أسامة علي

بعد إطاحة عقيلة صالح من رئاسة مجلس النواب، يدخل المجلس مرحلة جديدة تتجاوز تغيير رئيسه إلى إعادة ترتيب موازين القوة داخل المؤسسة التشريعية ومعسكر شرق ليبيا.

فقد جاء انتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً للمجلس بديلاً عن عقيلة صالح مساء الثلاثاء الماضي، بعد تحرك برلماني متسارع، ووسط تدخل واضح من “القيادة العامة” لخليفة حفتر في مسار الأزمة، ما يطرح أسئلة تتخطى قضية الرئاسة إلى ما يريده حفتر من المجلس في مرحلة سياسية تسعى فيها البعثة الأممية إلى الدفع نحو ترتيبات تقود البلاد إلى انتخابات عامة.

وجاء تغيير رئاسة المجلس بعد مخاض عسير خلال الأسابيع الأخيرة، وانتهى بإعلان هيئة الرئاسة الجديدة، التي تضم الصالحين عبد النبي رئيساً، وطارق الأشتر نائباً أول، فيما حافظ مصباح دومة، الذي ترأس جلسة تغيير رئاسة المجلس، على منصبه نائباً ثانياً للرئيس.

وخلال أكثر من 12 عاماً قضاها عقيلة صالح على رأس مجلس النواب منذ انتخابه في أغسطس/آب 2014، جرت محاولات عدة لإنهاء رئاسته، أبرزها في عامي 2019 و2020، لكنها فشلت جميعاً، بخلاف التحرك الأخير الذي أضيف إليه متغير جديد تمثل في دخول حفتر على خط الأزمة، من خلال دعمه مطالب نواب بتعديل اللائحة الداخلية وإقرار دورة برلمانية لرئاسة المجلس.

حفتر دعم تغيير عقيلة صالح

وكان عقيلة صالح قد تمكن الشهر الماضي من تعطيل هذا الحراك، بعدما منع معارضيه من عقد جلسة في غيابه لإقرار مطالبهم، ما دفع بهم للجوء إلى حفتر، الذي عقد معهم اجتماعاً الخميس الماضي، وأبدى دعمه لتغيير رئاسة المجلس.

وعلى إثر هذا الدعم تمكنوا من عقد جلسة في مقر المجلس، مساء الاثنين الماضي، والتصويت على تعديل اللائحة الداخلية. وحاول عقيلة صالح إفشال الخطوة بإصدار قرار اعتبر فيه أن ما صدر عن الجلسة “لا يترتب عليه أثر قانوني”، باعتبار أنها عقدت دون دعوة رئاسة المجلس وحضورها، لكن النواب مضوا في تحركهم وعقدوا جلسة أخرى مساء الثلاثاء الماضي، تمكنوا خلالها من انتخاب هيئة رئاسة جديدة.

ولم يخف حفتر دعمه التحرك، إذ نشر الناطق باسم مجلس النواب عبد الله بليحق صورة تجمعه بمصباح دومة، الذي ترأس جلسة التغيير، قبيل انعقادها. وعقب إعلان الرئاسة الجديدة، رحب حفتر بالتغيير، معتبراً أنه “خطوة تفتح الطريق أمام مرحلة أكثر استقراراً”، بحسب بيان نشره مكتبه الإعلامي.

واللافت أن هذا التغيير تزامن مع تصدر اتفاق 4+4 المشهد داخل مجلس النواب، وسط محاولات من جانب عقيلة صالح لعرقلته. فمنذ تشكل لجنة 4+4 حافظ عقيلة صالح على موقف ضمني بالرفض، كما أنه لم يبد موقفاً عند توقيع الاتفاق في 30 أغسطس/آب الماضي.

وتماهياً مع الضغوط أعلن عقيلة صالح، في 14 سبتمبر/أيلول الماضي، إقرار الاتفاق، لكنه عاد وأصدر قوانين أجرى بموجبها تعديلات على بنوده، بالتزامن مع مماطلته في عقد جلسة لمنحه صبغة دستورية بتضمينه في الإعلان الدستوري.

تغير العلاقة بين صالح وخليفة حفتر

وبالعودة إلى السنوات التي جمعت عقيلة صالح بخليفة حفتر، يتكشف حجم التغير الكبير الأخير في العلاقة بينهما. فمنذ توليه رئاسة مجلس النواب عام 2014، ارتبط مسار الرجلين بسلسلة من المواقف والقرارات التي عززت تحالفهما، إذ أصدر عقيلة صالح، في مارس/آذار 2015، قراراً بترقية حفتر إلى رتبة مشير واستحداث منصب القائد العام للجيش له، في خطوة منحته غطاء سياسياً وتشريعياً.

كما حافظ عقيلة صالح على موقف داعم لحفتر في مواجهة حكومة “الوفاق” خلال هجومه العسكري على طرابلس عامي 2019 و2020، ثم أصدر، عند اختلاف حفتر مع حكومة الوحدة الوطنية، قراراً بسحب الثقة منها وتشكيل حكومة موازية في بنغازي.

وامتدت قرارات المجلس إلى عائلة حفتر، من إنشاء صندوق الإعمار والتنمية وتولية بلقاسم رئاسته، إلى تعيين خالد حفتر رئيساً للأركان العامة، واستحداث منصب نائب القائد العام وتعيين صدام فيه.

وعلى الرغم من الفتور الذي شاب العلاقة في بعض الفترات، بدا التحالف راسخاً بين الرجلين، لكن عقيلة صالح انخرط، في الآونة الأخيرة، في صراع النفوذ داخل عائلة حفتر نفسها.

فمع محاولاته عرقلة تدخل صدام في قرارات مجلس النواب، مال إلى مواقف خالد وبلقاسم المنافسين لصدام، خصوصاً أنهما دعما توجهه نحو عرقلة اتفاق 4+4 الذي يريان فيه أنه يفتح أمام شقيقهما طريقاً إلى موقع متقدم في السلطة المقبلة، والهيمنة على سلطة والدهم.

مصادر برلمانية: تلقى مصباح دومة دعماً من حفتر، خلال لقائه به قبل جلسة التغيير، لتولي الصالحين رئاسة المجلس

وكشفت معلومات أدلت بها مصادر برلمانية، لـ”العربي الجديد”، عن تفاصيل الساعات التي سبقت الإطاحة بصالح، إذ أكدت أن مصباح دومة تلقى من حفتر، خلال لقائه به قبل جلسة التغيير، دعماً للصالحين لتولي رئاسة المجلس، وأن مقربين من دومة نقلوا توصية حفتر للنواب بدعم الصالحين.

ومن منطلق موقف حفتر من تغيير رئاسة المجلس، رأى أستاذ العلوم السياسية حسن عبد المولى أن الأمر يتجاوز الإشكالات القانونية المتعلقة بدستورية جلسة التغيير، وخلاف عقيلة صالح مع النواب بشأن تضمين اتفاق 4+4 في الإعلان الدستوري، إلى أهداف سياسية مرتبطة بحفتر ومساعيه لتوسيع نفوذه في المرحلة المقبلة.

دلالات اختيار الصالحين لرئاسة مجلس النواب

وأوضح عبد المولى، لـ”العربي الجديد”، أن اختيار الصالحين “تحديداً يحمل دلالات تتصل بالتوازن القبلي في شرق ليبيا، لأنه ينتمي إلى بيت عقيلة صالح نفسه داخل قبيلة العبيدات، ذات الحضور الاجتماعي الواسع من شرق بنغازي إلى الحدود المصرية”، معتبراً أن هذا ما يفسر صمت صالح وقبوله بانتقال الرئاسة إلى شخصية من القبيلة نفسها، فالاعتبارات القبلية تبقى حاضرة في إدارة التوازنات السياسية بشرق البلاد.

وأضاف عبد المولى أن خلفية الصالحين السياسية تحمل العديد من المؤشرات التي كانت وراء دعم توليه الرئاسة، من بينها أنه “رئيس لجنة الصداقة البرلمانية الليبية التركية التي كانت وراء الدفع بمذكرة التفاهم البحرية بين ليبيا وتركيا أمام مجلس النواب للمصادقة عليها، في وقت كان عقيلة صالح طيلة السنوات الماضية يماطل في ذلك“.

وأشار إلى أن هذا الملف يحظى بأهمية لدى حفتر، في ظل مساعيه إلى تطوير علاقته مع أنقرة، وأن وجود شخصية الصالحين تسهل المصادقة عليه.

حسن عبد المولى: الهدف الأبرز من تغيير رئاسة مجلس النواب يرتبط باتفاق 4+4

وغير ذلك، رأى عبد المولى أن الهدف الأبرز من تغيير رئاسة المجلس يرتبط باتفاق 4+4، إذ إن انتخاب الصالحين يسهل تمرير الاتفاق وإدخاله في الإعلان الدستوري، فـ”يصبح الاتفاق واقعاً مفروضاً في مواجهة تعطيل تنفيذه، خصوصاً من جانب حكومة الوحدة الوطنية التي يبدو أنها تتحفظ على بعض بنود الاتفاق“.

لكن عبد المولى أشار إلى أن الصالحين “قد لا يحقق كل ما يصبو إليه حفتر، فهو لا يملك الوزن الاجتماعي والسياسي الذي كان يملكه عقيلة صالح طوال أكثر من عقد، فقوة صالح تجاوزت موقعه في رئاسة المجلس إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات السياسية في الداخل والخارج، والصالحين سيحتاج وقتاً طويلاً لبناء مثل هذه الشبكات والعلاقات داخل المجلس ومع القوى السياسية المناوئة لحفتر“.

ومن هذه الزاوية، رأى عبد المولى أن إزاحة صالح “لا تعني حسم اتجاه مجلس النواب” لصالح حفتر، معتبراً أنه ما زال بإمكان صالح التأثير من خلال النواب القريبين منه.

وبدأت بوادر تداعيات إزاحة عقيلة صالح، إذ أعلن عدد من مواليه رفضهم انتخاب رئاسة جديدة للمجلس النواب، وعللوا موقفهم بأن ما جرى “فرض للأمر الواقع”. وأعلنوا، في بيان، “عن عقد جلسة برلمانية في العاصمة طرابلس خلال الأسبوع المقبل”، سيجري الإعلان عن موعدها ومكانها في وقت لاحق.

واعتبر عبد المولى أن خطوة النواب الموالين لصالح واتجاههم إلى طرابلس “تفتح الباب أمام إمكانية بناء تحالف بين عقيلة صالح وأنصاره وبين أطراف في طرابلس”.

وربط قراءته هذه بالخلاف داخل عائلة حفتر من جانب آخر، مشيراً إلى “الاتصالات التي يجريها خالد حفتر مع المؤسسة العسكرية في طرابلس منذ أشهر مقابل المسار الذي يتحرك فيه صدام من خلال اتفاق 4+4 للتقارب مع الحكومة في طرابلس.

ويحاول خالد أن يكون موجوداً في سياق مواز، ولذا قد يدعم بناء اتصالات بين عقيلة صالح وطرابلس“.

لكن السؤال الأبرز، وفق عبد المولى، يتمثل فيما بعد تمكن حفتر من دسترة اتفاق 4+4، موضحاً أن “حفتر يحتاج بعدها إلى التفاوض مع الحكومة في طرابلس حول شكل السلطة التي ستدير المرحلة الانتقالية، فهل يستطيع الصالحين القيام بذلك كما كان يفعل صالح الذي يملك علاقات وقنوات اتصال راكمها خلال سنوات؟“.

وبرأي عبد المولى فإن “أخطر ما يلي مرحلة صالح، هو مخاوف تفجر الخلافات داخل عائلة حفتر إذا تمكن صدام بالفعل من تمرير كل مصالحه من خلال مجلس النواب، وتثبيت نفسه وريثاً لوالده“.

___________

مواد ذات علاقة