والثاني يضع الاقتصاد كله في موقع الخطر.
وهنا تحتاج ليبيا إلى إعادة تعريف العلاقة بين الأمن والنفط. حماية المنشآت النفطية يجب ألا تكون امتيازاً تفاوضياً، ولا وظيفة قابلة للتحول إلى ورقة سياسية، بل مسؤولية مؤسسية محددة تخضع لسلسلة قيادة واضحة، وتمويلاً معروفاً، وقواعد استخدام للقوة، وآليات محاسبة لا تتغير بتغير الحكومات أو موازين القوى.
وهذا لا يعني إخراج الأمن من قطاع النفط؛ بل يعني العكس تماماً: جعل الأمن أكثر مهنية وأقل سياسية. فكلما كان جهاز الحماية تابعاً لمؤسسة واضحة، وميزانيته محددة، ومهامه معروفة، ومسؤوليته القانونية مباشرة، تقل قدرته على التحول إلى طرف في النزاع. أما حين يبقى في منطقة رمادية بين المؤسسات العسكرية والتنفيذية والنفطية، فإن الغموض يصبح جزءاً من المشكلة.
وتحتاج ليبيا، في هذا السياق، إلى قاعدة بسيطة لكنها جوهرية: من يدير النفط يجب أن يكون واضحاً، ومن يحميه يجب أن يكون واضحاً، ومن يمول الحماية يجب أن يكون واضحاً، ومن يحاسب عند تعطيل الإنتاج يجب أن يكون واضحاً أيضاً. لا يمكن بناء صناعة نفط مستقرة على تعدد السلطات وتداخل الصلاحيات.
وقد يكون من المفيد النظر إلى الأزمة الحالية باعتبارها فرصة لإصلاح هذه العلاقة بدلاً من التعامل معها كحلقة جديدة من مسلسل الإغلاقات. فكل أزمة تكشف نقطة ضعف. وإذا كانت هذه الأزمة قد أظهرت أن جهاز الحماية يمكن أن يتحول إلى مركز ضغط، فإن الاستجابة الذكية ليست فقط إعادة فتح الصمام، بل إصلاح النظام الذي سمح للصمام بأن يصبح أداة تفاوض.
وهنا تبرز أهمية المؤسسة الوطنية للنفط باعتبارها مؤسسة سيادية ينبغي أن تكون قراراتها التشغيلية بعيدة عن التجاذبات المسلحة والسياسية. لا يعني ذلك أن المؤسسة تعمل في فراغ سياسي؛ فالنفط جزء من السياسة العامة للدولة، لكن إنتاجه وتصديره يحتاجان إلى قواعد مهنية مستقرة.
المستثمرون والشركاء الدوليون لا يستطيعون التعامل مع قطاع تكون فيه الحدود بين القرار التجاري والقرار الأمني والقرار السياسي قابلة للتبدل من أزمة إلى أخرى.
كما أن الإصلاح لا ينبغي أن يقتصر على طرابلس أو على مقر المؤسسة. فحقول النفط وموانئ التصدير موزعة جغرافياً، وبعضها يوجد في مناطق ظلت تشعر منذ سنوات بأن عوائد الثروة الوطنية لا تعكس بالضرورة حجم مساهمتها في إنتاجها.
ولذلك فإن بناء منظومة حماية مستقرة يحتاج أيضاً إلى معالجة جذور التوتر المحلي حول توزيع الموارد والتنمية والتمثيل. الأمن وحده يستطيع حماية المنشأة لبعض الوقت؛ أما الشرعية الاقتصادية والاجتماعية فهي التي تجعل حمايتها مستدامة.
وهنا يمكن لليبيا أن تنتقل من سياسة إطفاء الحرائق إلى سياسة إدارة المخاطر. بدلاً من انتظار كل أزمة لمعالجة آثارها، يمكن وضع ترتيبات مسبقة للتعامل مع المطالب المالية والمهنية والأمنية، وإنشاء آليات تحكيم وتفاوض داخل المؤسسات، وتحديد مسؤوليات الجهات المختلفة، وربط أي زيادة في التمويل أو الامتيازات بمعايير أداء واضحة.
ليبيا لا تحتاج إلى معجزة نفطية. إنها تحتاج إلى شيء أكثر أساسية: أن يصبح النفط أقوى من الخلاف، وأن تصبح المؤسسة أقوى من السلاح، وأن يصبح القرار السيادي أقوى من القدرة على التعطيل.
عندها فقط يتوقف النفط عن كونه وقوداً للصراع، ويبدأ في أداء وظيفته الطبيعية: تمويل الدولة، لا ابتزازها؛ بناء المستقبل، لا تمويل الانقسام؛ وربط الليبيين بمصلحة مشتركة، لا تقسيمهم حول مورد مشترك.
وهذا هو الاختبار الحقيقي للأزمة الحالية. ليس إعادة تشغيل الآبار فحسب، بل إعادة تشغيل فكرة الدولة نفسها.
__________
