طارق المجريسي

كانت الحرب الأهلية في ليبيا صراعًا جيواستراتيجيًا تنافسيًا على نحو متزايد. التسوية التي توسطت فيها الأمم المتحدة بدعم من دول عدم الانحياز كانت هي الوسيلة الوحيدة القابلة للتطبيق لخفض للتصعيد على نحو مستقر لتمكين ليبيا من استعادة سيادتها.
أبرز العناوين
-
تم تصعيد النزاع الليبي إلى منافسة جيواستراتيجية خطيرة متزايدة على النفوذ، وتأليب الإمارات ومصر وروسيا ضد قطر ومعظم أوروبا وتركيا في بلد غني بالبترول يقع على مقربة من مناطق شمال أفريقيا وجنوب أوروبا والساحل والشرق الأوسط.
-
يفتقر الجنرال خليفة حفتر إلى شعبية محلية قوية وبدلاً من ذلك يعمل إلى حد بعيد بمثابة وكيل لمصالح فاعلين خارجيين. علاوة على ذلك، عمل باستمرار كعائق للتهدئة والاستقرار. وتبعًا لذلك، أنه يفتقد المكانة التي تؤهله لكي يعامَل كند سياسي للحكومة التي تساندها الأمم المتحدة.
-
التسوية التي توسطت فيها الأمم المتحدة بدعم من دول عدم الانحياز هي الوسيلة الوحيدة القابلة للتطبيق لتحقيق تهدئة مستقرة لتمكين ليبيا من استعادة سيادتها.
لقد أودى الصراع في ليبيا بحياة عشرات الآلاف، وأدى إلى الاضطراب في جميع أنحاء شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، وأصبح نقطة محورية متزايدة للمنافسة الجيواستراتيجية.
في أبريل 2019، اشتدت الحرب الأهلية في ليبيا لا سيما في غرب البلاد، حيث حاصر الجيش الوطني الليبي، التابع للجنرال خليفة حفتر، طرابلس في محاولة للإطاحة بحكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة.
تقدر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وجود حوالي 231 ألف مدني في مناطق المواجهة الأمامية المباشرة، مع وجود 380 ألف يعيشون في المناطق المتضررة مباشرة من النزاع. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 370 ألف شخص ما زالوا نازحين داخليًا بسبب العنف وقتل مئات المدنيين منذ هجوم حفتر في أبريل 2019.
ووفقًا لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، فقد نفذ الجيش الوطني الليبي والقوات التابعة له ما لا يقل عن 850 غارة جوية دقيقة بطائرات مسيّرة و175 أخرى من القاذفات المقاتلة بين أبريل 2019 ويناير 2020، من هذه الغارات، تحدثت التقارير عن أن الطائرات الحربية المصرية والإماراتية شنت حوالي 65 غارة دقيقة. في غضون ذلك، شنت حكومة الوفاق الوطني والقوات التابعة لها ما يقرب من 250 غارة جوية.
تسبب التأثير الاقتصادي للصراع إلى جانب جائحة كوفيد–١٩ في تقلص الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بأكثر من 12 بالمائة في عام 2020. وقد أدى حصار الجيش الوطني الليبي لمحطات النفط في يناير 2020 إلى توسيع عمق الأزمة الاقتصادية. انخفض إنتاج النفط إلى حوالي 120 ألف رميل يوميًا من 1.14مليون برميل في ديسمبر 2019. وقد أدى ذلك إلى خسائر مالية تبلغ حوالي 2 مليار دولار شهريًا للمؤسسة الحكومية.
بينما كانت الإمارات العربية المتحدة وقطر ومصر تدعم الأطراف المتنافسة للصراع الليبي منذ مراحله المبكرة، تصاعدت المخاطر الجيواستراتيجية في سبتمبر 2019 مع نشر المرتزقة الروس لدعم قوات حفتر. وقد عجّل هذا بتدخل القوات البرية التركية لدعم حكومة الوفاق الوطني.
بالإضافة إلى ذلك، قامت الجهات الفاعلة الخارجية بنشر المرتزقة السوريين والتشاديين والسودانيين والطائرات بدون طيار وأنظمة الدفاع أرض–جو وغيرها من الأصول ذات التقنية العالية في محاولة لتغيير التوازن لصالح وكلائهم.
يمثل تراجع ليبيا بعد الثورة نحو التجزئة وانهيار الدولة سبباً متزايداً للقلق. مع اندماج الجهات الخارجية حول الفصيلين الليبيين الرئيسيين، أصبح الصراع دوليًا على نحو متزايد.
وقد ضاعف ذلك من تعقيده، بإضافة محفّزات مختلفة كثيرًا عن تلك التي بدأ به الصراع. يشكل تدويل النزاع كابوسًا جغرافيًا استراتيجيًا لجهود الأمم المتحدة نحو تحقيق الاستقرار وضاعف من مخاطر الحرب الأهلية في ليبيا، مما يشكل تهديدًا أكبر للأمن الدولي.
رسم خطوط المعركة
بدأ تدويل المرحلة الانتقالية في ليبيا بما كان بحد ذاته ثورة دولية للغاية. إذ حظيت تدخلات منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) 2011، التي جرت إلى حد كبير من السماء، بمعظم الاهتمام خلال لحظة ليبيا دخول في معمعة الربيع العربي.
ومع ذلك، كان من غير المعترف به التدخلات المتنافسة من قبل قطر والإمارات العربية المتحدة لتجهيز وتدريب ومساعدة الميليشيات الثورية الليبية على الأرض، مما مهد الساحة للمنافسة التي ستحدد آثار ليبيا الثورية.
حشدت دولتا الخليج مساعدتهما من خلال وكلاء أقامتا معهم علاقات سابقة والذين جاؤوا لتمثيل مصالحهما المتشعبة. كان من بين الذين انضموا إلى معسكر قطر فاعلين ليبيين كانوا يعارضون معمر القذافي أيديولوجياً باعتباره طاغية، وأولئك الذين كانوا في كثير من الأحيان قد تم سجنهم أو اضطهادهم، والذين حددوا معارضتهم في الأيديولوجية السياسية الإسلامية.
حافظت الإمارات على روابط مع طبقة تكنوقراطية عملت غالبًا مع نجل القذافي في محاولة إصلاح فاشلة ومع أجيال من المعارضة الأكبر سنًّا.
خلال الحرب الثورية، غالبًا ما تم تحديد هذين المعسكرين المتميزين من خلال اتصالات شخصية مع زعيم ميليشيا معين، أو وسيط من الجيل الأكبر سنًا، أو روابط بمنطقة جغرافية.
مع تقدم الحرب، أدت عملياتهم العسكرية، ومعاملاتهم الدبلوماسية، ومكائد وكلائهم السياسيين الذين أحكموا سيطرتهم الحصرية على أدوات السلطة في ليبيا، إلى وضع المعسكرين ضد بعضهما البعض.
وازداد الخلاف شدة حتى مع انتهاء الحرب، ومع إجراء أول انتخابات للبلاد منذ أكثر من نصف قرن في يوليو 2012 لانتخاب برلمان، المؤتمر الوطني العام .سيصبح هذا المسرح الأول لهذا الصراع الجديد الذي أصبح الآن سياسية على نحو أكبر.
استمر الائتلافان في مواجهة بعضهما البعض بدلاً من التسوية في سعي محصّلته الصفر للثروة والسلطة بتشجيع من مؤيديهما. فاز تحالف القوى الوطنية، وهو ائتلاف سياسي له علاقات وثيقة مع الإمارات العربية المتحدة، بأغلبية استطاع أن يحصل على 64 مقعدٍ في المؤتمر الوطني العام (بما في ذلك أعضاء البرلمان المنتخبين اسميا). وحصل حزب العدالة والبناء، وهو حزب سياسي متحالف مع جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، على 34 مقعدٍ.
إن استخدام العناصر السياسية المحلية للميليشيات من أجل تحقيق نتائجها السياسية الداخلية أدى إلى إضفاء الطابع المؤسسي على العنف كأداة سياسية. وفي الوقت نفسه، دمرت المنافسة على المعاملات التجارية الفاسدة غالبًا مع الشركاء الدوليين نزاهة وشرعية المؤتمر الوطني العام كمؤسسة.
بمجرد فشل التحالف، الذي يعاني من الشقوق الداخلية والمناورة باستمرار، في جعل أغلبيته الأولى في الحساب، قاطع التحالف المؤتمر الوطني العام، مما قوض فعاليته بشدة.
على الرغم من أن الأمم المتحدة كانت تأمل في أن تؤدي جولة جديدة من الانتخابات إلى استئناف عملية انتقال سياسي التي ضاعت بسبب جشع الطبقة السياسية في ليبيا وعدم نضجها، فقد وقع الضرر. حيث تحجرت الفصائل الأجنبية والمحلية في ليبيا، وتم تطبيع استخدام العنف، وانغلقت العقليات على محصلة الصفر حيث صار فوز أحد الطرفين خسارة للطرف الآخر.
…
يتبع
***
طارق المجريسي ـ زميل في السياسة في برنامج شمال أفريقيا والشرق الأوسط في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، متخصص في السياسة والحكم والتنمية في العالم العربي. لقد عمل بشكل مكثف على الانتقال الليبي منذ عام ٢٠١٢ مع المنظمات الليبية والدولية.
________________
