صلاح الهوني

ليست المشكلة أن موسكو تريد دوراً في ليبيا، بل أن ليبيا ما تزال تسمح للجميع بالبحث عن دور فيها.

ليبيا ليست ساحة تتصارع عليها القوى الخارجية من دون مشاركة من الداخل. فالفاعلون المحليون يملكون بدورهم خيارات، ويستطيعون استخدام التنافس الدولي لتعزيز مواقعهم.

بعد أكثر من عقد على سقوط النظام السابق، لا تزال البلاد تستقبل المبادرات الدولية والإقليمية كما لو أنها تنتظر من الخارج أن يكتب لها خريطة الطريق التي عجزت مؤسساتها عن الاتفاق عليها.

وكلما تعثرت التسوية، ظهر وسيط جديد أو تجدد حضور طرف قديم، حاملاً وعوداً بتوحيد المؤسسات، وإنهاء الانقسام، وإعادة إطلاق العملية السياسية. لكن النتيجة المتكررة أن عدد المتدخلين يزداد، فيما تتراجع قدرة الدولة على حسم ملفاتها الأساسية.

ومن هنا، فإن عودة موسكو إلى واجهة المشهد الليبي ليست بالضرورة تحولاً استثنائياً في مسار الأزمة، بقدر ما هي مؤشر إضافي إلى استمرار البيئة التي تجعل ليبيا ساحة مفتوحة لتنافس القوى الخارجية.

يحمل الحديث الروسي عن ضرورة أن تكون التسوية “بمِلكِية ليبية” مفارقة تستحق التوقف عندها. فهذه العبارة، التي تكررها أطراف دولية مختلفة، تبدو في ظاهرها تأكيداً لمبدأ السيادة الوطنية، لكنها تطرح سؤالاً عن حدود الدور الخارجي حين تتحول المساعدة إلى وصاية، وحين يصبح مستقبل البلاد موضوعاً دائماً للمشاورات بين العواصم، أكثر منه نتيجة تفاهم بين الليبيين أنفسهم.

فالولايات المتحدة والأمم المتحدة والدول الأوروبية وتركيا وروسيا، إلى جانب قوى إقليمية أخرى، تتحدث جميعها عن الاستقرار ووحدة المؤسسات وضرورة الوصول إلى تسوية سياسية.

ومع ذلك، لا تزال ليبيا عاجزة عن الاتفاق على قواعد الانتخابات، وتوحيد المؤسسات السيادية، وضبط إدارة الثروة النفطية، وتحديد مرجعية وطنية تحظى بقبول واسع.

لا تكمن المفارقة في أن لكل دولة مصالحها، فهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية، بل في أن هذه المصالح وجدت في استمرار الأزمة مجالاً دائماً للحركة والتفاوض وبناء النفوذ.

لقد باتت ليبيا تعاني، بهذا المعنى، من فائض الوصاية أكثر مما تعاني من فراغ المبادرات.

فالمشكلة لم تعد أن العالم لا يهتم بما يجري فيها، وإنما أن كثرة الأطراف التي تعرض المساعدة لم تنتج حتى الآن تسوية قادرة على الاستمرار من دون رعاية خارجية متواصلة.

وقد أسهمت المبادرات المتعاقبة في إبقاء قنوات الحوار مفتوحة ومنع بعض الانهيارات، لكنها لم تنجح في تجاوز الأسئلة الأكثر صعوبة:

  • من يملك القرار الوطني؟
  • وعلى أي أساس تُوزّع السلطة والثروة؟
  • وما القواعد التي تلزم الجميع حين تتعارض مصالحهم؟

وكلما بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، تحولت الوساطة من أداة مؤقتة لتسهيل الحل إلى جزء من بنية الأزمة نفسها.

لا يعني ذلك أن التدخل الخارجي هو السبب الوحيد في تعثر الدولة الليبية، أو أن القوى الدولية تتحرك جميعها وفق خطة واحدة لإدامة الانقسام. فالمشهد أكثر تعقيداً من هذه القراءة. هناك تنافس حقيقي بين أطراف خارجية، وتباين في أولوياتها، كما أن بعضها قد يرى في قيام دولة ليبية مستقرة مصلحة فعلية.

لكن الدول لا تحتاج دائماً إلى خلق الفراغ كي تستفيد منه؛ يكفي أن تجد مؤسسات منقسمة، وشرعيات متنازعة، وموارد غير خاضعة لترتيبات مستقرة، حتى يصبح توسيع النفوذ خياراً متاحاً. وفي الحالة الليبية، لا يمكن فصل قدرة الخارج على التدخل عن عجز الداخل عن وضع قواعد ملزمة لإدارة الخلاف السياسي.

تظهر هذه المشكلة بوضوح في الانقسام المؤسسي وتعثر المسار الانتخابي. فالانتخابات ليست مجرد موعد يُحدد ثم يُؤجل، ولا تقتصر أزمتها على الخلاف بشأن القوانين أو شروط الترشح.

إنها ترتبط بسؤال أعمق يتعلق بقبول النتائج، وباستعداد القوى المتنافسة للتخلي عن امتيازاتها إذا أفرزت صناديق الاقتراع موازين قوى لا تناسبها. وحين يصبح الوصول إلى السلطة احتمالاً يهدد مصالح قائمة، تتحول القواعد الانتخابية نفسها إلى موضوع للصراع، وتغدو الخلافات القانونية والسياسية وسائل لتأجيل الاستحقاق أو إعادة تشكيله بما يخدم أطرافاً بعينها.

عندها، لا يعود التدخل الدولي قادراً على معالجة جوهر المشكلة بمجرد الدعوة إلى انتخابات، لأن العقبة ليست دائماً في غياب الموعد، بل في غياب الضمانات الوطنية لقبول نتائجه.

وفي هذا الفراغ، يصبح تعدد المؤسسات والمرجعيات فرصة إضافية للقوى الخارجية كي تتعامل مع أطراف مختلفة، وتبني علاقات متوازية، وتحافظ على قنوات تأثير في أكثر من اتجاه.

وقد يبدو هذا السلوك براغماتياً من منظور الدول التي تريد حماية مصالحها وتجنب خسارة مواقعها، لكنه يترك ليبيا أمام معادلة خطيرة: كل طرف محلي يبحث عن سند خارجي لتعزيز موقعه، وكل طرف خارجي يجد في الانقسام المحلي مدخلاً لترسيخ حضوره.

وهكذا تتكون حلقة متبادلة يصعب كسرها؛ فالانقسام يفتح الباب أمام النفوذ الخارجي، والنفوذ الخارجي، حين يرتبط بأطراف متنافسة من دون اتفاق وطني جامع، قد يقلل الحوافز اللازمة لتقديم التنازلات وبناء مؤسسات موحدة.

غير أن المدخل الأهم لفهم الأزمة الليبية يظل اقتصادياً بقدر ما هو سياسي. فأزمة المصرف المركزي، والخلافات حول الإنفاق العام، وتوزيع الإيرادات، وإدارة عائدات النفط، ليست ملفات فنية يمكن فصلها عن الصراع على السلطة.

إنها تمثل قلب المعادلة التي تحدد من يملك القدرة على تمويل المؤسسات، وتوفير الرواتب والخدمات، والحفاظ على شبكات النفوذ، ومكافأة الحلفاء أو الضغط على الخصوم.

وفي بلد يعتمد اقتصاده بدرجة كبيرة على النفط، لا تكون السيطرة على تدفقات المال مجرد وظيفة إدارية، بل أداة مباشرة لصناعة النفوذ السياسي وتثبيت موازين القوة.

من هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يتقدم على كثير من الأسئلة المتداولة حول مستقبل ليبيا هو: من يدير عوائد ليبيا، وبأي قواعد، وتحت أي رقابة؟ فالنقاش العام يركز غالباً على من سيحكم البلاد، ومن سيشغل المناصب السيادية، ومن سيحظى باعتراف العواصم المؤثرة، لكن هذه الأسئلة تظل ناقصة ما لم تُربط بالاقتصاد السياسي للأزمة.

فالسلطة لا تُقاس فقط بمن يشغل موقعاً رسمياً، وإنما أيضاً بمن يستطيع توجيه الإنفاق والتحكم في الموارد والتأثير في المؤسسات التي تدير المال العام. وحين تتوزع هذه القدرة بين مراكز متنافسة، تصبح الدولة إطاراً هشاً تتعايش داخله سلطات متعددة، بدلاً من أن تكون مرجعية واحدة تخضع لها المؤسسات والمناطق والقوى السياسية.

ولهذا أيضاً يصعب فصل تأجيل الانتخابات عن استمرار الترتيبات الاقتصادية غير المستقرة. فقيام سلطة منتخبة ذات شرعية واضحة قد يفتح الباب أمام مراجعة قواعد الإنفاق وتوزيع الإيرادات وإخضاع المؤسسات لرقابة أكثر صرامة.

وهذا لا يعني أن الانتخابات وحدها ستحل الأزمة الاقتصادية أو تنهي شبكات المصالح، بل يعني أن غياب التفويض السياسي المستقر يجعل من الصعب بناء نظام واضح للمساءلة والمحاسبة.

فكلما طالت المرحلة الانتقالية، ازدادت قدرة المستفيدين من الوضع القائم على التعامل مع الاستثناء باعتباره قاعدة، وعلى تقديم مصالحهم الخاصة بوصفها ضرورة للحفاظ على الاستقرار. عند هذه النقطة، لا يعود الجمود مجرد فشل في التوصل إلى اتفاق، بل يتحول إلى نظام له مستفيدون وأدوات دفاع.

وفي هذا السياق، يمكن فهم الاهتمام الروسي بليبيا من زاوية تتجاوز الحسابات السياسية المباشرة. فموسكو تدرك أن قدرتها على فرض تسوية شاملة، في ظل تعدد الأطراف الليبية وتنافس القوى الدولية، تظل محدودة.

لكن ذلك لا يمنعها من السعي إلى تثبيت موقعها عبر ملفات تستطيع أن تحقق فيها مكاسب تدريجية، مثل الطاقة والتعاون الاقتصادي والإعمار، إلى جانب العلاقات السياسية والأمنية.

فالدول لا تبني نفوذها دائماً من خلال فرض الحكومات أو حسم النزاعات؛ قد يكون النفوذ الأكثر استدامة هو ذلك الذي يتشكل عبر المصالح والعقود والشراكات طويلة الأجل، ويمنح صاحبه قدرة على التأثير في القرارات حتى من دون أن يكون طرفاً مباشراً في كل تفاصيل العملية السياسية.

تمثل الطاقة في الحالة الليبية مدخلاً طبيعياً لهذا النوع من التنافس. فالنفط ليس المصدر الرئيسي للإيرادات العامة فحسب، بل هو أيضاً عنصر مؤثر في أمن الطاقة الإقليمي والدولي، وفي حسابات الشركات والدول الساعية إلى حماية إمداداتها وتوسيع حضورها الاقتصادي.

كما أن إعادة الإعمار، إذا انطلقت ضمن بيئة سياسية مستقرة وقواعد شفافة، يمكن أن تفتح مجالات واسعة للاستثمار في البنية التحتية والكهرباء والنقل والإسكان والخدمات.

لكن هذه الفرص نفسها قد تتحول إلى أدوات نفوذ حين تُدار من خلال تفاهمات غير شفافة أو ترتيبات لا تخضع لمؤسسات وطنية موحدة. وهنا تكمن المفارقة: ما تحتاج إليه ليبيا لبناء اقتصادها قد يصبح وسيلة إضافية لتكريس انقسامها إذا سبق التنافس على الموارد الاتفاق على قواعد إدارتها.

ولا ينبغي، في المقابل، تصوير روسيا باعتبارها الطرف الوحيد الذي يسعى إلى توظيف الاقتصاد لتعزيز حضوره. فالقوى الغربية والإقليمية تتحرك بدورها وفق مصالح استراتيجية وتجارية وأمنية، وإن اختلفت أدواتها وحجم نفوذها وأولوياتها. بعض الأطراف يركز على أمن المتوسط والهجرة، وبعضها على الطاقة والموانئ وطرق التجارة، وبعضها على الترتيبات الأمنية والعلاقات مع القوى المحلية.

ولذلك فإن اختزال الأزمة الليبية في صراع روسي غربي لا يقدم تفسيراً كافياً لما يحدث؛ إذ يحوّل ليبيا إلى مجرد رقعة على خريطة التنافس الدولي، ويهمّش مسؤولية النخب والمؤسسات المحلية عن إنتاج الانقسام واستدامته.

ليبيا ليست ساحة تتصارع عليها القوى الخارجية من دون مشاركة من الداخل. فالفاعلون المحليون يملكون بدورهم خيارات، ويستطيعون استخدام التنافس الدولي لتعزيز مواقعهم أو التفاوض على مكاسب آنية، كما يستطيعون اختيار مسار مختلف يقوم على بناء توافق وطني يحد من قدرة الخارج على استثمار خلافاتهم.

والمشكلة أن بعض هذه القوى قد يجد في الرعاية الخارجية ضمانة لبقائه أكثر مما يجد في التسوية الوطنية ضمانة لمستقبله. فإذا كان التوافق يفرض تقاسم السلطة وفق قواعد عامة، فإن التحالفات الخارجية قد تمنح الأطراف المتنافسة وسائل إضافية للمناورة والضغط وتأجيل التسوية.

ولهذا لا يكفي أن نطالب العواصم المؤثرة بتغيير سياساتها؛ لا بد أيضاً من مساءلة القوى الليبية عن الخيارات التي جعلت الاستقواء بالخارج جزءاً من إدارة الصراع الداخلي.

المطلوب، إذاً، ليس إغلاق الباب أمام موسكو أو واشنطن أو أنقرة أو العواصم الأوروبية، ولا التعامل مع كل انخراط خارجي بوصفه تهديداً تلقائياً. فليبيا تحتاج إلى علاقات دولية واقتصادية واسعة، وإلى تعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية والأمن، كما تحتاج إلى الاستفادة من قدرة الأطراف الدولية على تسهيل التفاهمات. لكن هذه العلاقات ينبغي أن تنطلق من استراتيجية وطنية واضحة، لا أن تتحول إلى بديل عنها.

الفرق جوهري بين دولة تستثمر تنافس القوى الخارجية لخدمة مصالحها، وبلد تتحول مؤسساته المنقسمة إلى منافذ يتسلل منها الآخرون لتثبيت مواقعهم.

____________

مواد ذات علاقة