صلاح الهوني
من تراجع الدينار وتهريب الوقود إلى تعطل التعليم واضطراب الخدمات، تتكشف أزمة دولة تعجز عن تحويل ثروتها إلى استقرار اجتماعي.
الانقسام السياسي في ليبيا لم يعد مجرد صراع على السلطة والشرعية، بل تحول إلى أزمة معيشية تتجلى في تراجع الدينار، وارتفاع الأسعار، وتهريب الوقود، واضطراب إنتاج النفط، وتعثر الخدمات الأساسية.
وما تكشفه التحذيرات الأممية بشأن هذه المؤشرات يتجاوز حدود الاقتصاد إلى جوهر أزمة الدولة: سلطات متنافسة، ومؤسسات عاجزة عن توحيد القرار، وموارد ضخمة لا تنعكس بالقدر المطلوب على حياة المواطنين.
فحين يجد الليبيون أنفسهم أمام تراجع قدرتهم الشرائية وتعطل الدراسة واضطراب الخدمات الصحية، يصبح السؤال عن جدوى المؤسسات أكثر إلحاحاً من الخلاف حول الجهة التي تملك حق الحكم.
المفارقة أن ليبيا لا تعاني نقصاً في الثروة، بقدر ما تعاني خللاً في إدارتها وتوزيع عوائدها. فالنفط الذي يفترض أن يمول التنمية والاستقرار تحول إلى أداة ضغط في الصراع السياسي، بينما تستنزف الاختلالات المالية والتهريب موارد كان يمكن توجيهها إلى تحسين الخدمات وتخفيف الأعباء المعيشية.
وهكذا يدفع المواطن ثمن انقسام لا يشارك في صنع قراراته، لكنه يتحمل نتائجه يومياً في السوق ومؤسسات التعليم والصحة.
ويجسد تهريب الوقود هذا التناقض بوضوح. فالدعم المخصص لتخفيف الأعباء عن المواطنين يتحول، في ظل ضعف الرقابة وتداخل المصالح الاقتصادية والنفوذ المسلح، إلى فرصة للربح غير المشروع واستنزاف المال العام.
ولا تقتصر الخسارة على قيمة الوقود المهرب، بل تشمل تشوهات منظومة الدعم وتراجع كفاءة الإنفاق وحرمان الاقتصاد من موارد كان يمكن استثمارها في قطاعات منتجة.
لذلك لا يكفي التعامل مع التهريب باعتباره مخالفة أمنية؛ إنه أيضاً مشكلة حوكمة تتطلب شفافية في التوزيع، ورقابة فعالة، ومحاسبة لا تستثني أصحاب النفوذ.
ولا يقل اضطراب قطاع النفط خطورة. فحين تؤدي الاحتجاجات والإغلاقات إلى خسارة نحو مليون برميل من الإنتاج، وفق الأرقام الواردة في التقارير المتعلقة بالأزمة، تتأثر الإيرادات العامة وتتراجع قدرة الدولة على التخطيط للإنفاق.
ولا تعني هذه الخسائر مجرد انخفاض مؤقت في العائدات، بل تكشف هشاشة اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على مورد واحد، فيما يظل هذا المورد عرضة للتجاذبات السياسية والاجتماعية.
لا ينبغي، في المقابل، اعتبار الاحتجاجات العمالية مشكلة في ذاتها؛ فالمطالب المتعلقة بالأجور والحقوق وظروف العمل مشروعة، وتسويتها مسؤولية المؤسسات. لكن الخلل يظهر عندما تصبح المنشآت النفطية وسيلة ضغط في صراعات أوسع، أو عندما تعجز السلطات عن إيجاد آليات تفاوض تمنع تعطيل الإنتاج.
عندئذ يتحول المورد الذي يفترض أن يمول الدولة إلى رهينة للانقسام، ويصبح ملايين المواطنين عرضة لتبعات قرارات لا يملكون التأثير فيها.
وتنعكس هذه الاختلالات مباشرة على القوة الشرائية. فتراجع الدينار وارتفاع الأسعار يضغطان على ميزانيات الأسر، ويجعلان الغذاء والدواء والنقل والسكن أكثر كلفة، خصوصاً بالنسبة إلى محدودي الدخل.
ومع تكرار الأزمات من دون سياسات واضحة، تتآكل الثقة في قدرة المؤسسات على حماية المصالح الأساسية للمواطنين. هنا يصبح التدهور الاقتصادي أزمة شرعية أيضاً، لأن شرعية الدولة لا تستند إلى النصوص والتصريحات وحدها، بل إلى قدرتها على أداء وظائفها وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار.
ويكشف قطاع التعليم جانباً آخر من الكلفة الاجتماعية للانقسام. فتأجيل الدراسة لما يقارب 1.6 مليون طالب، لا يعني اضطراباً إدارياً عابراً، بل مساساً بحق أساسي وتهديداً لتكافؤ الفرص. فالطلاب يخسرون وقتاً تعليمياً يصعب تعويضه، فيما تتحمل الأسر أعباء إضافية في ظل غياب اليقين بشأن انتظام الدراسة.
وتكون الفئات الأقل دخلاً الأكثر تضرراً، لأنها لا تستطيع توفير بدائل خاصة لتعويض ما يفقده أبناؤها.
وتظل حقوق المعلمين والعاملين في التعليم جزءاً من الحل، لا عقبة أمامه. فاستقرار المدارس يتطلب أجوراً وظروف عمل ملائمة وتسوية مستدامة للنزاعات المهنية، وهي مسؤوليات لا يمكن أن تبقى معلقة بين سلطات متنازعة. والأمر نفسه ينطبق على الصحة، حيث يتحول نقص الخدمات أو اضطرابها إلى عبء مباشر على الأسر، ويضعف ثقتها في قدرة الدولة على حماية كرامتها.
فالمريض لا يستطيع انتظار تسوية الخلافات السياسية، كما لا يمكن تأجيل حق الطلاب في التعليم إلى أجل غير معلوم.
وتكشف أزمات النفط والتعليم والصحة أن الانقسام لا يستهلك موارد الدولة فحسب، بل يبدد فرص التنمية ويضعف الثقة العامة. فعندما تتراجع جودة الخدمات وتتسع الضغوط المعيشية، يزداد شعور المواطنين بأن المؤسسات منشغلة بتوزيع النفوذ أكثر من انشغالها بإدارة الشأن العام.
وقد يدفع ذلك الشباب والكفاءات إلى البحث عن فرص خارج البلاد، فيما تتسع الفجوة بين الإمكانات الاقتصادية المتاحة والواقع الاجتماعي. والأخطر أن يتحول الاعتياد على الأزمات إلى نوع من الاستسلام، فتُعامل الاختلالات المستمرة باعتبارها جزءاً طبيعياً من الحياة الليبية.
ومع ذلك، لا ينبغي رد كل الإخفاقات إلى الانقسام وحده. فسوء الإدارة والفساد وضعف الرقابة وغياب التنويع الاقتصادي عوامل تزيد الأزمة تعقيداً، وقد تستمر حتى بعد توحيد المؤسسات إذا لم يصاحب التسوية إصلاح حقيقي.
توحيد السلطات شرط ضروري، لكنه ليس ضمانة كافية؛ إذ لا بد من قواعد شفافة لإدارة الإيرادات والإنفاق، ورقابة مستقلة، وسياسات تحمي المال العام وتربط الموارد بنتائج ملموسة في حياة المواطنين.
من هنا، لا يجوز أن يبقى المسار السياسي منفصلاً عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية. فاستمرار الخلاف حول الانتخابات وتوحيد المؤسسات يطيل حالة عدم اليقين، ويمنح المستفيدين من الفوضى مساحة أوسع لتعطيل الإصلاح. لكن اختزال الحل في التوصل إلى اتفاق سياسي، من دون معالجة مشكلات المعيشة والخدمات، لن ينتج استقراراً مستداماً.
فالانتخابات ليست غاية مكتفية بذاتها إذا لم تفض إلى مؤسسات قادرة على تنفيذ قراراتها ومحاسبة المسؤولين، كما أن توحيد المؤسسات يفقد قيمته إذا لم ينعكس على توزيع أكثر عدالة للموارد وانتظام الخدمات.
لذلك ينبغي أن تصبح حماية الموارد والخدمات جزءاً من التسوية السياسية، لا بنداً مؤجلاً إلى ما بعدها. ويبدأ ذلك بنشر بيانات واضحة عن الإيرادات النفطية والإنفاق العام، ومكافحة تهريب الوقود، وحماية المنشآت النفطية من الابتزاز، وتسوية النزاعات المهنية في التعليم والصحة، ووضع معايير معلنة لتوزيع الموارد بين المناطق.
كما يتطلب اتفاقاً على أولويات الإنفاق العام، يمنع استخدام الميزانية لتعزيز نفوذ طرف على حساب آخر، ويضمن توجيه الثروة إلى الخدمات والبنية التحتية والقطاعات المنتجة.
إن التحدي الليبي لم يعد محصوراً في تحديد من يحكم، بل في بناء دولة تستطيع إدارة ثروتها وحماية مواطنيها. فالشرعية لا تُستعاد بتبادل التصريحات عن الوحدة الوطنية، ولا بتقاسم المناصب بين مراكز النفوذ، وإنما بقدرة المؤسسات على ضبط الموارد، وصون القوة الشرائية، وضمان انتظام التعليم والعلاج. وأي تسوية لا تُحدث فرقاً ملموساً في حياة الناس ستظل اتفاقاً بين القوى المتنافسة، لا عقداً جديداً بين الدولة والمجتمع.
ليبيا لا تحتاج إلى مزيد من الوعود بشأن قرب التوافق بقدر ما تحتاج إلى إنهاء الحلقة التي تربط الانقسام بتعطيل الاقتصاد وتدهور الخدمات وفقدان الثقة. فحين يصبح النفط رهينة، والتعليم معطلاً، والصحة مثقلة بالاختلالات، والأسعار فوق قدرة الأسر، لا يعود الصراع على السلطة شأناً سياسياً منفصلاً عن المجتمع؛ بل يصبح تهديداً لأساس الدولة نفسها. والخروج من الأزمة يبدأ حين تتحول الثروة من أداة للصراع إلى حق عام، وتصبح المؤسسات مسئولة أمام المواطنين عن نتائج أدائها، لا عن قدرتها على البقاء في السلطة فحسب.
___________
