صابر بن عامر
من أين يبدأ السياسي؟
في ليبيا لا يبدأ الطريق إلى السياسة دائماً من صندوق الاقتراع؛ أحياناً يبدأ بلقب رئيس حزب، ممثل تيار، ناشط سياسي، أو شخصية تُقدَّم بوصفها ممثلة لمنطقة أو شريحة. ثم يأتي اجتماع، وبعده بيان، ثم استضافة تلفزيونية، ثم دعوة أخرى.
ومع تكرار الظهور، يتحول الاسم إلى جزء ثابت من المشهد، بينما يختفي السؤال الأبسط: من فوّضه أصلاً، ومن يقف خلفه، وما الذي يمنحه حق الحديث باسم الآخرين؟
هذه ليست مسألة شكلية، بل واحدة من أكثر مشكلات الحياة السياسية الليبية عمقاً. فنحن لا نعاني فقط من أزمة شرعية المؤسسات أو تأخر الانتخابات، بل من خلل في الطريقة التي يُصنع بها السياسي نفسه قبل أن يصل أصلاً إلى مرحلة المطالبة بالشرعية.
فمنذ انتخابات مجلس النواب في 25 حزيران/يونيو 2014، التي شارك فيها أكثر من 630 ألف ناخب، بما يقارب 41 في المئة من المسجلين، لم تُجر انتخابات تشريعية وطنية جديدة تعيد قياس أوزان القوى والشخصيات أمام المواطنين.
الاعتراف الذي يصنع النفوذ
غياب الصندوق لم يوقف إنتاج السياسيين، بل فتح المجال لمسارات أخرى تصنع الحضور والنفوذ بعيداً عن القياس الشعبي المباشر؛ فالعلاقات، والإعلام، والمشاركة في الحوارات، والاجتماعات مع البعثات والسفارات، والمؤتمرات واللجان، كلها يمكن أن تمنح الاسم قيمة سياسية متراكمة.
المشكلة ليست في أن يلتقي سياسي بسفير أو ببعثة دولية، هذا أمر طبيعي في العمل العام، الإشكال يبدأ عندما تتحول الدعوة إلى شهادة ضمنية بالحجم، ويصبح تكرار الظهور بديلاً عن السؤال عن القاعدة الشعبية.
يدخل شخص اجتماعاً بصفته رئيس حزب أو ممثل تيار، يظهر اسمه في بيان، تستضيفه القنوات بالصفة نفسها، يُدعى إلى لقاء آخر لأن اسمه أصبح مألوفاً، وبعد سنوات لا يعود أحد يسأل عن الحزب الذي يمثله، وأين فروعه، ومَن أعضاؤه، ومتى عقد مؤتمره، وكيف اختار قيادته، وما برنامجه أصلاً.
هكذا يبدأ النفوذ أحياناً من أعلى إلى أسفل؛ الاعتراف يولد ظهوراً، والظهور يولد مزيداً من الاعتراف، ثم يتحول الاثنان إلى وزن سياسي.
الحوار المهيكل الذي نظمته بعثة الأمم المتحدة يوضح حساسية هذه المسألة، فقد ضم نحو 120 ليبياً من بلديات وأحزاب وجامعات ومؤسسات ومكونات مجتمعية، وأكدت البعثة أنه منتدى تشاوري وليس هيئة لصنع القرار. لكن مجرد الوجود داخل هذه المساحات يمنح حضوراً عاماً، وتزداد قيمة هذا الحضور عندما تضعف أدوات القياس الشعبي.
الحزب ليس بطاقة تعريف
المفارقة أن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات تحدثت في شباط/فبراير 2026 عن محدودية القاعدة الشعبية وهشاشة التنظيم وغياب الرؤية الواضحة، وضعف التواصل المؤثر مع الجمهور لدى الأحزاب السياسية الناشئة.
وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً: إذا كانت بعض الأحزاب ضعيفة القاعدة والتنظيم، فكيف تتحول إلى عناوين ثابتة في العملية السياسية؟ وهل يكفي التسجيل القانوني كي يصبح الكيان ممثلاً سياسياً للمجتمع؟
أنا لست ضد الأحزاب، بالعكس، أرى أن ليبيا تحتاج إلى أحزاب حقيقية أكثر من أي وقت مضى، لكن الحزب الحقيقي لا يستمد وجوده من اجتماع دولي، بل من حضوره داخل المجتمع. وجوده يجب أن يظهر في أعضائه، وفروعه، ومؤتمراته، وبرامجه، ونشاطه بين الناس، وقدرته على إنتاج قيادات جديدة، ثم في الأصوات التي يحصل عليها عندما تفتح صناديق الاقتراع.
أما إذا غابت هذه العناصر، فقد تتحول الصفة الحزبية إلى بطاقة تعريف تمنح صاحبها مكاناً داخل المشهد أكثر مما تعكس قوة اجتماعية حقيقية.
الإعلام جزء من الحلقة
المسؤولية لا تقع على الأحزاب وحدها؛ الإعلام أيضاً يشارك في تثبيت الصفات. عندما يُقدَّم شخص عشرات المرات بوصفه قيادياً أو ممثلاً أو محللاً سياسياً، يساهم تكرار اللقب في تحويل الصفة إلى حقيقة مألوفة. وبعد مدة يصبح الاسم هو الذي يثبت الصفة بدل أن تكون القاعدة الاجتماعية هي التي تثبتها.
وهنا تتشكل دائرة مغلقة؛ الاجتماع يمنح الظهور، والظهور الإعلامي يرسخ الصفة، والصفة تفتح الباب أمام اجتماع جديد. ومع تكرار الدورة يمكن أن يصبح الشخص جزءاً من النخبة السياسية من دون أن يمر أصلاً باختبار حقيقي أمام المجتمع.
لهذا، فإن السؤال الأهم ليس فقط من يملك الشرعية في ليبيا، السؤال الذي يستحق أن نذهب إليه أبعد هو كيف يُصنع السياسي قبل أن يطالب بالشرعية؟ من يمنحه الصفة الأولى؟ من يكررها؟ من يحولها إلى حضور؟ ومن يحول الحضور إلى نفوذ؟
الخطر ليس فقط أن يبقى سياسي من دون ناخبين، الأخطر أن نعتاد على صناعة السياسي من دون جمهور، ثم نتعامل مع النتيجة وكأنها تمثيل طبيعي للمجتمع. وعندها لا يعود السؤال من يمثل الليبيين، بل من صنع أصلاً أولئك الذين يقولون إنهم يمثلونهم.
_____________
