صلاح الهوني

ليبيا لا تحتاج إلى اتفاق آخر يُضاف إلى قائمة الاتفاقات التي لم تنهِ شيئاً. ما تحتاجه هو اتفاق تستطيع الدولة الليبية أن تعيش معه.

ليبيا لا تحتاج إلى اتفاق آخر يُضاف إلى قائمة الاتفاقات التي لم تنهِ شيئاً. ما تحتاجه هو اتفاق تستطيع الدولة الليبية أن تعيش معه بعد أن يغادر الوسطاء قاعة التفاوض.

وهذه هي المشكلة السياسية الحقيقية التي تضعها صيغة «4+4» أمام الأمم المتحدة: هل تستطيع بعثة دولية أن تكسر الجمود الذي صنعته المؤسسات الليبية، من دون أن تنتج، في الوقت نفسه، شرعية جديدة مطعوناً فيها من المؤسسات نفسها؟

قد يبدو السؤال مبكراً، لكن التجربة الليبية تجعل من الحكمة طرحه قبل الاحتفال بأي تفاهم جديد. فمنذ انتخابات ديسمبر 2021 التي لم تُجرَ، تحولت ليبيا إلى بلد يعيش في مرحلة انتقالية بلا نهاية واضحة، وحكومات تتنازع السلطة، ومؤسسات تشكك في اختصاصات بعضها بعضاً، ونخب سياسية اكتشفت أن بقاء الوضع المؤقت قد يكون أكثر فائدة من المخاطرة بانتخابات قد تنهي امتيازاتها.

في مثل هذا المناخ، تصبح الدعوة إلى انتخابات شبيهة بالدعوة إلى تغيير قواعد اللعبة التي استفاد منها الجميع تقريباً. ولهذا لم تكن المشكلة يوماً في العثور على سياسيين يقولون إنهم يريدون الانتخابات.

المشكلة كانت في الاتفاق على الانتخابات التي يريدها كل طرف، وعلى القواعد التي ستجري وفقها، وعلى هوية الجهة التي ستشرف عليها، وعلى السؤال الأكثر حساسية: من يقبل النتيجة إذا خسر؟. من هنا جاءت فكرة اللجنة المصغرة.

من الناحية العملية، تبدو الفكرة جذابة. إذا كانت المؤسسات الرئيسية قد فشلت في التوصل إلى تسوية، فلنحاول تقليص عدد اللاعبين. وإذا كان الحوار الموسع قد تحول إلى إعادة إنتاج للخلافات نفسها، فلنمنح مجموعة محدودة من ممثلي الشرق والغرب فرصة للاتفاق على ما تعذر الاتفاق عليه داخل الأطر التقليدية.

لكن السياسة ليست دائماً بهذه البساطة. تقليص عدد المشاركين قد يسهل صناعة الاتفاق، لكنه قد يصعّب صناعة الشرعية. وكلما كان الاتفاق أكثر سرعة في غرفة مغلقة، زادت حاجته إلى وقت أطول كي يثبت نفسه في الخارج. وهنا تكمن العقدة.

البعثة الأممية تستطيع أن تساعد الليبيين على التفاوض، لكنها لا تستطيع أن تمنح اتفاقاً شرعية لا يمتلكها في الداخل. ويمكنها أن تضغط من أجل استكمال القوانين الانتخابية وإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، لكنها لا تستطيع أن تضمن أن المؤسسات التي لم تشارك في صياغة التفاهم ستقبل بنتائجه. وهذا تحديداً هو الخطر الذي ينبغي ألا يُخفى وراء اللغة الدبلوماسية.

إذا كان الهدف هو كسر الجمود، فإن اللجنة المصغرة قد تكون أداة فعالة. أما إذا تحولت الأداة إلى بديل عن المؤسسات، فإنها قد تنقل الأزمة من سؤال “كيف نصل إلى الانتخابات؟” إلى سؤال أكثر تعقيداً: “من أعطى هذه المجموعة حق تحديد الطريق إلى الانتخابات؟” هذا السؤال ليس شكلياً. إنه جوهر الأزمة الليبية.

فمجلس النواب يرى نفسه صاحب دور تشريعي لا يمكن تجاوزه، والمجلس الأعلى للدولة يتمسك بدوره في الترتيبات السياسية، والمجلس الرئاسي يمتلك بدوره موقعاً دستورياً وسياسياً لا يمكن تجاهله، بينما توجد حكومات وقوى أمنية وعسكرية على الأرض تملك من النفوذ أكثر مما تملكه بعض النصوص القانونية.

في دولة مستقرة، يمكن تجاوز مثل هذه التناقضات عبر مؤسسات دستورية راسخة. في ليبيا، لا توجد مثل هذه الرفاهية. كل مؤسسة تقريباً تحمل روايتها الخاصة عن مصدر شرعيتها، وكل طرف يستطيع أن يجد في الاتفاقات السابقة ما يكفي لتبرير موقفه الحالي.

لذلك فإن أي اتفاق لا يعالج مشكلة الشرعية قد ينجح في إنتاج توافق محدود، لكنه سيفشل في إنتاج انتقال سياسي مستقر. وهذا هو السبب الذي يجعل مضمون اتفاق 4+4 مهماً، ولكن طريقة إنتاجه أكثر أهمية.

التفاهم بشأن القوانين الانتخابية خطوة ضرورية. وإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات قد تكون ضرورية أيضاً إذا كان الهدف هو إعادة الثقة في العملية الانتخابية. لكن هذه الخطوات لا تصبح ذات معنى سياسي إلا إذا اقتنعت المؤسسات الليبية بأن القواعد الجديدة ليست مصممة لتفصيل نتيجة مسبقة. وهنا يجب أن تكون الأمم المتحدة شديدة الحذر.

فالليبيون لا يشكون فقط من الانقسام السياسي؛ إنهم يشكون أيضاً من أن المسارات الدولية أصبحت جزءاً من إدارة هذا الانقسام. وعلى مدى سنوات، لعبت الأمم المتحدة دوراً لا يمكن الاستغناء عنه في منع الانهيار الكامل وفي إبقاء فكرة التسوية حية.

لكن هذا الدور نفسه خلق معضلة: كلما ازداد اعتماد الأطراف الليبية على الوساطة الدولية، تراجعت قدرتها على بناء توافق ذاتي.

وإذا أصبحت البعثة هي الجهة التي تحدد من يجلس إلى الطاولة، وما الذي يناقش، وما الذي يخرج من الاجتماع، فإنها تخاطر بأن تتحول من وسيط بين الليبيين إلى طرف في معادلة الشرعية. وهذا سيكون خطأ استراتيجياً. فليبيا لا تحتاج إلى وصاية سياسية دولية، وإنما إلى مساعدة دولية على استعادة السياسة الليبية نفسها.

من هذه الزاوية، يصبح الجدل حول عدم نشر نص الاتفاق أو حول اطلاع جهات خارجية عليه قبل اطلاع المؤسسات الوطنية أكثر من مجرد مسألة إجرائية. ففي بلد فقد جزءاً كبيراً من الثقة في العملية السياسية، تصبح الشفافية شرطاً للقبول، لا مجرد فضيلة دبلوماسية.

الاتفاق الذي يخرج من غرفة مغلقة سيحتاج إلى تفسير داخل المؤسسات. وكل معلومة غير واضحة ستتحول إلى إشاعة، وكل بند غير منشور سيصبح مادة للتخمين، وكل جهة لم تشارك في النقاش ستفترض أن هناك ما جرى الاتفاق عليه ضد مصالحها.

ولأن السياسة الليبية أصبحت شديدة الحساسية تجاه فكرة “الصفقات”، فإن الغموض يمكن أن يكون قاتلاً لأي تفاهم، مهما كان منطقياً.

المشكلة ليست أن الاتفاق محدود التمثيل. أحياناً تحتاج التسويات إلى عدد محدود من المفاوضين. المشكلة هي أن محدودية التمثيل يجب أن تكون وسيلة لصناعة التوافق، لا وسيلة لتجاوز من سيُطلب منه لاحقاً تنفيذ التوافق. وهذا الفارق هو الذي سيحدد مستقبل 4+4.

إذا تمكنت اللجنة من الاتفاق على قوانين انتخابية قابلة للتطبيق، وعلى ترتيبات واضحة للمفوضية، ثم أعادت هذه المخرجات إلى المؤسسات الوطنية لكي تعتمدها وتتحمل مسؤولية تنفيذها، فقد تكون قد أدت وظيفة تاريخية. عندها يصبح الاختصار في التفاوض مقدمة لتوسيع الشرعية.

أما إذا خرج الاتفاق من اللجنة باعتباره حلاً جاهزاً تريد الأمم المتحدة من المؤسسات الليبية قبوله، فسيكون من السهل على خصومه تقديمه باعتباره تدخلاً خارجياً جديداً في مسار سياسي ليبي. وهنا ينبغي ألا تنخدع البعثة الأممية بفكرة أن الجميع يريد الانتخابات. لكن ليس الجميع يريد نتائجها بالطريقة نفسها.

بعض الأطراف قد ترغب في انتخابات لأنها تعتقد أنها ستمنحها شرعية وطنية. أطراف أخرى قد ترغب فيها لأنها تعتقد أنها ستُخرج خصومها من السلطة. وأطراف ثالثة قد تدعمها علناً لأنها تدرك أن رفض الانتخابات سيكلفها سياسياً، لكنها قد تعمل عملياً على تأجيلها إلى أن تتغير موازين القوى. هذه هي السياسة الواقعية في ليبيا، وهي السبب في أن تحديد موعد للانتخابات أسهل كثيراً من ضمان إجرائها.

ثم هناك السؤال الأمني، وهو السؤال الذي لا يمكن لأي لجنة سياسية أن تتجاهله. الانتخابات تحتاج إلى بيئة تسمح للناخبين بالتصويت، وللمرشحين بالحركة، وللمفوضية بالعمل، وللنتائج بأن تُعلن من دون أن تتحول الخلافات السياسية إلى مواجهات مسلحة.

وفي ليبيا، لا تزال الدولة الأمنية والعسكرية مجزأة إلى حد يجعل الانتخابات أكثر من عملية إدارية. إنها اختبار لموازين القوة.

من يضمن مراكز الاقتراع؟ من يحمي المرشحين؟ من يمنع الضغط على الناخبين؟ من يتعامل مع الطعون؟ ومن يمنع طرفاً خاسراً من استخدام القوة لرفض النتيجة؟ إذا لم توجد إجابات واضحة، فإن الاتفاق على القانون الانتخابي قد يكون مجرد نصف حل.

وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات الليبية نفسها. فاللوم لا يمكن أن يقع دائماً على الأمم المتحدة. صحيح أن البعثة الدولية تتحمل مسؤولية كبيرة في اختيار أدواتها وفي الحفاظ على الشفافية، لكن النخب الليبية هي التي حولت المرحلة الانتقالية إلى نظام شبه دائم.

مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، والحكومات المتنافسة، وسائر القوى السياسية والعسكرية، لا يمكنها أن تطلب من الأمم المتحدة إنهاء الانقسام بينما ترفض كل صيغة تقلل من قدرتها على التحكم في المرحلة الانتقالية.

لا يمكن أن تكون الانتخابات حلاً عندما تكون المؤسسات القائمة مستعدة لقبولها فقط إذا ضمنت مسبقاً أنها لن تخسر. وهذا هو التناقض الذي يجب أن يكشفه اتفاق 4+4 بدلاً من أن يخفيه.

إن نجاح الاتفاق لا ينبغي أن يقاس بعدد الشخصيات التي وافقت عليه، ولا بحجم الترحيب الدولي به، ولا بعدد البيانات التي صدرت دعماً له. المقياس الحقيقي هو ما إذا كان قادراً على نقل ليبيا من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة حلها.

والحل لا يعني فقط إجراء الانتخابات. يعني أيضاً أن تتفق الأطراف على ما سيحدث بعد الانتخابات. هذه النقطة غالباً ما تُهمل، رغم أنها قد تكون الأهم. فإذا أجريت الانتخابات ولم تقبل إحدى القوى بنتائجها، أو طعن طرف في شرعية البرلمان الجديد، أو رفضت مؤسسات قائمة تسليم صلاحياتها، فإن ليبيا ستعود إلى المربع نفسه، ولكن بعد انتخابات هذه المرة.

وقد يكون ذلك أسوأ من عدم إجراء الانتخابات، لأنه سيمنح الانقسام شرعية جديدة. لهذا تحتاج العملية الانتخابية إلى اتفاق سياسي سابق أو متزامن يحدد قواعد انتقال السلطة وقبول النتائج. ليس المطلوب أن يتفق الليبيون على كل شيء قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع، فهذا غير واقعي. المطلوب فقط أن يتفقوا على الحد الأدنى الذي يجعل الخلاف السياسي قابلاً للإدارة من دون العودة إلى السلاح.

في هذا المعنى، يمكن أن يكون اتفاق 4+4 بداية جيدة، ولكن بشرط ألا يُقدَّم باعتباره نهاية الطريق. فهو يستطيع أن يفتح الباب، لكنه لا يستطيع أن يعبره نيابة عن ليبيا.

وحتى الدعم الدولي والإقليمي يجب أن يُفهم ضمن هذه الحدود. فمصر وتركيا ودول أوروبية وقوى أخرى لها مصالح مباشرة في استقرار ليبيا، وستظل راغبة في التأثير في مسارها. وهذا أمر طبيعي في بلد يقع على المتوسط، ويملك موارد نفطية كبيرة، ويجاور منطقة الساحل، ويرتبط بأمن أوروبا والهجرة والطاقة.

لكن كثرة المصالح الخارجية تجعل الشرعية الداخلية أكثر أهمية، لا أقل. كلما ازداد عدد العواصم المهتمة بمستقبل ليبيا، ازداد احتياج الليبيين إلى أن يشعروا بأن التسوية النهائية ملك لهم. وهذا هو الاختبار السياسي الحقيقي للأمم المتحدة أيضاً.

إذا نجحت في جعل الليبيين يتفقون، فإنها تكون قد أدت دورها. وإذا أصبح الاتفاق يُنظر إليه باعتباره اتفاق البعثة أكثر مما هو اتفاق الليبيين، فإنها تكون قد وقعت في الفخ نفسه الذي حاولت الخروج منه.

في النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل سينجح اتفاق 4+4؟ السؤال الأكثر دقة هو: ماذا سيفعل هذا الاتفاق بالشرعية الليبية؟ إذا أعادها إلى المؤسسات، وفتح الطريق أمام انتخابات تقبل نتائجها الأطراف، وأعاد للمفوضية موقعها المستقل، وقلل من قدرة الحكومات الانتقالية على تمديد عمرها بلا نهاية، فسيكون خطوة مهمة نحو إنهاء المرحلة الانتقالية.

أما إذا تجاوز المؤسسات من دون أن يحصل على قبولها، فقد ينجح في كسر الجمود مؤقتاً، لكنه سيترك وراءه مشكلة أكثر خطورة: اتفاقاً جديداً يحتاج إلى اتفاق آخر لكي يصبح شرعياً. وهذا بالضبط ما لا تحتاجه ليبيا.

لقد جربت البلاد ما يكفي من التسويات المؤقتة. ما ينقصها الآن ليس لجنة جديدة بقدر ما ينقصها اتفاق سياسي يستطيع أن ينهي منطق المرحلة المؤقتة نفسه. ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لاتفاق 4+4 لن يكون يوم توقيعه، ولا يوم ترحيب الأمم المتحدة به، ولا حتى يوم إعلان القوانين الانتخابية. سيكون يوم تقف ليبيا أمام صناديق الاقتراع.

عندها فقط سيظهر ما إذا كانت اللجنة قد صنعت طريقاً إلى الدولة، أم أنها صنعت طريقاً آخر إلى مرحلة انتقالية جديدة. فالانتخابات ليست المشكلة التي تحتاج ليبيا إلى حلها. المشكلة هي أن ليبيا لم تتفق بعد على من يملك حق إعلان نهاية المرحلة الانتقالية. وهذا هو السؤال الذي سيقرر مصير اتفاق 4+4، ومصير الانتخابات، وربما مصير الدولة الليبية نفسها.

___________

مواد ذات علاقة