بريان ج. كاراموكا
Jamestown
الملخص التنفيذي:
• توسّع تركيا استراتيجيتها في ليبيا عبر بناء شراكات مع فصائل حكومية متنافسة، والتحول من التدخل إلى الوساطة الأمنية طويلة الأمد.
• ترسّخ أنقرة موقعها في ليبيا وشرق البحر المتوسط من خلال التعاون العسكري والاتفاقيات البحرية والانخراط الاقتصادي.
• يشكّل الدور التركي المتوسع تحدياً للمنافسين الإقليميين، ويحمل تداعيات كبيرة على المصالح الأمريكية وأمن الطاقة الأوروبي واستقرار شمال أفريقيا.
في أواخر مايو/أيار، استضافت تركيا تدريبات عسكرية جمعت لأول مرة منذ بدء الحرب الأهلية في ليبيا بعد عام 2011 أفراداً من الفصائل المسلحة المتنافسة في البلاد. وشهدت التدريبات مشاركة غير مسبوقة لجنود موالين لكل من حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً، والجيش الوطني الليبي المتمركز في الشرق، تحت علم ليبي واحد .
وتشير هذه المبادرة إلى تطور مقاربة أنقرة تجاه ليبيا؛ مقاربة تتجاوز دعم فصيل واحد وتضع تركيا في موقع الوسيط الأمني القادر على التعامل مع كلا مركزي القوة في البلاد.
ومن خلال رعاية كلا مركزي القوة، قد تحقق أنقرة نفوذاً أكبر على أي تسوية سياسية أو هيكل أمني مستقبلي.
ومنذ الإطاحة بنظام معمر القذافي في عام 2011، ظلت ليبيا منقسمة بين حكومتين ومؤسستين عسكريتين متنافستين. تسيطر حكومة الوحدة الوطنية، ومقرها طرابلس والمعترف بها من الأمم المتحدة، على معظم غرب ليبيا بدعم سياسي وعسكري من الاتحاد الأوروبي.
في المقابل، يهيمن الجيش الوطني الليبي بقيادة الفريق خليفة حفتر على شرق ليبيا ومعظم المناطق الداخلية الغنية بالنفط، معتمداً على دعم مصر وروسيا والإمارات العربية المتحدة .
وقد مكّن الدعم الخارجي كلا الفصيلين من توطيد سيطرته على أراضيه، لكن أياً من الجانبين لا يمتلك بعد القدرة الكافية لهزيمة الآخر
شكّل التدخل العسكري التركي في ليبيا نقطة تحول في كل من الحرب الأهلية في البلاد واستراتيجية أنقرة الأمنية الإقليمية. فبعد هجوم الفريق حفتر على طرابلس في عام 2019، تدخلت أنقرة لصالح حكومة الوفاق الوطني — وهي الهيكل الحاكم المؤقت في ليبيا بين عامي 2015 و2021 — مانعةً انهيار الحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة ومغيّرةً مسار الصراع .
وبعيداً عن الحفاظ على حكومة صديقة في طرابلس، رسّخ التدخل تركيا كأحد أكثر الفاعلين الأمنيين الخارجيين نفوذاً في ليبيا. وأظهر استعداد أنقرة لاستخدام القوة العسكرية لتعزيز مصالحها الجيوسياسية في شرق البحر المتوسط.
واعتمدت تركيا في البداية على المستشارين العسكريين والدعم الاستخباري والطائرات المسيّرة وغيرها من المساعدات الدفاعية لوقف تقدم الجيش الوطني الليبي؛ غير أنه مع تحوّل ميزان القوى لصالح طرابلس، مؤسّست أنقرة حضورها عبر سلسلة من الاتفاقيات الدفاعية والبحرية مع حكومة الوفاق الوطني، بما في ذلك مذكرة التفاهم التركية-الليبية التاريخية لعام 2019، التي ركّزت على التعاون الأمني والحدود البحرية في شرق البحر المتوسط .
وتطور التدخل لاحقاً إلى وجود عسكري دائم، مما نقل دور أنقرة من داعم خارجي إلى شريك أمني طويل الأمد .
وأنشأت تركيا حضوراً بحرياً في ميناء مصراتة، ووسّعت عملياتها من قاعدة الوطية الجوية بعد استعادتها من قوات حفتر، ونشرت أنظمة عسكرية متقدمة — بما في ذلك طائرات بيرقدار دون طيار ومنظومات الدفاع الجوي — وقدمت دعماً تدريبياً ولوجستياً وتقنياً واسعاً للقوات الليبية.
وتمتد مصالح تركيا في ليبيا إلى ما هو أبعد بكثير من استقرار صراعها الداخلي. فليبيا، الواقعة عند ملتقى البحر المتوسط وشمال أفريقيا والساحل، تشكّل بوابة حيوية تربط أوروبا وأفريقيا. وتحتوي على بعض من أكبر احتياطيات النفط والغاز الطبيعي المؤكدة في القارة .
وبالنسبة لأنقرة، أصبح تأمين موطئ قدم طويل الأمد في ليبيا أمراً محورياً ليس فقط لسياستها في شمال أفريقيا، بل أيضاً لطموحاتها الأوسع في شرق البحر المتوسط.
وبناءً على الاتفاقيات الدفاعية الموقّعة في عام 2019، أبرمت تركيا والحكومة المتمركزة في طرابلس مذكرة تفاهم بحرية تُنشئ منطقة اقتصادية خالصة تقطع مياهاً تطالب بها أيضاً اليونان وقبرص ومصر .
كما منح الاتفاق البحري تركيا إطاراً قانونياً وسياسياً للطعن في المطالبات البحرية المتنافسة، مع منح الشركات التركية وصولاً تفضيلياً إلى مشاريع الطاقة البحرية المستقبلية .
وتستند هذه الطموحات إلى الإمكانات الهيدروكربونية الكبيرة في المنطقة. وتقدّر هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن شرق البحر المتوسط يحتوي على نحو 107 مليارات برميل من النفط غير المكتشف و122 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، مما يجعل السيطرة على المنافذ البحرية ذات عواقب متزايدة على المنافسة الإقليمية.
ومن خلال تثبيت وجودها العسكري في ليبيا على مطالبات بحرية واسعة، عزّزت أنقرة قدرتها على متابعة استكشاف الطاقة البحرية، وبسط النفوذ عبر شرق البحر المتوسط، وتشكيل المشهد الطاقوي الأوروبي المتطور.
وينبع الدور التركي المتوسع في ليبيا من أهداف تتجاوز بكثير الحفاظ على الحكومة المتمركزة في طرابلس. فمن خلال تثبيت نفسها كشريك أمني طويل الأمد، سعت أنقرة إلى مواجهة نفوذ منافسين إقليميين — من بينهم اليونان وقبرص وروسيا والإمارات العربية المتحدة ومصر — الذين لهم مصالح في ليبيا .
كما يعزز الوجود العسكري المستدام موقع تركيا داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) من خلال تعزيز دورها على الجناح الجنوبي للحلف المتزايد التنافس، حيث أصبح الإرهاب والهجرة والتنافس بين القوى العظمى من الشواغل الأمنية المركزية.
وفي الوقت نفسه، بدأت أنقرة إعادة معايرة استراتيجيتها في ليبيا. فبدلاً من البقاء منحازة حصرياً لحكومة الوحدة الوطنية المعترف بها من الأمم المتحدة، وسّعت تركيا تدريجياً انخراطها مع الجيش الوطني الليبي.
وبدأت العلاقات تتحسن في أواخر عام 2023، لتتوج بإعادة فتح القنصلية التركية في بنغازي في عام 2024 واجتماعات رفيعة المستوى بين مسؤولين عسكريين أتراك وحفتر في عام 2025 .
وقد عكست الدبلوماسية العسكرية التركية الواقع السياسي الليبي. ففي عام 2025، قامت سفن بحرية تركية بزيارات إلى مينائي طرابلس وبنغازي خلال نفس الانتشار — وهو أول انخراط من هذا النوع يشمل كلتا الإدارتين المتنافستين.
وتضمنت الزيارات أنشطة تدريب بحري ومشاورات مع مسؤولي الدفاع من شرق وغرب ليبيا، بما في ذلك اللواء صدّام حفتر، نائب قائد الجيش الوطني الليبي، بشأن التعاون العسكري المستقبلي تحت شعار “ليبيا واحدة، جيش واحد” .
وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن تركيا تنتقل من دعم فصيل واحد إلى وضع نفسها كوسيط أمني قادر على تشكيل مستقبل ليبيا العسكري والسياسي.
واكتسب هذا التقارب زخماً بعد زيارة حفتر لأنقرة في أبريل/نيسان 2025، حيث التقى رئيس أركان القوات البرية في الجيش الوطني الليبي مسؤولين عسكريين أتراكاً كباراً لمناقشة توسيع التعاون الدفاعي .
وتشير التقارير إلى أن الجانبين تفاوضا منذ ذلك الحين على اتفاقيات تغطي تدريبات بحرية مشتركة وتدريباً عسكرياً ودعماً استشارياً وتوفيراً محتملاً لطائرات بيرقدار TB2 دون طيار .
ومن خلال تكرار الشراكات الأمنية التي بنتها في شرق ليبيا، تسعى أنقرة إلى توسيع الدعم للاتفاق البحري التركي-الليبي لعام 2019، وتعزيز وجودها العسكري طويل الأمد، وتقوية الشرعية السياسية لمطالباتها في شرق البحر المتوسط.
وقد أنتج التقارب نتائج سياسية وعسكرية ملموسة. وأبرزها أن الجيش الوطني الليبي نظر في التصديق على مذكرة التفاهم البحرية لعام 2019 الموقّعة أصلاً من حكومة الوحدة الوطنية المتمركزة في طرابلس. ومن شأن هذه الخطوة أن تعزز بشكل كبير الشرعية السياسية للاتفاق.
وبالمثل، تسارع التعاون العسكري. ففي وقت سابق من هذا العام، شارك أفراد من الفصائل العسكرية الليبية المتنافسة معاً في تمرين “إيفيس-2026” متعدد الجنسيات التركي، وهي تمثل أول مرة يتدرب فيها الجانبان تحت علم ليبي واحد .
ويشكّل انخراط تركيا في ليبيا جزءاً من استراتيجية أوسع لإنشاء شبكة من الموطئ العسكري والتجاري على طول أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في أفريقيا. وقد أعطت أنقرة الأولوية لشراكات مع ليبيا والصومال والسودان، نظراً إلى موانئها كبوابات إلى البحر المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي على التوالي.
ومن خلال توسيع وجودها في منشآت مثل ميناء مقديشو في الصومال، وميناء سواكن في السودان، والموانئ الليبية الرئيسية، سعت تركيا إلى تعزيز نفوذها على طرق التجارة البحرية الحيوية مع دفع مصالحها في الطاقة والأمن .
وعزز هذا التوسع العسكري المتزايد هذه الاستراتيجية البحرية. وتقع القاعدتان الأفريقيتان الرئيسيتان لتركيا في الصومال وليبيا، مما يمنح أنقرة مواقع عمليات أمامية على كل من المحيط الهندي والبحر المتوسط. وتُعد قاعدة “توركسوم” العسكرية في مقديشو، التي افتُتحت في عام 2017، أكبر منشأة عسكرية تركية في الخارج وتشكّل محور شراكتها الأمنية مع الصومال .
ويُقال إن المنشأة تستضيف أكثر من 1000 فرد تركي ويمكنها تدريب أكثر من 10 آلاف جندي صومالي، مع توفير الدعم اللوجستي والعملياتي والمساعدة العسكرية .
وسعت تركيا بشكل متزايد إلى تمييز نفسها عن روسيا وجمهورية الصين الشعبية من خلال تقديم نفسها كشريك أمني مرن وسريع الاستجابة وقادر عملياتياً للدول الأفريقية التي تواجه تمردات وجماعات إسلامية مسلحة وحركات انفصالية . وقد ظهر هذا النهج بشكل خاص في الساحل والقرن الأفريقي، حيث قرنت أنقرة التعاون الدفاعي بالانخراط الاقتصادي لتعميق نفوذها الإقليمي.
كما انضمت تركيا إلى المبادرة الأطلسية للمغرب، التي تهدف إلى منح دول الساحل غير الساحلية وصولاً إلى المحيط الأطلسي، في إشارة إلى دعم أنقرة لمشاريع الربط الإقليمي الناشئة.
وإلى جانب التعاون الأمني، تواصل تركيا توسيع بصمتها الاقتصادية من خلال الاستثمارات البحرية والبنية التحتية، بما في ذلك تزويد كينيا بقاطرة حديثة ودعم تطوير الموانئ والبنية التحتية في تنزانيا والسنغال .
___________