كان ديفيشي أوغلو

تُشكّل اتفاقية التعاون الموقعة بين المؤسسة الوطنية للنفط الليبية وشركة البترول التركية ، والتي تشمل الاستكشاف الجيولوجي في أربعة حقول بحرية، نقطة التقاء بين الانتعاش الاقتصادي الليبي بعد الحرب ورؤية تركيا في مجال الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​وأفريقيا.

تحمل هذه الاتفاقية معانٍ متعددة الأبعاد، مثل أمن الطاقة، ومجال النفوذ الجيوسياسي، والتكامل الاقتصادي، أكثر من كونها عملية اكتشاف تقني.

في عملية إعادة هيكلة موارد الطاقة في بلد مثل ليبيا، الذي يمر بمرحلة انتقال سياسي، تُعدّ الشراكات الأجنبية بالغة الأهمية من حيث زيادة الطاقة الإنتاجية واستعادة الثقة الدولية.

كما ينبغي اعتبار مشاركة تركيا في هذه العملية انعكاسًا للتعاون العسكري والدبلوماسي والاقتصادي السابق في قطاع الطاقة.

فوائد الاتفاقية لليبيا وتركيا

لا يُعدّ هدف الإنتاج اليومي المعلن لليبيا، والبالغ مليوني برميل بحلول عام 2024، هدفًا تقنيًا لزيادة الطاقة الإنتاجية لقطاع الطاقة في هذا البلد فحسب، بل يُمثّل أيضًا الأساس الاقتصادي لرؤيتها الوطنية لإعادة الإعمار.

يبلغ مستوى الإنتاج اليومي حاليًا حوالي 1.2 مليون برميل، وهو أقل بكثير مما كان عليه في فترة ما قبل الحرب.

ولا يقتصر سد هذه الفجوة والوصول إلى المستوى المستهدف على إعادة تأهيل المواقع الحالية فحسب، بل يرتبط اكتشاف احتياطيات جديدة ارتباطًا مباشرًا بالدراسات الجيولوجية التي ستُجرى، لا سيما في المناطق البحرية.

وتبرز إمكانات الهيدروكربون قبالة سواحل ليبيا، والتي لم تُستغل بالكامل بعد، كعنصر استدامة في استراتيجية الطاقة في هذا البلد. وتُعد الاتفاقية الموقعة مع شركة النفط التركية نموذجًا للشراكة الفنية القادرة على تلبية هذه الحاجة.

من وجهة نظر تركيا، لهذه الاتفاقية نظيراتها على مستويات مختلفة. أولًا، في استراتيجية تركيا لأمن إمدادات الطاقة، يبرز تنويع الموارد وتقليل الاعتماد على الواردات كهدف رئيسي.

وفي هذا السياق، توسعت اكتشافات شركة النفط التركية للغاز الطبيعي في البحر الأسود من خلال عملية الانفتاح الخارجي التي بدأت بأنشطة الاستكشاف في الصومال.

وتُعد الاتفاقية الموقعة مع ليبيا خطوة تُكمل هذا التوسع جغرافيًا وجيوسياسيًا.

لقد اكتسب هدف تركيا المتمثل في ترسيخ مكانتها في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​في إطار اتفاقية مناطق الاختصاص البحري الموقعة مع ليبيا عام 2019 أرضية أكثر واقعية مع أنشطة الطاقة التي يتم تنفيذها في هذا المجال.

في هذا السياق، ينبغي قراءة الأبحاث الزلزالية وأنشطة الحفر المحتملة التي ستنفذها شركة في المياه الليبية كخطوة لا توفر عمقًا اقتصاديًا فحسب، بل أيضًا عمقًا استراتيجيًا.

يتمتع تعاون والمؤسسة الوطنية للنفط بمكانة مهمة ليس فقط في سياق العلاقات الثنائية ولكن أيضًا في إطار رؤية تركيا للطاقة الأفريقية.

وقد أدى الطلب المتزايد على الطاقة في أفريقيا إلى إعادة تشكيل الاهتمام العالمي بموارد الغاز الطبيعي والنفط في القارة.

إن التعاون التقني الذي سيعزز مكانة تركيا في هذا المجال، حيث تتنافس جهات فاعلة مثل الصين وفرنسا والولايات المتحدة وروسيا، يقدم مساهمات استراتيجية من حيث أمن الطاقة وتنويع السياسة الخارجية.

وتعزز هذه الشراكة القائمة على الطاقة مع ليبيا ركيزة الطاقة في استراتيجية المشاركة المتعددة الأوجه لتركيا في المنطقة، وفي الوقت نفسه تضيف عمقًا اقتصاديًا إلى المعادلة الجيوسياسية في البحر الأبيض المتوسط.

الأهمية الاستراتيجية للاتفاقية بالنسبة لليبيا والتحديات التي تواجهها

يُعد توليد الطاقة البحرية عملية أكثر تكلفة وتعقيدًا من الناحية الفنية مقارنةً بتوليد الطاقة البرية. ونظرًا للصراعات الداخلية طويلة الأمد وأوجه القصور في ليبيا، فإن الاستثمارات عالية التكلفة ضرورية لاستدامة تقدم الأنشطة في هذا المجال.

وتشير التقديرات إلى أن تكلفة كل عملية حفر في أعماق البحار تتراوح بين 60 و120 مليون دولار تقريبًا، وفي حال بدء الإنتاج، يمكن أن تصل التكلفة الإجمالية للاستثمار، بما في ذلك تركيب المنصات وخطوط النقل ومرافق المعالجة، إلى ما بين 3 و5 مليارات دولار.

ولا تستطيع ليبيا وحدها تلبية هذا المستوى من التمويل. ولذلك، فإن إقامة شراكة مع جهة فاعلة مثل شركة النفط التركية، التي تتمتع بقدرات فنية قوية ودعم شعبي وتخطيط طويل الأجل، تُمثل ميزة حاسمة لليبيا. كما أن هذه الشراكات تُمثل إشارة إيجابية للمستثمرين الأجانب وتُسهل اندماج الحقول في الأسواق العالمية.

من الواضح أن الاتفاقية لن تُحقق مباشرةً هدف إنتاج ليبيا البالغ مليوني برميل؛ لأن الاتفاقية حاليًا في مرحلة الاستكشاف والبحث، وليس الإنتاج. ومع ذلك، تُعدّ هذه المرحلة الحلقة الأولى، وربما الأهم، في سلسلة زيادة الإنتاج.

لن تكشف المسوحات الجيولوجية عن وجود احتياطيات جديدة فحسب، بل ستُثبت أيضًا الجدوى الاقتصادية لهذه الحقول. ولن يعني هذا زيادةً في القدرة التقنية للمؤسسة الوطنية للنفط الليبية فحسب، بل سيدعم ليبيا أيضًا في استعادة صورتها كدولة منتجة موثوقة في أسواق النفط والغاز.

لذلك، ينبغي اعتبار هذا التعاون الفني استثمارات هيكلية تدعم بشكل مباشر هدف ليبيا المتمثل في زيادة إنتاج الطاقة.

من ناحية أخرى، ثمة صعوبات في تحقيق نجاح طويل الأمد لهذا التعاون دون مراعاة المشكلات الهيكلية الرئيسية التي يواجهها قطاع الطاقة الليبي.

وفي هذا السياق، لا يزال الاستقطاب السياسي أحد أهم العقبات. ورغم أن التوتر بين حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا، ومقرها طرابلس، ومجلس النواب في بنغازي في الشرق، حول تقاسم عائدات الطاقة والسيطرة على حقول النفط، يُهدد استدامة العمل الميداني.

إلا أنه يُمكن القول إن العلاقات التي طورتها تركيا مع جميع الأطراف في إطار سياسة ليبيا واحدةهي العامل الحاسم الرئيسي في التغلب على هذه الصعوبات.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الافتقار إلى البنية التحتية للطاقة، ومصافي النفط القديمة، وشبكة الكهرباء غير المنظمة، والمخاطر الأمنية، كلها عوامل تقوض بشكل خطير قدرة ليبيا على جذب الاستثمارات.

إن تدخل الميليشيات في منشآت الطاقة أو استخدام مناطق الإنتاج كأداة ضغط سياسي يدفع المستثمرين الأجانب إلى الابتعاد عن مشاريع ليبيا.

في هذا السياق، بالإضافة إلى الدعم الفني، ينبغي على تركيا أيضًا أن تُسهم بشكل أكبر في بناء القدرات المؤسسية الليبية، وإصلاح قطاع الأمن، وتحديث البنية التحتية للطاقة.

ونتيجةً لذلك، تُعدّ اتفاقية التعاون الموقعة بين شركة النفط التركية ( والمؤسسة الوطنية للنفط أداةً مهمةً ستُسهم في إعادة بناء القدرات الاقتصادية والتقنية لليبيا.

لن تقتصر هذه الاتفاقية على إنتاج مسوحات زلزالية وبيانات حفر فحسب، بل ستعمل أيضًا على إعادة رسم خريطة موارد الطاقة الليبية، وتحسين مناخ الاستثمار الدولي، وزيادة النفوذ الإقليمي لتركيا من خلال دبلوماسية الطاقة.

ومع ذلك، فإن نجاح هذه العملية لا يقتصر على الجانب الفني فحسب؛ بل يتطلب في الوقت نفسه اتباع نهج شامل في الأبعاد السياسية والقانونية والمؤسسية.

وإلا، فقد تواجه المكاسب الاستراتيجية المتوقعة من البحر صعوبات، مثل نقاط الضعف الهيكلية على الساحل. ولهذا السبب، من المصلحة المشتركة لكلا البلدين الحفاظ على التعاون التركي الليبي في مجال الطاقة برؤية استراتيجية طويلة الأمد ومتعددة الأبعاد.

_____________________

مواد ذات علاقة