صلاح الهوني

الانتخابات لا تصبح وطنية لمجرد أن الأمم المتحدة ترعاها أو أن الولايات المتحدة تدعمها أو أن تركيا تسهل التفاهمات حولها.

لم تعد الانتخابات الليبية مجرد موعد مؤجل ينتظره الليبيون، بل أصبحت عنواناً نثار حوله مشاريع دولية متعددة.

  • واشنطن تدفع باتجاه توحيد المؤسسات وفتح الطريق أمام انتخابات وطنية،
  • وأنقرة تحاول الانتقال من موقع الحليف الأقرب إلى غرب ليبيا إلى موقع قادر على التواصل مع الشرق والغرب معاً،
  • والأمم المتحدة تعمل على تثبيت إطار انتخابي ومؤسساتي يفضي، وفق المسار الذي جرى الاتفاق عليه أخيراً، إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً.

وفي الخلفية تقف قوى إقليمية ودولية أخرى، لكل منها مصالحها وحساباتها. وهنا يبدأ السؤال الأصعب: هل يساعد هذا الحراك المتعدد ليبيا على استعادة قرارها السياسي، أم أن الانتخابات نفسها بدأت تتحول إلى ساحة مساومة دولية على شكل السلطة المقبلة ومواقع القوى داخلها؟

ثمة فرق جوهري بين أن تساعد القوى الدولية الليبيين على الوصول إلى الانتخابات، وبين أن تصبح هي التي تحدد شروط الطريق إليها. الأول يمكن أن يكون دعماً لمسار وطني، أما الثاني فيحمل خطر تحويل الانتخابات من آلية لاستعادة الشرعية إلى نتيجة لتسوية بين مراكز القوة المحلية والدولية.

وهذه المسافة الدقيقة هي التي تجعل التطورات الأخيرة جديرة بالقراءة بعيداً عن الاحتفاء السريع بكل إعلان عن “تقدم” أو التعامل معه باعتباره مؤامرة مكتملة الأركان.

الولايات المتحدة تبدو اليوم أكثر انخراطاً من السابق. مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس تحدث خلال الأيام الأخيرة عن دفع العملية السياسية وتوحيد مؤسسات الدولة، وأكد بعد لقائه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن واشنطن وأنقرة تدعمان مساراً “يقوده الليبيون” نحو حكومة موحدة وانتخابات وطنية. كما شارك الطرفان أخيراً في تحركات دبلوماسية مع بعثة الأمم المتحدة وعدد من الدول المعنية بالملف الليبي.

ولا تبدو هذه الحركة منفصلة عن مسار بدأ منذ أشهر. فقد تحدث بولس في يونيو عن مبادرة أميركية تهدف إلى إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات، وأشار إلى خطوات قال إنها تحققت بالفعل، من بينها اعتماد أول ميزانية وطنية موحدة منذ أكثر من ثلاثة عشر عاماً، وتعاون عسكري بين الشرق والغرب، وإنشاء غرفة عمليات أمنية مشتركة. كما أكد أن المبادرة الأميركية، وفق التصور الذي تقدمه واشنطن، ليست بديلاً عن المسار الأممي وإنما مكملة له.

لكن مجرد وجود خطوات عملية لا يحسم السؤال السياسي. فالميزانية الموحدة مهمة، والتنسيق الأمني مهم، وتقريب المؤسسات الاقتصادية مهم، لكن كل ذلك لا يساوي بالضرورة بناء دولة موحدة.

الدولة ليست فقط مؤسسات تتفق على الإنفاق أو أجهزة أمنية تتعاون في بعض الملفات، وإنما منظومة شرعية تحدد من يحكم، وبأي تفويض، وتحت أي قواعد، وكيف تنتقل السلطة عندما تنتهي ولاية من يتولاها.

وهنا تصبح الانتخابات هي الاختبار الحقيقي.

الأمم المتحدة خطت في أغسطس خطوة مهمة عندما رعت اتفاق “الملتقى المصغر” الذي تناول إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات ومعالجة القضايا العالقة في الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

الاتفاق ينص على إجراء الانتخابات تحت سلطة تنفيذية موحدة، والعمل على إنجازها خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً. وقد رحب مجلس الأمن بهذه الخطوة ودعا إلى تنفيذها، مؤكداً في الوقت نفسه مركزية الدور الأممي وضرورة أن تكون العملية “ليبية القيادة والملكية”.

وهذه العبارة الأخيرة جوهر المشكلة كلها.

فالانتخابات لا تصبح وطنية لمجرد أن الأمم المتحدة ترعاها أو أن الولايات المتحدة تدعمها أو أن تركيا تسهل التفاهمات حولها. تصبح وطنية عندما تكون قواعدها نابعة من توافق ليبي واسع، وعندما تقبل القوى المتنافسة مسبقاً بنتائجها، وعندما تكون المؤسسات التي تديرها مستقلة بما يكفي، وعندما تكون السلطة التي ستنفذ نتائجها قادرة على ممارسة اختصاصاتها في كامل البلاد.

أما إذا كان الاتفاق على الانتخابات يتطلب أولاً الاتفاق على شكل السلطة التنفيذية، وإذا كان توحيد السلطة التنفيذية نفسه يحتاج إلى صفقة بين مراكز القوة، فإن العملية تصبح أمام معضلة دائرية: لا انتخابات من دون توحيد السلطة، ولا توحيد للسلطة من دون تفاهم سياسي على من يحتل مواقعها، ومن ثم قد يتحول الطريق إلى الانتخابات إلى مفاوضات طويلة حول السلطة التي ستشرف عليها.

وهنا تظهر إحدى نقاط الضعف الأساسية في الاتفاق الأخير. فقد لاحظت تحليلات أن الاتفاق يحدد هدف الانتخابات خلال 24 شهراً، لكنه لا يقدم آلية واضحة لحل المعضلة الأصعب: كيف تتشكل السلطة التنفيذية الموحدة التي يفترض أن تجرى الانتخابات تحت إشرافها؟ كما بقيت ملفات أخرى، بينها الانقسام القضائي، عرضة للتعقيدات القانونية والسياسية.

وهذا تحديداً هو المكان الذي تدخل منه المبادرة الأميركية بقوة.

إذا استطاعت واشنطن أن تجمع الشرق والغرب حول صيغة انتقالية مقبولة، وأن تدفع باتجاه توحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية، فإنها ستكون قد انتقلت من دور المراقب أو الوسيط إلى دور أكثر تأثيراً في هندسة البيئة السياسية التي ستجري فيها الانتخابات.

وقد يكون هذا ضرورياً عملياً في بلد عجزت فيه الأطراف المحلية لسنوات عن إنتاج تسوية مستقرة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح السؤال: من يحدد شكل التسوية؟

فالولايات المتحدة ليست طرفاً محايداً بالمعنى الكامل. لها مصالح أمنية وإستراتيجية في ليبيا، من مكافحة الإرهاب والهجرة وأمن المتوسط إلى الطاقة والنفوذ الإقليمي. وتركيا ليست مجرد وسيط أيضاً؛ لها مصالح سياسية وأمنية واقتصادية وعسكرية راسخة في ليبيا.

ومصر والإمارات وإيطاليا وفرنسا وروسيا وغيرها تنظر إلى البلد من زوايا مختلفة. وحتى الأمم المتحدة، رغم اختلاف طبيعة دورها، تعمل في بيئة تتنافس فيها هذه المصالح.

لذلك فإن تعدد الوسطاء قد يكون فرصة وقد يكون مشكلة في الوقت نفسه. فرصة إذا أدى إلى الضغط على الأطراف الليبية لتقديم تنازلات لا تستطيع تقديمها منفردة، ومشكلة إذا تحول إلى تعدد مسارات يتنافس كل منها على تشكيل النتيجة النهائية.

وهذا هو الجديد في الدور التركي تحديداً. فأنقرة التي ارتبط حضورها خلال السنوات الماضية أساساً بمعسكر غرب ليبيا، بدأت تتعامل مع الشرق بصورة أكثر انفتاحاً.

زيارة فيدان لطرابلس وبنغازي ولقاؤه شخصيات من المعسكرين عكسا محاولة تركية للانتقال من سياسة الارتباط بمعسكر واحد إلى سياسة الاحتفاظ بعلاقات مع جميع الأطراف. وقد تزامن ذلك مع تقارب تركي أميركي متزايد حول فكرة توحيد المؤسسات.

هذه ليست بالضرورة علامة على صفقة تركية أميركية حول ليبيا، ولا توجد حاجة إلى القفز إلى هذا الاستنتاج. لكنها تعكس شيئاً أكثر وضوحاً: أن القوى الخارجية بدأت تتعامل مع الانقسام الليبي باعتباره مشكلة يجب إدارتها على مستوى البلد كله، وليس باعتباره صراعاً بين شرق وغرب يمكن لأحدهما أن ينتصر فيه على الآخر.

وهذا التحول قد يكون مهماً. فقد أثبتت السنوات الماضية أن لا الشرق قادر على ابتلاع الغرب، ولا الغرب قادر على إلغاء الشرق. وكل محاولة لبناء الدولة على أساس انتصار طرف واحد انتهت إلى إعادة إنتاج الصراع بصورة مختلفة. لذلك فإن توحيد المؤسسات قد يكون أكثر واقعية من محاولة فرض مركز سياسي واحد قبل الانتخابات.

لكن توحيد المؤسسات شيء، وتقاسم النفوذ شيء آخر.

الخطر الذي يجب أن ينتبه إليه الليبيون هو أن تتحول عبارة “توحيد المؤسسات” إلى عنوان لتوزيع المواقع بين القوى المتنافسة، بدلاً من أن تكون خطوة لبناء مؤسسات مستقلة عن الأشخاص.

فالدولة الموحدة ليست دولة يحصل فيها كل طرف على نصيبه من المناصب، وإنما دولة يصبح فيها المنصب تابعاً للمؤسسة وليس العكس.

وهنا تحديداً تكمن حساسية أي صفقة سياسية مقبلة. إذا كان الهدف هو إخراج ليبيا من المرحلة الانتقالية، فإن المطلوب ليس مجرد إنتاج حكومة جديدة، وإنما وضع نهاية منطقية لمنطق الحكومات المؤقتة التي تمدد نفسها بحجة انتظار الظروف المناسبة.

ليبيا عاشت منذ 2011 سلسلة طويلة من المراحل الانتقالية، وكل مرحلة كانت تقدم نفسها باعتبارها جسراً قصيراً نحو الدولة، ثم يتحول الجسر إلى إقامة سياسية طويلة.

ولذلك فإن السؤال عن المبادرة الأميركية ليس فقط: هل تستطيع توحيد الشرق والغرب؟ بل: هل تستطيع منع التوحيد نفسه من أن يصبح مرحلة انتقالية جديدة بلا نهاية؟

هذه النقطة مهمة لأن بعض الانتقادات الليبية للمبادرة الأميركية تنطلق من الخوف من أن تتحول الترتيبات الدولية إلى إعادة توزيع للسلطة بين شخصيات ومراكز نفوذ بدلاً من الذهاب مباشرة إلى انتخابات ذات قواعد واضحة.

وقد عبّرت جهات في غرب ليبيا عن رفضها لما اعتبرته ترتيبات لتقاسم السلطة، وطالبت بحكومة موحدة مهمتها الأساسية التحضير للانتخابات

وفي المقابل، ترى واشنطن أن توحيد المؤسسات شرط لتوفير البيئة اللازمة للانتخابات، وتقول إن التفاصيل النهائية للترتيبات السياسية يجب أن يقررها الليبيون أنفسهم. وهذه نقطة لا يمكن تجاهلها عند تقييم المبادرة: ما تعلنه واشنطن رسمياً هو أنها لا تريد فرض صيغة للحكم، بل تسهيل اتفاق ليبي عليها. 

لكن السياسة لا تُقاس فقط بالنوايا المعلنة، وإنما أيضاً بالبنية التي تنتجها التسويات. فإذا خرجت ليبيا من هذا المسار بسلطة تنفيذية موحدة، ومؤسسات مالية وأمنية أكثر تكاملاً، ومفوضية انتخابات قادرة على العمل، وقواعد انتخابية مقبولة، وجدول زمني ملزم، فإن التدخل الدولي يكون قد ساعد على بناء شروط الدولة.

أما إذا خرجت بترتيب جديد للمناصب يمدد المرحلة الانتقالية ويؤجل الانتخابات مرة أخرى، فستكون النتيجة مختلفة مهما كانت لغة البيانات إيجابية.

قد تكون المبادرة الأميركية قد قطعت بالفعل مسافة أكبر من كثير من المبادرات السابقة، خصوصاً مع تزامنها مع تقدم أممي في الإطار الانتخابي، وتواصل أميركي تركي، وخطوات نحو توحيد بعض المؤسسات. لكن المسافة بين التفاهم على الانتخابات وإجراء انتخابات حقيقية لا تزال واسعة.

والفارق بين المسارين سيتحدد في لحظة واحدة: عندما يصبح على القوى التي استفادت من الانقسام أن تقبل بنتيجة قد تنهي امتيازاتها.

عندها فقط يمكن القول إن المبادرة الأميركية أصبحت مساراً سياسياً حقيقياً.

_______________

مواد ذات علاقة