خيري عمر

رغم أهمية ما تضفيه موافقة مجلس النواب في ليبيا، 14 سبتمبر، من وضعية قانونية، يشهد اتفاق اللجنة المصغرة (4+4) جدالاً حاداً حول ملاءمته، خطوة أولى، لبدء مرحلة انتقالية متوازنة.

وهذا ما يثير مناقشة جانبين؛ اتجاهات الاصطفاف السياسي والتماسك الداخلي للفاعلين في الشأن السياسي والعسكري، واحتمال حدوث انتقال حجج المؤيدين والمعترضين من الحلول الصراعية للبحث عن حلٍ سلمي.

ولذلك، يساعد الاقتراب من سلوك قوى التأييد والإعاقة في الوقوف على مدى توافر مناخ التفاهمات اللازم لتخفيف التشكك في إمكانية الوصول للانتخابات.

في الإطار العام، ترجع أهمية خطوة مجلس النواب في أنها تمثل نقطة اختبارية لمدى توافق القوى الليبية على ملامح النظام الانتخابي، حيث يستمد مقترح اللجنة مرجعيته من سماح القانون رقم 28 لسنة 2023 بترشيح وتصويت العسكريين ومتعددي الجنسية، بالإضافة إلى تعيين مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والعودة للقانون رقم 10 لسنة 2014 للانتخابات التشريعية مع تعديلات تسمح للأحزاب بتقديم مرشحيها في الانتخابات الرئاسية والتشريعية.

ومع طول الخلاف على موضوع ترشيح العسكريين ومتعددي الجنسية، حدث تغير في وضعية الاصطفاف.

فمن جهة، تلاقت حكومة الوحدة الوطنية مع “القيادة العامة” في دعم تعديلات اللجنة المصغرة، لتكون مع مجلس النواب كتلة سياسية رسمية مؤثرة في تقنين الحراك السياسي؛ هي تمثل القوام الأساسي للسلطة التنفيذية في طرابلس وبنغازي.

وهنا، تكمن أهميتها في توظيف ميزات الصلاحيات التنفيذية والتشريعية في نشر دوائر النفوذ داخل البلاد وخارجها.

تواجه قراءة مكانة مجلس النواب صعوبات ناتجة عن التداخل ما بين هشاشة بنيته المؤسسية ومدى تأثر مكانته بالمنافسين المحليين

في هذه الظروف، جاءت موافقة مجلس النواب حلقة وسطى ما بين ردَّات الفعل المحلية، لتفتح النقاش حول القوى الدافعة لترتيبات خريطة طريق جديدة أو إعاقتها، حيث يمكن تناول دوره بين بديلين؛ باعتباره طرفاً في السياسة الليبية أو قاطرة مسار لعملية توافق بين المؤسسات.

في هذا السياق، تواجه قراءة مكانة مجلس النواب صعوبات ناتجة عن التداخل ما بين هشاشة بنيته المؤسسية ومدى تأثر مكانته بالمنافسين المحليين، حيث يتأثر بحالة الاصطفاف وشبكة العلاقات بين القوى الليبية ومواقفها الراهنة. 

على أية حال، شكلت خطوة مجلس النواب الإطار العام لحجج المؤيدين، حيث دارت مواقف الكتلة الرسمية حول تأكيد صلاحية الاتفاق لتكوين سلطة موحدة وتهيئة المناخ للاستحقاقات الانتخابية.

وباعتباره ممثلاً لمؤيدي الاتفاق، اجتهد “عقيلة صالح” في صياغة موقفها على جانبين؛ يتمثل الأول في مساحة تقول بتلاقي مقترح لجنة الحوار المصغر (4+4) مع التشريعات الانتخابية السابقة ويعمل على تهيئة المناخ للوصول إلى انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، وتتطلب بدء مرحلة انتقالية عبر حكومة قادرة على بسط السيطرة على كامل التراب الليبي.

أما الثاني، حيث أقام ضرورة التوافق السياسي باعتباره خطوة لوقف انهيار كيان الدولة وتجاوز ما سمّاه “مجرد مناكفات” أو تباين في وجهات النظر؛ بل صار يمثل استنزافاً للمؤسسات ومُراكماً لعوارض انتهاك السيادة، سواء يُبقي ليبيا ضعيفة أو تحت الفصل السابع.

ومن جهة أخرى، قام ما يمكن تعريفه بجبهة المعترضين على اصطفاف مرحلي: المجلس الرئاسي والتيارات الدينية، فليس هناك سابقة لتحالف تلقائي ما بين محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي، والمفتي ومجلس الدولة.

وبالتالي يمكن فهم ما يجري من توافق على رفض مقترح لجنة “4+4” باعتباره تلاقياً مؤقتاً نتيجة خلاف “المجالس العسكرية” وتيار المفتي وأغلبية مجلس الدولة مع رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة، وبهذا المعنى، يقوم توافق هذه المجموعات على تساند أيديولوجي أكثر منه روابط تنظيمية.

ولتعويض هذا النقص، تبنى اجتماع 11 مجلساً عسكرياً بمصراتة، 17 سبتمبر، تكوين هيئة قيادية استجابة لتحدي “الظروف الراهنة التي تمر بها ليبيا”، استئناف دورها ذراعاً مُسلحة.

توضح سياقات التداول على ماهية مقترح “4+4” وطبيعة المرحلة الانتقالية إلى أي مدى يدور الصراع على الاستحواذ على الدولة فترة في بيئة هشّة.

ورغم انحسار تأثيرها في بؤر بغرب ليبيا، يرجع تماسك هذه الشبكات لوجود دوافع متقاربة لاستعادة الدولة، إحياء الثورة ومنع حصول صدام حفتر على مناصب قيادية في العاصمة.

فقد تضافرت مواقف المفتي وكتائب “فبراير” في التأسيس الشرعي لقتال “أعداء الثورة”، حيث نقض الصادق الغرياني مقترح لجنة “4+4” ووصفه بـ”المشؤوم”، فهو يمثل تمكيناً لحفتر لمدة عامين يتم فيهما تخريب ليبيا.

ولذلك، يرى الحل في رفض مجلس الدولة وقتال “المفسدين والظلمة”. وبهذا المعنى، تتلقى “المجالس العسكرية للمدن” هذه الصيغة باعتبارها مرجعية شرعية لتفويض المسلحين بمقاومة ترتيبات المرحلة الانتقالية.

وعلى الرغم مما تمثله هذه الخيارات من مفاصلة سياسية، قَدمت المجالس العسكرية مبررات، جمعت فيها ما بين التفاوض والتشدد، فلم يكن اقتراح مبادرة “الدولة المدنية” الموحدة، 26 يوليو/ تموز 2026، تخلياً عن السلاح بقدر ما هو اشتباك ظرفي مع بيئة سياسية هشة، قامت ملامحه على أولوية الإرادة الشعبية وعدم استخدام القوة لفرض النفوذ أو الصفقات السياسية في مناطق الدولة الثلاثة.

تشكل هذه الأرضية البُعد الأساسي لرفض المجالس العسكرية لما تطلق عليه الحكم العسكري والعائلي، ولذلك، رأت مقترح “4+4” بوصفه امتداداً لمقترح “بولس”، لا يوفر الشرعية للسلطة بقدر ما هو إعادة تدوير للحكم العسكري ما بين العائلات المسيطرة وتهديد التطلعات الديمقراطية بتجاوز العمليات الانتخابية القائمة (2021) وإهدار الاستفتاء على مشروع دستور 2017.

بشكل عام، توضح سياقات التداول على ماهية مقترح “4+4″ وطبيعة المرحلة الانتقالية إلى أي مدى يدور الصراع على الاستحواذ على الدولة فترة في بيئة هشّة لا تتوافر فيها كوابح تَركّز السلطة أو ضمانات الوصول للانتخابات، حيث يتشكل القلق من تكاثر الأهداف الجزئية؛ تصعيد صدام حفتر، بقاء عبد الحميد الدبيبة، سعي مزاج ثورة فبراير لاستعادة مواقعها، و”ثورة” سبتمبر لاستعادة نظامها، وهو ما يؤسس لمسارات متوازية، لم تلتق عند مساحة تفاوضية خلال السنوات الماضية.

لم يشهد النظامان القَبلي والحزبي حراكاً يقودهما نحو التحديث والتأثير في الوضع القائم، فكما بقيت القبائل ضعيفة التكيف مع تغير النظام السياسي، ظل النظام الحزبي مُتغيراً ثانوياً.

فمن وجهة أساسية، ترسم العلاقة بين الفواعل الليبية ملامح إمكانية الوصول لمرحلة انتقالية، حيث ترتبط الفرصة أو الإعاقة بوجود كتلة قادرة، ليس على التشاور وإنما لفرض أمرٍ واقع.

على مستوى المؤسسات الرسمية، رغم التقارب الظاهري بين حكومتي غرب ليبيا وشرقها، لا تبدو عوامل الثقة كافية لتوزيع مُريح للمناصب العامة، حيث تنتشر التنافسية في مستويات متعددة من دوائر النفوذ، وهي حالة لم تقتصر على الجهة التنفيذية، بل طاولت جهتي التشريع، تظهر آثارها، دائماً، الخلاف المزمن بين مجلسي النواب والدولة.

وفي المستوى الرسمي نفسه، تشير التفاعلات الداخلية في المجلسين لضعفٍ واضح لا يُمكّن أياً منهما من حماية استقلاليته أو الدفاع عن قراره، وخصوصاً مع تمزق البنية الداخلية.

فإذا ما نظرنا لاتجاهات تصويت النواب على مقترح “4+4″، يمكن ملاحظة أنه بسبب الخلاف على تعديل اللائحة الداخلية، قاطع 64 عضواً، 14 سبتمبر 2026، موزعين على الدوائر الانتخابية، أعمال المجلس، فيما تحفظ 111 عضواً على عرض الاتفاق للتصويت قبل تعديل اللائحة، لتبقى موافقة 30 عضواً دليلاً على التململ الهيكلي.

على يسار هذه العيوب الهيكلية، لم يشهد النظامان القَبلي والحزبي حراكاً يقودهما نحو التحديث والتأثير في الوضع القائم. فكما بقيت القبائل ضعيفة التكيف مع تغير النظام السياسي، ظل النظام الحزبي مُتغيراً ثانوياً.

واستثناءً من هذه الهامشية، يسعى تيار الجماهيرية لتجاوز مرحلة الاستبعاد والعزل والإعداد لاستعادة دولته؛ وعلى الرغم من الصعوبات التي يلاقيها في مشوراه، تعكس مظاهر احتفالات سبتمبر احتمال تمثيله في البرلمان، حيث انتشرت مظاهر التعبير عنه في بعض مدن غرب ليبيا، لا سيما في طرابلس والعجيلات، حيث رفعت الحاضنة الاجتماعية شارات وشعارات حقبة القذافي.

على أية حال، فإنه رغم الأهمية النسبية لموافقة مجلس النواب، لا يزال سريان مخرجات لجنة الحوار (4+4)، 30 أغسطس الماضي، متوقفاً على الإرادة المشتركة للمجلسين ممثلة في لجنة “6+6” وتماسك المؤيدين، ولذلك، يمكن قراءتها خطوة محفوفة بالمكاره والهشاشة، حيث يصعب ملاحظة حدوث تغير جوهري في الاصطفاف السياسي.

وفي ظل اللجوء للسلاح لتسوية الخلافات، تمثل قابلية المرحلة الانتقالية لدمج المجتمع السياسي الفوري عاملاً رئيسياً في تهيئة المناخ للتحول السلمي واختباراً لحُسن النيات شرطاً لازماً لتجنب مخاوف تركز السلطة وأن تكون نتائج الانتخابات بمثابة إعادة إنتاج للانقسام.

__________

مواد ذات علاقة