يتناول هذا التقرير صراع أطراف الأزمة الليبية بالجنوب الليبي الذي سيظل ساحة حرب لتصفية الحسابات بين المشير خليفة حفتر بالشرق وخصومه في الغرب، وفي غياب أية تسوية سياسية فمن المتوقع أن تستحوذ قوات حفتر على زمام الأمور إلى أن ينظِّم المجلس الرئاسي صفوف قواته هناك.
الجزء الثاني
صراع إرادات
تؤكد المصادر في الجنوب الليبي على أن الأحداث الأخيرة هي بالمقام الأول محاولة من المشير حفتر لإنهاء الوجود المصراتي في الجنوب وتقليم أظافر حلفاء السراج، في سانحة قد لا تتكرر، طالما الفرصة مواتية، لخلق ظروف اضطراب وتصعيد، تكون فرصة لتدخل الجيش الوطني الليبي (قوات الكرامة التي يقودها المشير حفتر)، لاستتباب الأمن وإعادة الأمور إلى نصابها، كمدخل لسيطرة أتباع قوات الكرامة على المشهد في الجنوب.
وبمجرد اندلاع الاشتباكات بين قوات التبو وقوات أولاد سليمان في مدينة سبها سارع المشير خليفة حفتر إلى إعلان حرب لاستعادة الأمن في الجنوب وبسط القانون في المنطقة، وسمى تلك الحرب بعمليات فرض القانون، وعلى الفور قام بتحريك سرب عمودي مكون من ثماني طائرات مقاتلة إلى قاعدة براك، وأمهل الأفارقة المتواجدين بليبيا مهلة تنتهي يوم 17 مارس/آذار 2018 لمغادرة الجنوب الليبي.
وأعلن مكتب الإعلام بالجيش الوطني الليبي التابع للمشير حفتر عبر بيانات متتالية أن ساحة العمليات هي الجنوب بالكامل، وأن قوات الجيش الليبي تمركزت بين قواعد الجفرة وتمنهنت وبراك في الجنوب، وأن غرفة عمليات القوات الجوية تحركت بالكامل وتمركزت بالجفرة، بإمرة اللواء محمد المنفور، الذي كان في استقباله اللواء محمد بن نائل، وتم تصوير وإنزال فيديوهات بهذه العمليات عبر اليوتيوب.
الكتائب المشاركة في هذه العمليات
-
الكتيبة 21 صاعقة بإمرة اللواء جمال الزهاوي.
-
الكتيبة 101 مشاة بقيادة المقدم امحمد ابسيط.
-
كتيبة طارق بن زياد (مدرعات) بإمرة الرائد عمر امراجع.
-
القوات الخاصة الصاعقة.
-
اللواء 12 مجحفل بقيادة اللواء محمد بن نايل.
-
الكتيبة 116 مشاة.
بالمقابل، أدرك الطرف الآخر من المعادلة، أي المجلس الرئاسي بقيادة فايز السراج وحلفائه، أن الجنوب يكاد يخرج عن سيطرته، فبادر إلى اتخاذ خطوات احترازية ثلاث علَّها تحد من جموح المشير حفتر وتعمل على عدم تمكينه من السيطرة الكاملة على الجنوب وتفرده به، وهذه الخطوات هي:
-
حملة إعلامية تصعيدية عملت على تجييش الرأي العام الليبي والعربي وأظهرت الصراع في الجنوب وكأنه صراع بين قوات ليبية وأخرى تشادية؛ حيث جعلت هذه الحملة التبو الليبيين مرتزقة تشاديين، مستندة على أن التبو الليبيين الذين يعيشون في الجنوب الليبي على تماس مع الحدود التشادية يسعون لإحداث تغيير ديمغرافي عبر جلب أعداد غفيرة من أبناء عمومتهم التبو التشاديين.
وفي هذا السياق، أصدر المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني بطرابلس بيانًا، يوم 27 فبراير/شباط 2018، يتحدث عن قوات التبو بوصفهم مرتزقة كما يتحدث البيان عن تغيير ديمغرافي في الجنوب.
وفي انحياز واضح لأولاد سليمان، وأمام احتجاجات التبو الليبيين، وتنديد البرلمان وشريحة عريضة من النخبة الثقافية والسياسية الليبية بصيغة البيان المنحازة والمغالطات التي وردت فيه، وشماعة المرتزقة، وبضغط من المجتمع الدولي وتحديدًا بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا التي وصفت البيان بالمنحاز، قام المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج بعد يومين، بإصدار بيان متوازن في يوم 1 مارس/آذار 2018، سمَّى فيه المتقاتلين بالإخوة وأعلن فيه أن المجلس يقف على مسافة متساوية من جميع الأطراف.
-
الإعلان عن تشكيل قوة عسكرية لتأمين وحماية الجنوب، وقد تم ذلك يوم الأحد 4 مارس/آذار 2018، من قبل فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق في ليبيا وجاء هذا الإعلان عقب اجتماع فايز السراج مع عدد من القيادات العسكرية والأمنية، أبرزهم وزير الداخلية، ورئيس الأركان العامة، وآمر الحرس الرئاسي، ورئيسا المخابرات العامة والمباحث العامة، لتدارس الأوضاع الراهنة بالمنطقة الجنوبية، ووضع الحلول لرأب الصدع بين أطراف النزاع وبسط الأمن.
وبحسب البيان، فقد أصدر رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، تعليماته بتشكيل قوة عسكرية لتأمين وحماية المنطقة الجنوبية من كافة الأخطار، إضافة إلى دعم القوة التابعة لحكومة الوفاق بالمنطقة والعمل على توفير احتياجاتها بالكامل. إلا أن الغريب في الأمر أن هذه القوات لم تصل بعد إلى الجنوب، في حين يتواصل توافد القوات التابعة للمشير خليفة حفتر إلى الجنوب تباعًا.
-
مصالحة بين الأطراف المتنازعة والعمل على جعل الجنوب خاليًا من الوجود المسلح، وتحييده، وذلك لقطع الطريق على الحشود العسكرية التابعة لقوات المشير حفتر، وفي هذا الصدد قام المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني باستغلال تراخي وتراجع نفوذ المشير داخل قبة البرلمان، وابتعاد رئيسه تدريجيًّا عن دائرة المشير.
فأعلن المجلس الرئاسي، لجنة مشتركة تضم أعضاء منه ومن مجلس النواب في شرقي البلاد والمجلس الأعلى للدولة (غرفة نيابية استشارية)، للوقوف على تحقيق التهدئة وإعادة الاستقرار في الجنوب. وعمل المجلس الرئاسي طيلة الأسبوعين الفائتين على التواصل مع المجلس الاجتماعي لقبائل فزان (محسوب على أنصار النظام السابق)، والذي يحظى بقبول الطرفين (التبو وأولاد سليمان).
قضية المرتزقة في ليبيا
تشير التقارير الاستخباراتية والتقارير الفنية الدورية التي يعدها فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة إلى تورط الأطراف الرئيسة في الصراع في ليبيا في هذه القضية؛ ففي الوقت الذي يجاهر فيه كل طرف باعتماده على عناصر وطنية ليبية ويتهم خصومه بالاستعانة بالمرتزقة، فإن الوقائع على الأرض والتقارير تدحض وتفنِّد هذا الزعم، وتتهرب أطراف النزاع الرئيسة في ليبيا من الاعتراف باستخدام مرتزقة بين صفوفها، لأنها جريمة يعاقب عليها القانون الدولي، وفق “الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم” الصادرة عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.
المرتزقة في صفوف القوات التابعة للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني
تقول التقارير الغربية: إن قوات فجر ليبيا وتحديدًا “لواء الحلبوص” أقوى التشكيلات العسكرية بمصراتة (المدينة/الدولة)، يقاتل بين صفوفه مرتزقة من أوكرانيا، وصربيا، مدربين تدريبًا جيدًا، معظمهم سبق لهم أن شاركوا في حروب العصابات خصوصًا في النزاعات الإفريقية، بالإضافة إلى خبراء اتصالات تمكَّنوا من فكِّ تشفير اتصالات تنظيم “الدولة الإسلامية” في سرت، الذي تبيَّن أنه يستخدم أيضًا خبراء ومنظومات اتصال متطورة، وتم التشويش على تردداتها وتعقب اتصالاته.
وأظهرت التقارير الاخبارية المصورة في صيف 2016 وجود فرق خاصة من إيطاليا وبريطانيا في الصفوف الخلفية لمقاتلي قوات المجلس الرئاسي أثناء حربها ضد تنظيم الدولة في سرت، قُدِّرت أعدادهم بثلاثين عنصرًا في مختلف التخصصات، من بينهم ضباط متقاعدون لتقديم الخبرة العسكرية وخبراء ألغام ومتفجرات وآخرون في مجال الاتصال، وقناصة أوكرانيون ذوو خبرة وتدريب للتعامل مع مقاتلي تنظيم الدولة الذين نجحوا في عرقلة تقدم قوات المجلس .الرئاسي بشكل كبير داخل سرت
المرتزقة في صفوف القوات التابعة للجيش الوطني الليبي
أشار تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة، الصادر في مارس/آذار 2016، إلى أن حفتر هدَّد قبائل شرق ليبيا بأنه سيستعيض عنهم بمقاتلين أفارقة “مرتزقة” إذا لم يمتثلوا لطلبه بتقديم المزيد من المقاتلين.
وأكد تقرير الأمم المتحدة عن السودان، في يناير/كانون الثاني 2017، أن حركة العدل والمساواة وجيش تحرير السودان “فصيل ميني ميناوي” يقومان بأنشطة تخريبية بليبيا ويرتكبان أعمالًا إجرامية كالنهب والاختطاف والاتجار بالبشر ومتورطان في تهريب المهاجرين والسلاح والوقود.
وأوضح التقرير أن للحركتين “عدة مئات من المقاتلين” بليبيا منذ منتصف 2015، وكان نشاطهما في البداية يتمحور في مدينة الكفرة، جنوب شرق ليبيا. وخاضت عناصر “ميناوي“، في سبتمبر /أيلول 2015، مواجهة مع ميليشيا الزوية بالمدينة تكبدت خلالها خسائر فادحة. كما أشار تقرير الخبراء إلى أن الجماعات الدارفورية تمركزت في منطقة الهلال النفطي لمساعدة قوات المشير حفتر في السيطرة عليها، وما زالت هناك ومتورطة بأنشطة إجرامية.
وفي ملحق خاص يقول التقرير: إن (حركة تحرير السودان) لديها مئات المقاتلين في ليبيا وما يقرب من 150 مركبة متحركة. وأضاف أن القيادة العسكرية للحركة في ليبيا تضم رئيس أركانها، جمعة حجار، ونائبه وقيادات أخرى. وقيادة المجموعة الموجودة في ليبيا تتلقى رواتب مباشرة من قوات المشير خليفة حفتر. وكشف التقرير عن أن المقاتل السوداني يحصل على أجر شهري يتراوح بين 250 إلى 500 دولار، إلى جانب الأسلحة والذخيرة.
وأكد أن المجموعات المتمردة في دارفور تجني مبالغ طائلة من تهريب المهاجرين وتهريب الأسلحة بين دارفور وليبيا، لافتًا إلى أن تلك المجموعات تهرِّب الأسلحة الخفيفة من السودان إلى ليبيا، وتُدخِل الأسلحة المتوسطة والثقيلة مثل مدافع مضادة للطائرات والدبابات.
وقد أشار أكثر من تقرير إلى استعانة المشير حفتر بطيارين أجانب في عملياته العسكرية؛ حيث يشير تقرير استخباراتي إلى أن المشير حفتر استعان بطيارين مرتزقة معظمهم أميركيون تابعون لإريك برنس، مؤسس شركة بلاك ووتر، لقصف خصومه
وقال أوليغ كرينيتسين، رئيس مجموعة (آر. إس. بي) الأمنية الروسية لرويترز: إن قوة من بضع عشرات من المتعاقدين الأمنيين المسلحين من روسيا عملوا حتى فبراير/شباط 2017 في جزء من ليبيا يسيطر عليه القائد العسكري خليفة حفتر
وخلال الأشهر الأخيرة، شهد الشريط الحدودي بين ليبيا والسودان على امتداد المنطقة الممتدة من الكفرة حتى إقليم دارفور، غارات جوية قام بها الطيران التابع لقوات المشير حفتر، ضد بعض تشكيلات المعارضة السودانية الدارفورية الخارجة عن سيطرته، والتي تمارس السطو والحرابة على طول الشريط الحدودي.
المرتزقة من التبو
حارب العديد من التبو الليبيين والتشاديين في صفوف قوات المشير حفتر ولاسيما في معارك الهلال النفطي، خلال السنوات الأخيرة.
وتشير التقارير إلى أن عدد التبو التشاديين في الجنوب الليبي يُقدَّر ببضع مئات يمتهنون التهريب ويتواجدون بعيدًا عن المدن الكبرى. أما قوات المعارضة التشادية الشمالية من التبو، فهي تتواجد في المثلث الحدودي الرابط بين ليبيا وتشاد والنيجر، ويقدر عددها بين ثمانمائة إلى ألفي مقاتل، يمتهنون التهريب ويسيطرون على طرق ومسارب الهجرة غير الشرعية، وتهريب البضائع والبشر والمخدرات، ويتقاسمون هذا الأمر مع مهربين من الطوارق وعناصر تنظيم القاعدة بمنطقة الساحل.
المرتزقة في صفوف التنظيمات الجهادية في ليبيا
يصعب حصر عدد المقاتلين الأجانب والمرتزقة في صفوف داعش بليبيا، نظرًا لغياب المعلومات والتكتم الشديد الذي تحيط به الأجهزة الأمنية الليبية والأجنبية هذا الأمر.
المساعي الحميدة
قامت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالتنديد بالاقتتال داخل المدن في الجنوب الليبي وطالبت الأطراف بضرورة ضبط النفس والعمل على وقف فوري لإطلاق النار، واللجوء إلى الحوار لتسوية الخلاف، وقد أرسلت وفدًا معظمه من الليبيين للوقوف على مجريات الأمور والعمل مع الفاعلين المحليين للوصول إلى هدنة، تفضي إلى تسوية، في حين اكتفت القوى العظمى بالتنديد بالاقتتال دون تقديم مقترحات إجرائية جادة تعمل على وقف الاقتتال بين الأطراف المتصارعة، ووقفت الدول العربية صامتة حيال الأحداث الدامية في الجنوب الليبي.
وقد وصل إلى سبها وفد من البرلمان الليبي، واجتمع مع الطرفين المتصارعين ومع المجلس الاجتماعي لقبائل فزان. ولا تزال المساعي الحميدة من مختلف المناطق الليبية تتوافد على مدينة سبها، حتى كتابة هذا التقرير.
أما أبرز المساعي الحميدة فهي التي يقوم بها المجتمع الأهلي بسبها والجنوب الليبي للمصالحة بين أولاد سليمان والتبو والعمل على تجنيب الجنوب الدخول في صراع مكاسرة بين شرق وغرب ليبيا، والوصول إلى تسوية دائمة.
أبرز هذه المساعي تلك التي يقوم بها المجلس الاجتماعي لقبائل فزان الذي يضم شيوخ وعقلاء معظم القبائل الليبية في الجنوب والأعيان والأهالي، هذا المجلس الذي يقف على مسافة متساوية من الأطراف يحظى بقبول كبير لدى التبو وقبول بتحفظ من قبل أولاد سليمان.
خلاصة
طالما لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية في ليبيا، تُنهي تنازع الشرعية الذي أوجد ثلاث حكومات وبرلمانين، وتشكيل حكومة مركزية واحدة تبسط نفوذها على عموم التراب الليبي، ووضع ترتيبات أمنية تفضي إلى حلِّ كافة المليشيات المسلحة ونزع سلاحها، فإن الجنوب الليبي سيظل ساحة حرب لتصفية الحسابات بين المشير خليفة حفتر في الشرق وخصومه في الغرب الليبي (حكومة الوفاق الوطني ومصراتة والإخوان المسلمين).
ولا نتوقع حدوث ذلك الأمر خلال السنة الحالية، بل نتوقع في ظل المعطيات الراهنة أن تستحوذ قوات المشير حفتر على زمام الأمور في الجنوب لأسابيع وربما لأشهر، وأن تقلِّم أظافر القوات التابعة للمجلس الرئاسي، إلى أن تنظم القوات التابعة للمجلس الرئاسي صفوفها وتلملم شتات أمرها لتعاود الهجوم من جديد على قوات المشير حفتر في موجة عنف جديدة تتجدد كل أشهر في ليبيا المنكوبة بلعنة النفط والجغرافيا.
***
الحسين العلوي – باحث وأكاديمي موريتاني
_____________