أحمد الفيتوري

كأن الليبيين لا مُبالون هذه الفترة بأوضاع بلادهم، فقد مرت في 23 أكتوبر 2022م، دون اهتمام منهم يذكر، الذكرى الثانية لاتفاق وقف إطلاق النار، ما فُسِّر من قبل كل الأطراف باعتبار أن إطلاق النار، بين أطراف في المدينة الواحدة، ليس خرقاً للاتفاق.

وخلال العامين الماضيين، قامت مناوشات حربية تجاوز عدد القتلى في أحدها الثلاثين إنساناً!


ولم يشر أحد، على حد علمي، إلى ذلك باعتباره خرقاً لوقف إطلاق النار، خاصة أن الليبيين قد افتكوا من حياتهم منغصّات، مثل قطع الكهرباء وتقنين الأحمال، ما عمّ أوروبا، ثم توفّر السيولة، ففتح الطرق وانسياب الرحلات الجوية، خاصة في داخل البلادوغير ذلكم.

وكانت المستشارة الأممية السابقة ستيفاني وليامز، التي أسهمت في دفع التوقيع، على اتفاق وقف إطلاق النار، من قبل لجنة «5+5» قد قالت الاحتفال الشهر الماضي، بالذكرى السنوية الثانية لاتفاق وقف إطلاق النار الليبي، يتيح فرصة لتقييم مسار الدولة الواقعة في شمال أفريقيا، حيث تم احترام وقف إطلاق النار بشكل عام، ولم تشهد البلاد تكراراً للعنف واسع النطاق في السنتين الماضيتين.

وأضافت: “لكن ليبيا انزلقت إلى الوراء إلى الانقسام المؤسسي، وسوء الحكم، ونوبات العنف المحدودة، وانتهاكات حقوق الإنسان ضد الليبيين والمهاجرين على حد سواء”.

ومسألة حقوق الإنسان، أكد عليها البند الثامن من الاتفاق:

إيقاف القبض على الهوية أو الانتماء السياسي، واقتصار الملاحقة والقبض على المطلوبين جنائياً، وإحالتهم إلى الجهات المطلوبين لديها.

وقد جاء هذا في مقالٍ ستيفاني وليامز، ما نشرته مؤسسة «بروكينغز» السياسية الأميركية، بعد مرور عامين على اتفاق وقف إطلاق النار، الموقع بين الأطراف الليبية بجنيف في أكتوبر 2020، مؤكدة أنها ترى الأوضاع في ليبيا بنظرة تشاؤمية.

ورأت المستشارة الأممية السابقة، أن النخبة الحاكمة في ليبيا، وهي شبكة من الجهات الفاعلة الأمنية والسياسية والاقتصادية، واصلت منذ 2011، إعطاء الأولوية للمحسوبية وصفقاتها الخاصة، على حساب مستقبل البلاد.

ويوكد تقرير السيدة وليامز، حسب ما أرى، لا مبالاة الليبيين ومللهم من المسألة الليبية، التي أشارت، المستشارة (من رسمت الخارطة الليبية القائمة حالياً)، إلى أن العالم لم يعد مهتما ًبها، وقد انغمس بالكامل في المسألة الأُوكرانية.

إذا هناك توافق ليبي ليبي على اللامبالاة، مضافاً إلى انشغال العالم، لكن هذا ما منح الإقليم إلى استغلال الفرصة، من أجل توطيد المصالح والنفوذ.

كمبادرة تركيا التي أمست السيدة الأولى للمسألة الليبية، بدعم مسكوت عنه من أطراف جارة لليبيا، ومن نافل القول، إن الانفراد التركي ليس مسألة إقليمية فحسب، بل في الظرف الدولي الحالي، وجد دعماً دوليا، ومن الطرفين المتحاربين في أوروبا، وعلى رأسهما الولايات المتحدة والاتحاد الروسي.

إن الحلّ اللاحلّ سيناريو ليبيا الدولي، قام الظرف الدولي الحالي بحلحلته، بأن تسلمت تركيا زمام المسألة الليبية، التي على أي طرف يهمه أمرها لسببب أو آخر، أن يجلس مع السيدة الأولى للمسألة الليبية، دون منازع، تركيا التي ممثلها الليبي السيد عبد الحميد الدبيبة، المعترف به دولياً وإقليمياً ومحلياً كرئيس لحكومة الوحدة الوطنية الليبية!، ونلاحظ أن كل الملابسات الدولية تخدم هذه المقاربة وتوكد عليها.

وبهذا ولأول مرة، هناك طرف واحد قوي للمسألة الليبية، بحكم المقدرات التي أشرنا إليها، وهذا التوصيف للخارطة السياسية للمسألة الليبية، ليس له علاقة بالتفاؤل أو التشاؤم، فحلحلة سيناريو الحلّ اللاحلّ، قد تعني على الطاولة ما أشار إليه الرئيس الجزائري تبون، بأن سنة 2023م سنة المسألة الليبية، أو كما قال، وأفسر ذلك بأنه دعوة للجلوس على الطاولة، للتوافق على تقسيم الكعكة التي نضجت.

وطبعاً أول من جُهزوا لذلك، الليبيون من ارتضوا أخيراً الحلّ اللاحلّ، من صاروا أخيراً مجمعين، على ترديد أن المسألة الليبية ليست مسألة ليبية.

لنفترض أن ذاك الحاصل لا معقول، فمن جهة لا تكمن الحلول غالباً في المعقول، فما بالك بالمقبول، ومن جهة أخرى بالنسبة للأطراف التي حصدت ما زرعت، مكسب لها أي تأجيل، فإبقاء الحال على ما هو عليه، خسارة زائدة لخصومها، باعتبار أن الوقت في صالحها.

وحتى أن تنزاح الغمة الدولية الحالية، فإن تركيا وداعميها يمنحون الوقت لتوطيد أوضاع الفائز باللعبة.

وما دامت روسيا قد انسلت من العجين الليبي، فما سيمنع تركيا من زحزحة موضعها الليبي، ما هو قاعدتها للتفاوض في شرق المتوسط.

ليبيا كانت ومازالت مسألة خارجية، منذ الحرب الفينيقية الهيلينية ما قبل التاريخ، وذلك بحكم الجغرافيا، الحجارة التي قد يتناساها التاريخ لكنها الحجر الأساس.

فالشاطئ الأكبر على البحر المتوسط له ارتداداته في كل شاطئ متوسط، وإذا تلاطمت أمواجه فلن تكون الطاقة الأحفورية المحك فقط، وهي ثروة لم يحن زمن تقاعدها، بل مضافاً إليه الشاطئ مصدر الريح الجنوبي.

____________

مواد ذات علاقة