نعيمة مورللي

يرى الفيتوري ضرورة إشراك المجتمعات المحلية في ترميم المعالم والمباني المهمة، وذلك لإيجاد التوازن بين الحفاظ على التراث وبين تحدي الروايات الاستعمارية التي غالبًا ما ترتبط بمثل هذه المعالم، إذ يقول “نحن في (مؤسسة تجرّد) ملتزمون بإعادة تشكيل الرواية الليبية، مع الاعتراف بأنها كانت جزئيًا من صنع القوى الاستعمارية الغربية، وبالتالي إنشاء أرشيف مضاد مستمر ومتجدد ومقاوم للهيمنة والإنكار“.
ومن الأمثلة على إشراك المجتمعات مشروع قادته “تجرّد” عام 2020، وأطلق عليه “تهافت“. وكان عبارة عن ورشة عمل ومعرض لمدة 3 أيام في “ميدان الخالصة” (ساحة وميدان السلفيوم) أمام قصر المنار في بنغازي، وهو المبنى الذي يعود للعصر الاستعماري الإيطالي والذي أُعلن منه استقلال ليبيا عام 1951.
ويقول الفيتوري “يقدر العديد من الباحثين الليبيين العمارة الاستعمارية الإيطالية بسبب الفوائد الاجتماعية والبنية التحتية التي خلفتها للمدينة و“الاحترام” الذي أظهرته في دمج وتضمين “الأسلوب” المعماري المحلي. لكنه ينتقد ذلك بحدة، قائلا “أسميها خضوعًا غير معترف به للأيديولوجيا الإمبريالية في أسوأ الأحوال، وعَمى ثقافيا في أفضل الأحوال، فكما قال إدوارد سعيد: لا تزال الإمبريالية موجودة“.
وعلى مستوى ثقافي أوسع، يتكهن المهندس المعماري بوجود انقسام بين الناس الذين ينظرون إلى هذه العمارة كجزء من الهوية الليبية، بينما آخرين –وهم الأغلبية كما يعتقد– غير مبالين بهذه المباني أو يرفضون أهميتها للمجتمع الليبي.
ولكن خارج المجال العام، وعلى مستوى شخصي أكثر عمقاً، تحمل العديد من المباني الإيطالية التي تعود إلى فترة الاستعمار ذكريات الطفولة والمراهقة لليبيين مثل شلبي وتعلقها بالتماثيل الإيطالية للحيوانات.
ويقول الفيتوري نفسه إنه يحب وسط مدينة بنغازي بشكل خاص. فعندما كان صبياً، كان يشعر بأن المدينة القديمة بأكملها كانت بمثابة بيته الحضري حيث يستطيع العيش بحرية.
ويتذكر قائلاً “هناك طريق معين اعتادت أمي وجدتي وجدي أن يسيروا معي عبره إلى سوق الضلام وسوق الجريد. وكانت هذه أسواقاً تقليدية تتألف من شبكة من الشوارع المتقاطعة بالمدينة القديمة، حيث كانت أمي وجدتي تذهبان للتسوق وتشتريان لي وجبتي المفضلة (فطيرة اللحم المفروم) ومكتبات شارع الاستقلال وتحت مبنى السفينة حيث كان والدي يأخذني دائماً، وجهات أساسية بالنسبة لي كطفل. وكنا نترك مبنى شقتنا في ساحة الشجرة ونسير في جميع أنحاء المدينة القديمة تقريباً حسب ما نحتاج إلى شرائه“.
واليوم، تحول مبنى (عمارة) السفينة إلى أنقاض، في حين لا تزال معظم المباني المواجهة لشارع الاستقلال قائمة، ولكن بأضرار كبيرة من الحرب الأهلية.
وعام 2022، ولمواجهة اللامبالاة التي يراها الليبيون تجاه التراث الاستعماري الإيطالي للبلاد، قامت عائشة وهبة شلبي بتنظيم معرض في دار الفنون بطرابلس حول المباني الاستعمارية الإيطالية بعنوان “المربعات غير المرئية والذي ركز على الساحات التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية في ليبيا.
وتقول عائشة إنها أثناء الحرب كانت تتساءل عما سيحدث للمباني التاريخية التي كانت في قلب الصراع. فبدأت في التقاط الصور والكتابة عن هذه المباني على منصات التواصل. فالكثير من الليبيين لا يشعرون بالارتباط بالمباني الإيطالية، فهي رمز للعنف الاستعماري بالنسبة لهم.
وهذا رأي معتبر. لكن بالنسبة لعائشة، فهي تشعر بضرورة الحفاظ على هذه المباني. فبعضها اتخذ وظائف ورمزيات أخرى لاحقًا، مثل قصر المنار، أو ربما أصبح مباني إدارية، أو بدأ الناس في العيش فيها، مما أعطاها حياة جديدة، وبغض النظر عن كل هذا، فهي تبقى جزءا من التاريخ الليبي.
وتوافق الكاتبة مريم سلامة، وهي أيضًا من طرابلس، على هذا النهج. فقد عملت مع مشروع المدينة القديمة، وهو كيان تأسس عام 1985 كمؤسسة ثقافية علمية لتنظيم وإدارة مدينة طرابلس القديمة، بمهمة البحث في تاريخ المواقع القديمة التي كانت المدينة تنوي تجديدها والحفاظ عليها، ودليل لمن جاء لزيارة المدينة القديمة لأغراض علمية أو سياحية.
وبدأت سلامة العمل هناك عام 1990، ورافقت كلمة مترجم اسمها منذ اليوم الأول الذي دخلت فيه هذا الكيان بسبب عملها، كما تقول. فترجمت العديد من الوثائق والأوراق حتى يوم مغادرتها للمشروع عام 30 سبتمبر/أيلول 1995.
وترى أن كل قطعة فنية أو أثر أثري –أيا كانت الفترة التي تنتمي إليها– تمثل التراث الأصيل للبلد وتحمل هويته. ويجب تحمل مسؤولية حمايتها بقدر الافتخار بها، مضيفة أنها تشعر بالحزن عندما تعلم أن بعض المعالم لم تعد موجودة، مما يعني أن بلدها فقد بالفعل صفحة فريدة من كتاب تاريخه.
يروي عدنان حسنين، أستاذ الهندسة المعمارية جامعة طرابلس، شعوره بتقارب خاص مع مبنى بنك إيطاليا في طرابلس، وهو مبنى مصمم على الطراز الإيطالي “موريسكو” –وهو نموذج إيطالي للهندسة المعمارية المحلية– فالعمارة التقليدية في طرابلس متواضعة وحديثة وبسيطة للغاية. لذلك سمحت هذه البساطة للمهندسين المعماريين الإيطاليين بتجربة الاحتمالات، مع خيال العالم العربي.
وتم إنشاء المبنى بين عامي 1921 و1928 بواسطة المهندس المعماري بياجيو أكولتي جيل. وبعد الاستقلال، أصبح المبنى مقرًا لوزير الخارجية. وكان والد عدنان الراحل علي حسنين آخر وزير خارجية أثناء الملكية، قبل أن يتولى السلطة معمر القذافي الذي حكم ليبيا من عام 1969 حتى 2011.
وناهض والد حسنين الاستعمار بشدة لكنه لم يستهدف العمارة الإيطالية في البلاد بشكل خاص. ففي عهده، أهملت المباني أو أعيد تحويلها إلى مقار مؤسسية، ولم يعتد بأهميتها التاريخية.
وعندما كان والد حسنين وزيرا، كان يأخذهم في عطلات نهاية الأسبوع إلى المكتب، وخاصة إذا كانت هناك مناسبة خاصة بالأعياد الوطنية أو غيرها. فكانوا يدخلون المبنى لمشاهدة المسيرات. ويتذكر أن المبنى كان رائعا، ففتن به وأصبح يسميه “قصر والدي“.
ويروي حسنين أن بنك إيطاليا ظل في عهد القذافي مبنى حكوميا لفترة من الوقت، ولكن عندما قرر العقيد نقل العاصمة إلى مسقط رأسه سرت، تم هدم المبنى بالجرافات بين عشية وضحاها عام 1996.
وبينما يقر حسين بأن مزج الأساليب في العمارة زمن الاستعمار مثال للعقلية الاستشراقية، إلا أنه –بخلاف كثيرين غيره– لا يبدون رافضا لذلك.
ويضيف “بالطبع، العمارة ليست محايدة بالضرورة. ويمكن استخدامها وتوظيفها على هذا النحو لخدمة أجندات سياسية معينة. ولكنني أشعر بأننا بحاجة إلى النظر إلى ما وراء حجاب الاستعمار ورؤية قيمة العمارة باعتبارها عمارة (مجردة)”.
وبالإضافة إلى تنظيم جولات منتظمة في طرابلس إلى منطقة وسط المدينة مع طلابه، نظم حسين العام الماضي أيضًا معرضا في شارع ميزران خصص لتنشيط منطقة التراث في طرابلس، وقد تلقى استجابة عامة قال إنه وجدها مثلجة للصدر.
ويختتم حسنين كلامه بالحديث عن العمارة التي تمثل قصة رائعة عن الأفكار والتجريب، معتبرا أنه لا يزال هناك الكثير من التراث الذي يستحق الحفاظ عليه، ودراسته والاستفادة من دروسه، مشيرا لأنه من المؤسف الاستمرار في هدم تلك المباني، فبذلك تختفي كل هذه الأفكار وتاريخها.
العمارة لا تنفصل عن الأيديولوجية والسياسة
تشعر عائشة بارتباط خاص بقصر المنار في بنغازي، حيث كان للمبنى وظائف اجتماعية ورمزية مختلفة طوال تاريخه، وأبرزها انتقاله من قصر للحكام الإيطاليين إلى قصر الملك إدريس الذي أعلن استقلال ليبيا عام 1951.
وتقول إن العديد من الليبيين مغرمون بهذه القطعة المعمارية الجميلة والمهمة التي أعلن بها الاستقلال. فهي مفتونة بتصميمه الذي يتضمن عناصر من العمارة الإسلامية –مثل المئذنة والأقواس– بينما يمتزج بالأسلوب المعماري الإيطالي الحديث فهو يمثل التاريخ بالنسبة لهم، ورغم تضرره قليلاً بسبب الحرب عام 2014، لا يزال قائماً إلى الآن.
وبالنسبة للفيتوري، فإن هذا المبنى قطعة معمارية مثيرة للاهتمام ومشكلة في نفس الوقت، إذ بينما يمثل كون العمارة الإيطالية في ليبيا لا تنفصل عن الأيديولوجيا والسياسة، كان من المفترض أن يحقق نموذجا معماريا مؤثرا يعتبره العديد من الليبيين جزءًا من الهوية الليبية.
ومع ذلك، لا يزال قصر المنار مهمًا لجوانبه الثقافية والأيديولوجية التي تتجاوز وجوده المادي والتاريخي، وهو أمر فريد ومثير للقلق في نفس الوقت.
ومن المعالم المعمارية المحبوبة الأخرى كنيسة القديس فرانسيس الكاثوليكية بالمدينة القديمة في طرابلس. وكانت الأديبة الليبية مريم سلامة، في سن المراهقة، مفتونة بخصائصها المعمارية، وكانت تحدق فيها كل مرة تذهب فيها مع عائلتها لزيارة عمها في شقته التي تجاورها، كما روت.
وقد دفعها حبها للتراث والهندسة المعمارية إلى الانضمام للعمل في مشروع تجديد المدينة القديمة في طرابلس كما تضمن زيارات عديدة داخل المبنى. وأصبحت مهمتها البحث في تاريخ المواقع القديمة التي يهدف المشروع إلى تجديدها والحفاظ عليها.
وتحكي سلامة قائلة “لقد زرت كنيسة القديس فرانسيس الأسيزي في حي الظهرة عدة مرات منذ أن تعرفت على أسقفها الراحل جيوفاني مارتينيلي الذي رحب بي وقدمني إلى بعض الأصدقاء الإيطاليين الآخرين الذين أدين لهم باستكشاف جاد لتاريخنا المشترك“.
وقد يستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن يترسخ شغف العمارة الاستعمارية الإيطالية في الثقافة الليبية الشعبية. وفي المرة الأخيرة التي رأت فيها مريم الكنيسة، كانت خلف سياج حديدي للحفاظ عليها، كما تقول.
______________