مصطفى بودومي
تتناول هذه الدراسة أزمة الدولة الليبية من زاوية تداخل الانقسام الداخلي مع تنافس القوى الإقليمية والدولية، مع التركيز على المبادرة الأميركية خلال 2026، والتحرّكات الأممية والتركية والإقليمية المُصاحبة لها.
وتبحث في علاقة النفط بالشرعية، والوجود العسكري الأجنبي، وأدوار دول الجوار والخليج وأوروبا والاتحاد الأفريقي، إضافة إلى ارتباط ليبيا بأمن المتوسط والساحل والهجرة والطاقة.
وتخلص إلى أنّ فرص التسوية أصبحت أكبر نسبياً مع توحيد الميزانية وتكثيف الحوار الدولي، لكنّها تظلّ رهينة بقُدرة الأطراف على تحويل التفاهمات الاقتصادية والأمنية إلى مسار سياسي يقود إلى توحيد مؤسسات الدولة وإجراء انتخابات وطنية.
بعد أكثر من 15عاماً على سقوط نظام القذافي، لا تزال ليبيا تواجه أزمة مركّبة تجمع بين الانقسام السياسي، وتعدّد مراكز القوّة العسكرية، وتنافس المؤسّسات، والتدخّلات الخارجية، وقد تحوّل الانقسام الذي تعمّق منذ 2014 من حالة انتقالية يُفترض أن تنتهي بتسوية سياسية إلى بنية مُستقرّة نسبياً تستفيد منها شبكات سياسية وأمنية واقتصادية مختلفة.
وتكمن خصوصية الحالة الليبية في أنّ الصراع على السلطة لا ينفصل عن الصراع على الموارد، فالإيرادات النفطية، ومصرف ليبيا المركزي، والمؤسّسة الوطنية للنفط، والإنفاق العام، والمنافذ الحدودية، أصبحت جميعها أدوات في إعادة توزيع النفوذ، ولذلك فإنّ أيّ محاولة لإعادة بناء الدولة تواجه معضلة مزدوجة:
كيف يمكن توحيد المؤسّسات، وفي الوقت نفسه تفكيك المصالح التي نشأت حول استمرار الانقسام؟.
وفي المقابل، تحوّلت ليبيا إلى ساحة لتنافس قوى إقليمية ودولية مُتعدّدة، فقد ارتبطت تركيا بصورة أساسية بمعسكر الغرب، بينما دعمت الإمارات ومصر وروسيا معسكر خليفة حفتر بدرجات مختلفة، وحافظت قطر على علاقات وثيقة مع حكومة الوحدة الوطنية، في حين اتبعت السعودية مقاربة أكثر تركيزاً على التسوية السياسية والاستقرار، أما أوروبا، فتنظر إلى ليبيا من خلال الطاقة والهجرة وأمن المتوسط، مع اختلاف واضح بين الحسابات الإيطالية والفرنسية.
تكمن خصوصية الحالة الليبية في أنّ الصراع على السلطة لا ينفصل عن الصراع على الموارد
وفي 2026 دخلت الأزمة مرحلة جديدة مع المبادرة الأميركية التي ركّزت على توحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية والأمنية، بالتوازي مع خريطة الأمم المتحدة والتحرّكات الإقليمية، وفي 7 يونيو/ حزيران 2026 اختَتم الحوار المُهيكل الذي رعته بعثة الأمم المتحدة أعماله بأكثر من 525 توصية تهدف إلى تهيئة الظروف للانتخابات، وتوحيد مؤسّسات الدولة ومعالجة الأسباب البنيوية للنزاع.
وتنطلق هذه الدراسة من أنّ مستقبل ليبيا لا يتحدّد بمجرد التوصّل إلى اتفاق لتقاسم السلطة، وإنّما بقُدرة الأطراف الليبية والخارجية على الانتقال من إدارة الانقسام إلى بناء مؤسّسات الدولة.
انقسام الشرق والغرب وتحوّل الأزمة إلى بنية مؤسّسية
يعود الانقسام المؤسّسي الحالي إلى الصراع السياسي الذي أعقب انتخابات 2014، عندما انقسمت المؤسسات التنفيذية والتشريعية والأمنية بين طرابلس والشرق الليبي. ومع الوقت، أصبح لكلّ منطقة نظام سياسي وأمني واقتصادي خاص بها، رغم استمرار الاعتراف الدولي الرسمي بمؤسّسات محدّدة في العاصمة.
وقد بلغ الصراع مرحلة خطيرة مع هجوم خليفة حفتر على طرابلس في 2019، قبل أن يؤدي التدخّل التركي إلى تغيير ميزان القوى العسكري، ثم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين أوّل 2020، غير أنّ وقف الحرب لم يؤدِّ إلى إنهاء أسبابها، وإنما نقل الصراع من المجال العسكري المباشر إلى المجال المؤسّسي والسياسي.
بلغ الصراع مرحلة خطيرة مع هجوم خليفة حفتر على طرابلس في 2019، قبل أن يؤدي التدخّل التركي إلى تغيير ميزان القوى العسكري
وتتمثّل المشكلة الأساسية في أنّ الانقسام أصبح يخدم مصالح فاعلين مُتعدّدين، فالحكومات المُتنافسة تحتاج إلى شبكات أمنية لحماية نفوذها، والشبكات المسلّحة تستفيد من الموارد العامة، بينما تستخدم المؤسسات الاقتصادية كأدوات تفاوضية، وهكذا لم يعد الانقسام مجرّد خلاف بين حكومتَين، بل أصبح اقتصاداً سياسياً مُتكاملاً للصراع.
ويزيد الجنوب الليبي من تعقيد هذه المعادلة، ففزان تقع على تماس مباشر مع الجزائر (989 كيلومتراً) والنيجر (342 كيلومتراً) وتشاد (1050 كيلومتراً)، وتضم طرقاً صحراوية تستخدم في حركة السلع والأفراد والهجرة غير النظامية والتهريب وانتشار الجماعات المسلحة، ولذلك لا يهدّد ضعف الدولة في الجنوب ليبيا وحدها، وإنما يربط الأزمة الليبية بأمن الساحل والصحراء.
النفط والشرعية: عندما تتحوّل الثروة إلى أداة للصراع
يمثّل النفط العمود الفقري للاقتصاد الليبي، ولذلك أصبح التحكّم في المؤسسات النفطية والمالية جزءاً من الصراع على الشرعية. وتكشف أزمة مصرف ليبيا المركزي عن طبيعة هذه العلاقة، فقد أدّى الخلاف على قيادة المصرف في 2024 إلى أزمة مؤسسية وتهديدات بتعطيل إنتاج النفط، بما أظهر أنّ المؤسّسة المالية المركزية ليست مجرّد جهاز اقتصادي، وإنما إحدى أهم أدوات توازن القوى بين الشرق والغرب.
وفي أغسطس/ آب 2026 قدّم محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى استقالته إلى مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، في تطوّر يعكس استمرار حساسية ملف المؤسسات المالية، وكان تعيين عيسى في 2024 قد جاء بعد اتفاق بين المعسكرين لإنهاء أزمة سابقة حول قيادة المصرف.
في الوقت نفسه، ارتفع إنتاج النفط الليبي إلى نحو 1.44 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى منذ 2013، لكن الارتفاع في الإنتاج لم يلغِ هشاشة القطاع أمام الاضطرابات الأمنية، ففي أغسطس/ آب 2026 استهدفت هجمات بطائرات مُسيّرة مجمع الزاوية النفطي، وأصابت خزانات وقود ومنشآت مرتبطة بالطاقة، فيما أعلنت المؤسّسة الوطنية للنفط حالة طوارئ قصوى قبل السيطرة على الحرائق.
أدى الخلاف على قيادة المصرف في 2024 إلى أزمة مؤسسية وتهديدات بتعطيل إنتاج النفط
ويكشف هذا عن مفارقة جوهرية، فارتفاع الإنتاج يمكن أن يوفّر قاعدة مالية لإعادة بناء الدولة، لكنّه في ظلّ الانقسام قد يزيد أيضاً من قيمة السيطرة على المؤسسات النفطية.
وقد مثّل توقيع أوّل ميزانية وطنية موحّدة منذ أكثر من عقد في 11 إبريل/ نيسان 2026 تطوّراً مهماً، ورحّبت بها الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وتركيا وقطر والسعودية والإمارات ومصر والمملكة المتحدة، معتبرة أنّها خطوة نحو تعزيز التنسيق الاقتصادي بين الشرق والغرب، كما تضمّنت الميزانية مُخصّصات تشغيلية للمؤسّسة الوطنية للنفط وتمويلات تهدف إلى زيادة إنتاج الطاقة.
وبالتالي، فإنّ توحيد الميزانية يمكن أن يمثّل مدخلاً عملياً إلى إعادة بناء الدولة، لكنّه لا يصبح حلاً سياسياً إلّا إذا أدى إلى توحيد فعلي للمؤسّسات وآليات الرقابة وتوزيع الموارد.
القوى الإقليمية والدولية وإعادة تشكيل النفوذ
أصبحت ليبيا خلال العقد الأخير مجالاً لتقاطع مصالح تركيا ومصر والإمارات وروسيا وقطر والسعودية والولايات المتحدة ودول أوروبية متعدّدة.
تركيا: من دعم الغرب إلى التواصل مع الشرق
تمثّل تركيا الحالة الأكثر وضوحاً في استخدام أدوات عسكرية واقتصادية ودبلوماسية متزامنة، فقد تدخلت عسكرياً في الحرب إلى جانب حكومة الوفاق، وأقامت ترتيبات دفاعية وتدريبية، وربطت وجودها باتفاقات اقتصادية وبحرية.
لكن السياسة التركية أصبحت أكثر براغماتية، فلم تعد أنقرة تتعامل مع ليبيا من خلال طرابلس وحدها، بل طوّرت قنوات اتصال مع الشرق، وأكّد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أنّ استراتيجية تركيا تقوم على وحدة ليبيا وعدم تقسيمها.
تدخلت تركيا عسكرياً في الحرب إلى جانب حكومة الوفاق، وأقامت ترتيبات دفاعية وتدريبية، وربطت وجودها باتفاقات اقتصادية وبحرية
وفي أغسطس/ آب 2026 اكتسب هذا الاتجاه أهمية إضافية مع زيارة فيدان لليبيا ولقائه مسؤولين في طرابلس وبنغازي، في وقت كانت فيه منشآت حيوية في الزاوية تتعرّض لهجمات، وأكّدت التحرّكات التركية أنّ أنقرة تسعى إلى الحفاظ على قنوات اتصال مع طرفَي الانقسام، وعدم السماح بتحوّل الانقسام إلى وضع دائم.
وهنا تبرز أهمية التحرّك التركي في سياق المبادرة الأميركية: فتركيا لا تنافس واشنطن بالضرورة على كلّ عناصر الملف، بل يمكن أن تتقاطع معها في منع عودة الحرب والحفاظ على وحدة ليبيا، مع اختلاف الأدوات والمصالح.
وكان الدعم الإماراتي لمعسكر حفتر أكثر وضوحاً خلال الحرب على طرابلس، في إطار شبكة إقليمية ضمّت مصر وروسيا، وقد شكّل هذا الدعم جزءاً من رؤية إماراتية أوسع لمواجهة الإسلام السياسي ودعم قوى مركزية قوية.
لكنّ مشاركة الإمارات في البيان الدولي المُرحّب بالميزانية الموحّدة لعام 2026 تشير إلى تحوّل نسبي نحو دعم الاستقرار المؤسّسي، بدلاً من الاكتفاء بالانحياز إلى أحد المعسكرين.
ومثّلت قطر تاريخياً أحد أهم الداعمين السياسيين لمعسكر غرب ليبيا، وحافظت على علاقات وثيقة مع حكومة الوحدة الوطنية، وفي يوليو/ تموز 2026 التقى رئيسُ الوزراء ووزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، مع عبد الحميد الدبيبة في الدوحة، مؤكّداً دعم بلاده وحدة ليبيا والمسار السياسي والحلول السلمية.
لكن قطر شاركت أيضاً في دعم اتفاق الميزانية الموحّدة، وهو ما يعكس انتقالاً من منطق دعم طرف مُحدّد إلى المشاركة في مسار أوسع لتوحيد المؤسّسات.
ويختلف الدور السعودي عن الإمارات وقطر من حيث انخفاض ارتباطه بالدعم العسكري المباشر لأحد طرفَي الصراع، وقد ركّزت الرياض بصورة أكبر على التسوية السياسية، ووحدة ليبيا، والحوار، والانتخابات، كما شاركت في البيان الدولي المؤيّد للميزانية الموحّدة، بما يجعلها جزءاً من شبكة الضغط الدبلوماسي الداعمة للاستقرار المؤسّسي.
وتمثل روسيا حالة مختلفة، فوجودها في ليبيا يرتبط بموقع البلاد ضمن شبكة المصالح الروسية في المتوسط والساحل الأفريقي، وليس بعلاقاتها مع حفتر فحسب، ولذلك فإنّ استمرار الانقسام يمنح موسكو مساحة أكبر للحفاظ على نفوذ عسكري ولوجستي، بينما يمكن لتوحيد المؤسّسات العسكرية أن يقلص هذه المساحة.
ويمثّل الموقف الأوروبي حالة خاصّة؛ لأنّ أوروبا لا تتحدّث دائماً بصوت استراتيجي واحد تجاه ليبيا، فالاتحاد الأوروبي يركّز على الاستقرار والهجرة وأمن المتوسط، بينما تمتلك إيطاليا وفرنسا حسابات وطنية مختلفة.
يتعامل الاتحاد الأوروبي مع ليبيا من خلال مسارات سياسية وأمنية واقتصادية وإنسانية. وتبرز عملية “إيريني” التي تراقب حظر الأسلحة وتتصدّى لتهريب النفط وتدعم بناء قدرات المؤسّسات الليبية البحرية.
وفي مايو/ أيّار 2026 واصلت العملية مراقبة السفن والمطارات والموانئ والمنشآت النفطية الليبية، كما وسّعت التعاون مع بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية لتطوير قدرات السلطات البحرية الليبية على مستوى الدولة.
الاتحاد الأوروبي يريد شريكاً ليبياً موحّداً لإدارة الهجرة والطاقة، بينما لا تزال المؤسّسات الليبية منقسمة
لكن المقاربة الأوروبية تواجه معضلة أساسية: فالاتحاد يريد شريكاً ليبياً موحّداً لإدارة الهجرة والطاقة، بينما لا تزال المؤسّسات الليبية منقسمة، ولذلك يصبح دعم توحيد الدولة شرطاً لمصالح الاتحاد، وليس مجرّد هدف سياسي.
تمتلك إيطاليا مصالح مباشرة في ليبيا تجعلها أكثر التصاقاً بالتطوّرات في غرب البلاد، فالطاقة تمثّل محوراً أساسياً للعلاقات الثنائية، إلى جانب الهجرة وأمن المتوسط. وفي يناير/ كانون ثاني 2026 زار وزير الخارجية الإيطالي، أنطونيو تاجاني، مصراتة، إذ ناقش مع الجانب الليبي العلاقات الاقتصادية، والهجرة، ومكافحة الاتّجار بالبشر، والمصالحة الوطنية ودعم الأمم المتحدة.
وأظهرت البيانات الإيطالية أنّ التبادل التجاري بين البلدين بلغ 9.5 مليارات يورو في 2024، بينما كانت إيطاليا في 2025 أكبر مشترٍ للسلع الليبية بحصة 22.4%، مع تركّز الواردات الإيطالية من ليبيا في النفط الخام والغاز الطبيعي.
لذلك؛ تميل روما إلى دعم الاستقرار في غرب ليبيا بصورة خاصة، ليس لأسباب سياسية فحسب، وإنّما لأنّ اضطراب المنطقة الغربية ينعكس مباشرة على الهجرة وعلى تدفقات الطاقة نحو إيطاليا.
وتختلف الأولوية الفرنسية نسبياً، فباريس تنظر إلى ليبيا من زاوية أوسع ترتبط بأمن شمال أفريقيا والساحل الأفريقي، وبمكافحة الجماعات المسلحة، وبضرورة توحيد المؤسسة العسكرية.
وقد أكّدت فرنسا في أبريل ومايو 2026 دعمها وحدة ليبيا وسيادتها، ودعمت وساطة الأمم المتحدة والانتخابات، كما أعادت تأكيد أهمية توحيد المؤسّسة العسكرية، وفي مايو 2026 التقى وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو بالمبعوثة الأممية هانا تيتيه، مجدّداً دعم باريس للمسار الأممي والانتخابات.
وتكشف المقارنة بين روما وباريس اختلافاً مهماً؛ فإيطاليا تنظر إلى ليبيا أساساً من بوابة الطاقة والهجرة والمتوسط، بينما تركّز فرنسا بصورة أكبر على الأمن والساحل وبناء المؤسّسات، ولذلك فإنّ أيّ سياسة أوروبية موحّدة ستظلّ محدودة إذا لم تستطع التوفيق بين هذه الأولويات.
***
مصطفى بودومي ـ صحفي وباحث جزائري في العلاقات الدولي
___________
