صلاح الهوني
ليبيا تملك ثروة نفطية هائلة وموقعًا استراتيجيًا لكنها عاجزة عن تحويل هذه المقومات إلى دولة مستقرة لتظل الثروة وقودًا للصراع بدل الاستقرار.
بلد يملك ثروة نفطية هائلة، وموقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وعددًا سكانيًا محدودًا نسبيًا، ومع ذلك لم يستطع، بعد أكثر من عقد على سقوط نظام القذافي، أن يحوّل هذه المقومات إلى دولة مستقرة ومؤسسات قادرة على حماية ثروتها وتوزيعها بعدالة. كأن النفط في ليبيا نجح في أن يكون ثروة وطنية، لكنه فشل في أن يصبح أساسًا لدولة وطنية.
المشكلة، إذن، ليست في قدرة ليبيا على إنتاج النفط، بل في قدرتها على إنتاج المؤسسات التي تدير النفط. فالبراميل تخرج من الأرض، والعائدات تدخل خزائن الدولة، لكن الدولة نفسها لا تزال موزعة بين حكومات ومؤسسات ومراكز نفوذ وقوى مسلحة تتنافس على تعريف السلطة وحدودها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: ثروة كبيرة، مؤسسات ضعيفة، جغرافيا استراتيجية، وانقسام سياسي؛ والنتيجة دولة معلقة بين الإمكان والواقع.
النفط في الحالة الليبية ليس مجرد قطاع اقتصادي. إنه قلب المعادلة السياسية نفسها. فمن يسيطر على القرار السياسي يريد التأثير في توزيع الموارد، ومن يسيطر على الأرض يريد حصة من النفوذ والثروة، ومن يملك القدرة على تعطيل الإنتاج أو التصدير يمتلك، ولو مؤقتًا، ورقة ضغط على الدولة. ولهذا لم يعد الصراع الليبي يدور فقط حول من يحكم، بل حول من يملك مفاتيح الاقتصاد ومن يقرر أين تذهب عائداته.
وهذا يفسر لماذا بقي النفط، رغم كونه المورد الأكثر أهمية، جزءًا من المشكلة بدل أن يكون جزءًا من الحل.
الدولة الطبيعية هي التي تجعل الموارد خادمة للمؤسسات. أما في ليبيا فقد حدث العكس في كثير من الأحيان: أصبحت المؤسسات نفسها تتنافس على السيطرة على الموارد. وعندما تكون السلطة السياسية منقسمة، يصبح النفط هدفًا مغريًا لكل طرف يبحث عن أدوات النفوذ. ومن هنا تتحول الثروة من رصيد مشترك إلى جائزة للصراع.
لكن تحميل النفط وحده مسؤولية الأزمة سيكون تبسيطًا مخلًا. فالنفط لم يصنع الانقسام السياسي، لكنه منح الانقسام قدرة أكبر على الاستمرار. الدولة التي تعتمد على مورد واحد تستطيع أن تمول أجهزة واسعة من دون أن تحتاج إلى اقتصاد إنتاجي متنوع، ويمكنها أن توزع الأموال والوظائف والدعم، لكنها تصبح في الوقت نفسه شديدة الحساسية للصراع على من يتحكم في الخزينة.
وهنا تظهر إحدى العقد الأساسية في النموذج الليبي: اقتصاد ريعي ضخم داخل دولة مؤسساتها هشّة.
عندما يعتمد المواطن والدولة والقطاع العام بدرجات كبيرة على الإنفاق الحكومي، يصبح الوصول إلى الدولة أهم من بناء اقتصاد مستقل عنها. الوظيفة الحكومية تصبح موردًا سياسيًا، والميزانية تتحول إلى أداة نفوذ، والدعم يصبح جزءًا من التوازنات الاجتماعية، فيما تتراجع قدرة القطاع الخاص على لعب دوره الطبيعي في خلق الثروة وفرص العمل.
لكن ليبيا ليست دولة نفطية عادية. موقعها يجعل استقرارها قضية تتجاوز حدودها. فهي تقع في قلب شمال إفريقيا، وتطل على المتوسط، وتشكل بوابة بين أوروبا وإفريقيا، وتتقاطع أراضيها مع طرق الهجرة غير النظامية وشبكات التجارة والطاقة. ولذلك فإن ضعف الدولة الليبية لا يبقى داخل ليبيا؛ فهو ينتقل إلى أمن المتوسط، والهجرة، ومكافحة الجريمة المنظمة، والطاقة، والتنافس الإقليمي والدولي.
وهذا الموقع الاستراتيجي كان يمكن أن يكون مصدر قوة استثنائيًا لو امتلكت ليبيا دولة موحدة قادرة على استثماره. لكنها بدلاً من ذلك أصبحت في بعض المراحل ساحة لتقاطع مصالح خارجية ومحلية، بحيث باتت الأطراف الليبية نفسها قادرة على الاستناد إلى داعمين خارجيين، فيما يجد الخارج في الانقسام الليبي فرصة لتعزيز نفوذه.
وهنا تعود الثروة إلى قلب المشكلة. فالدولة التي تملك النفط لا تحتاج فقط إلى حماية الآبار والموانئ، بل تحتاج إلى حماية القاعدة السياسية التي تجعل النفط ملكًا عامًا لا ملكًا لمن يملك القوة على الأرض.
ولهذا فإن أي حديث عن توحيد ليبيا يبدأ من السؤال الاقتصادي قبل السياسي: كيف يمكن تحويل النفط من مصدر للتمويل والصراع إلى عقد وطني لتقاسم الثروة؟
الجواب لا يكمن في مجرد توزيع الأموال بين الشرق والغرب والجنوب. ليبيا تحتاج إلى نظام واضح وشفاف لتوزيع الإيرادات، يضمن أن المناطق المنتجة تحصل على حقوقها التنموية، وأن المناطق الأقل إنتاجًا لا تتحول إلى مناطق مهمشة، وأن المواطن يعرف أين تذهب عائدات النفط وكيف تُنفق.
فالشفافية هنا ليست مسألة محاسبية فقط. إنها مسألة أمن قومي.
كل دينار لا يعرف الليبي أين يذهب يمكن أن يتحول إلى مادة للشك، وكل عقد غامض يمكن أن يصبح وقودًا لصراع جديد، وكل تفاوت غير مبرر في الإنفاق بين المناطق يمكن أن يعيد إنتاج الإحساس بالتهميش الذي غذى الانقسام طوال سنوات.
لكن تحويل النفط إلى أداة للوحدة يتطلب خطوة أكثر جرأة: إخراج إدارة الثروة من منطق التسويات السياسية المؤقتة.
لا يمكن أن يكون النفط رهينة لكل أزمة سياسية. ولا يمكن أن يصبح وقف الإنتاج أو التهديد به وسيلة تفاوض بين القوى المتنافسة. وفي المقابل، لا يمكن مطالبة المناطق المنتجة بالصمت بينما تشعر بأن الثروة تستخرج من أرضها ولا تنعكس بما يكفي على بنيتها التحتية وخدماتها وفرصها.
الحل هو بناء عقد نفطي وطني واضح: إنتاج وطني، إيرادات وطنية، قواعد توزيع معلنة، رقابة مستقلة، ومؤسسات لا تتغير بتغير الحكومات.
وهذا يقود إلى النقطة الأصعب: لا يمكن إصلاح اقتصاد ليبيا من دون إصلاح السياسة، ولا يمكن إصلاح السياسة من دون معالجة اقتصاد الريع.
فالحكومة الموحدة التي لا تملك قواعد شفافة لإدارة المال العام ستعيد إنتاج المشكلة. والانتخابات التي تأتي من دون مؤسسات قادرة على حماية نتائجها قد تنقل الصراع إلى مرحلة جديدة. وتوحيد المؤسسات المالية والإدارية من دون توحيد القرار السياسي والأمني سيجعل الوحدة شكلية.
ليبيا لا تحتاج إلى حكومة جديدة فقط. تحتاج إلى نظام جديد لإدارة الدولة.
نظام يجعل السلطة مؤقتة، والثروة عامة، والمؤسسة أقوى من الشخص، والقانون أعلى من السلاح، والميزانية خاضعة للرقابة، والانتخابات طريقًا حقيقيًا للوصول إلى السلطة لا مجرد موعد جديد للتأجيل.
وهنا تحديدًا يمكن للنفط أن يتحول من لعنة إلى فرصة.
فبدل أن يكون النفط وسيلة لشراء الولاءات، يمكن استخدام جزء من عائداته في بناء اقتصاد ما بعد النفط: الطاقة المتجددة، البنية التحتية، التعليم، التكنولوجيا، الزراعة الحديثة، والخدمات اللوجستية. ليبيا لا تستطيع أن تبقى دولة تنتظر سعر النفط كي تعرف حجم مستقبلها.
الثروة الحقيقية ليست عدد البراميل التي تنتجها البلاد، بل عدد السنوات التي تستطيع فيها تحويل تلك البراميل إلى اقتصاد منتج لا يعتمد عليها.
ولهذا فإن السؤال الليبي الحقيقي ليس: كم تنتج ليبيا من النفط؟ بل: ماذا تفعل ليبيا بالنفط الذي تنتجه؟
إذا كان النفط يمول مؤسسات منقسمة، فهو يطيل عمر الانقسام. وإذا كان يمول اقتصادًا متنوعًا وتعليمًا جيدًا وبنية تحتية حديثة ومؤسسات قوية، فإنه يصبح رأس مال لبناء الدولة.
هذه هي المفارقة التي يجب كسرها.
ليبيا لا تفتقر إلى المال بقدر ما تفتقر إلى الاتفاق على قواعد استخدام المال. ولا تفتقر إلى الموارد بقدر ما تفتقر إلى مؤسسات تحمي الموارد من التحول إلى أدوات صراع. ولا تفتقر إلى الموقع الجغرافي، بل إلى الدولة التي تستطيع تحويل هذا الموقع إلى قوة اقتصادية وسياسية.
لذلك، فإن مستقبل ليبيا لن تحدده فقط نتيجة الصراع بين الحكومات أو القوى المسلحة، بل قدرة الليبيين على الإجابة عن سؤال أكثر جوهرية: هل النفط ملك للدولة أم مصدر لتمويل السلطة؟
إذا كانت الإجابة الأولى، فهناك طريق لبناء دولة.
أما إذا بقيت الإجابة الثانية، فستظل ليبيا قادرة على إنتاج النفط، لكنها ستظل عاجزة عن إنتاج الاستقرار.
وربما تكون هذه هي المأساة الأكبر في بلد لم يكن ينقصه المال كي يصبح دولة، بل كان ينقصه الاتفاق على الدولة التي تستحق هذا المال.
__________
