تسريبات إماراتية
أعاد إسقاط رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح فتح ملف النفوذ الإماراتي في ليبيا، وسط تساؤلات حول المستفيد من إزاحة أحد أبرز الشخصيات السياسية في شرق البلاد، وما إذا كان التغيير داخل البرلمان يمثل خطوة جديدة في مسار إعادة ترتيب المشهد الليبي بما يخدم صعود عائلة حفتر، وفي مقدمتها صدام حفتر.
وفي 6 أكتوبر، أنهى مجلس النواب الليبي نحو 12 عامًا من رئاسة عقيلة صالح، وانتخب الصالحين عبد النبي العبيدي رئيسًا جديدًا للمجلس، بعد تصويت 98 نائبًا في اليوم السابق على تعديل يقضي بتحديد ولاية رئيس المجلس ونائبيه بسنة واحدة.
وجاء التصويت وسط خلاف على قانونية الجلسة، فيما رفض عقيلة صالح الإجراءات وقال إن جلسة تعديل اللائحة لا تتمتع بصفة رسمية ولا أثر قانوني لها.
لكن التطور الأكثر أهمية لا يتعلق فقط بخروج عقيلة من رئاسة البرلمان، بل بما يمكن أن يعنيه ذلك بالنسبة إلى توازن القوى في شرق ليبيا، حيث ظل عقيلة، رغم تحالفه الطويل مع خليفة حفتر، يمتلك موقعًا سياسيًا وشبكة علاقات وقدرة على التفاوض لا تتطابق بالضرورة مع مصالح عائلة حفتر.
وتأتي هذه التطورات بعد أقل من أسبوعين على استقبال نائب رئيس الإمارات منصور بن زايد آل نهيان لصدام حفتر في أبوظبي في 25 سبتمبر، حيث بحث الجانبان، وفق وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية، تعزيز العلاقات بين الإمارات وليبيا وتطوير التعاون في مجالات مختلفة، إضافة إلى التطورات الإقليمية.
كما عقد صدام لقاءات مع مسؤولين إماراتيين في الشؤون الدفاعية والعسكرية لبحث التعاون والتنسيق بين الجانبين.
ويمنح توقيت اللقاء أهمية سياسية خاصة، إذ جاء قبل أيام قليلة من الإطاحة بعقيلة صالح، في وقت كانت فيه ليبيا تشهد تحركات دولية وإقليمية لإعادة تشكيل المؤسسات وإنهاء الانقسام بين الشرق والغرب.
ولا توجد أدلة علنية تثبت أن أبوظبي أمرت أو موّلت بصورة مباشرة عملية إزاحة عقيلة صالح، إلا أن تاريخ تدخلها في ليبيا يجعل نفوذها في أي ترتيبات تخص معسكر شرق البلاد موضع تدقيق.
فقد وثقت منظمات ومراكز بحثية دولية الدعم العسكري والمالي والسياسي الإماراتي لقوات خليفة حفتر خلال الحرب، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والأسلحة والتدريب والبنية العسكرية.
وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن الإمارات قدمت دعمًا عسكريًا لقوات حفتر، بينها طائرات مسيرة وأسلحة وذخائر، رغم حظر السلاح المفروض على ليبيا.
كما خلصت دراسات لمراكز بحثية إلى أن الدعم الإماراتي والمصري كان أساسيًا في تطوير القدرات العسكرية لقوات حفتر، بما في ذلك القوة الجوية والأسلحة والتدريب والتمويل.
وتحول هذا الدعم خلال السنوات الماضية إلى أحد أبرز مظاهر التدخل الخارجي في الأزمة الليبية، بعدما استخدمت قوات حفتر قدرات عسكرية وفرتها دول خارجية في هجومها على طرابلس.
ووثقت الأمم المتحدة في 2020 حجم التدخل الأجنبي في الصراع، بينما أشارت تقارير أممية ودولية إلى خرق أطراف خارجية لحظر السلاح المفروض على ليبيا.
وفي هذا السياق، يبدو صعود صدام حفتر سياسيًا وعسكريًا جزءًا من تحول أوسع داخل عائلة حفتر. فقد أصبح صدام نائبًا للقائد العام للقوات المسلحة التابعة لمعسكر شرق ليبيا، فيما تركزت خلال السنوات الأخيرة أدوار متزايدة في يد أبناء خليفة حفتر.
وتزداد دلالة اختيار الصالحين عبد النبي رئيسًا للبرلمان بسبب خلفيته وعلاقاته الخارجية؛ فهو يمثل طبرق، وينتمي إلى قبيلة عقيلة صالح نفسها، كما ترأس لجنة الصداقة البرلمانية الليبية التركية، وهو ما يمنحه خبرة في ملف العلاقات مع أنقرة.
وتزامن ذلك مع تحسن الاتصالات بين تركيا ومعسكر حفتر، بعدما أصبح صدام حفتر شخصية حاضرة في الاتصالات مع أنقرة. وبذلك يمكن أن يكون رئيس البرلمان الجديد جزءًا من مرحلة تسعى إلى إعادة ترتيب العلاقات بين القوى الإقليمية المؤثرة في ليبيا بدل استمرار الاصطفافات التي طبعت سنوات الحرب.
وتأتي هذه التطورات أيضًا بينما تبحث الأطراف الدولية عن صيغة لتوحيد المؤسسات الليبية وإجراء الانتخابات. وكانت لجنة “4+4” التي ترعاها الأمم المتحدة قد توصلت في أغسطس إلى اتفاق يمكن أن يمهد لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال عامين، في وقت تواصل فيه واشنطن مسارًا منفصلًا لإعادة توحيد المؤسسات.
وفي المقابل، كشفت التطورات الأخيرة هشاشة أي مشروع للوحدة إذا ظل الصراع على السلطة مرتبطًا بمراكز القوة العسكرية والعائلية.
فقد نشرت صحيفة “الغارديان” قبل أيام تقريرًا عن اتهامات بارتباط صدام حفتر بهجمات بطائرات مسيرة استهدفت منشآت للوقود والطاقة في غرب ليبيا، في تطورات أدت إلى زيادة التوتر حول مستقبل مفاوضات توحيد البلاد.
وبذلك يصبح خروج عقيلة صالح أكثر من مجرد تغيير في رئاسة البرلمان. فالرجل الذي ظل لاعبًا رئيسيًا في شرق ليبيا لأكثر من عقد غادر موقعه في لحظة تتسارع فيها إعادة توزيع النفوذ بين القوى السياسية والعسكرية.
ويثير ذلك سؤالًا أكبر حول الدور الإماراتي في ليبيا: هل انتقلت أبوظبي من دعم مشروع خليفة حفتر العسكري إلى دعم مرحلة جديدة يكون فيها نجله صدام أحد أبرز وجوهها السياسية؟
والمؤكد أن الإمارات ما زالت تحتفظ بعلاقة وثيقة مع صدام حفتر، وهو ما ظهر بوضوح في استقباله رسميًا في أبوظبي قبل أيام من إزاحة عقيلة.
كما أن المسار العام يضع ليبيا أمام معادلة شديدة الحساسية: مؤسسات مدنية تتغير قياداتها، وحكومة في طرابلس، وبرلمان في الشرق، وقوة عسكرية ما زالت تحتفظ بها عائلة حفتر. وبين هذه المكونات تتحرك قوى إقليمية، وفي مقدمتها الإمارات، التي كان لها تاريخ موثق في دعم معسكر حفتر عسكريًا وسياسيًا.
وفي النهاية، فإن الخطر الذي تحذر منه هذه التطورات لا يتعلق فقط باسم رئيس البرلمان أو أسماء أعضاء المجلس الرئاسي، بل بإمكانية أن تتحول عملية توحيد ليبيا من مشروع لإعادة بناء دولة ومؤسسات منتخبة إلى صفقة تعيد توزيع المناصب، بينما تبقى القوة الفعلية خارج المؤسسات وتستقر في يد العائلة التي تملك السلاح والنفوذ في شرق البلاد.
____________