كل الخطوات التي تتجاوز المصالحة الوطنية والحقيقية والعميقة والشاملة هي كما نراها مجرد خبط عشواء ونسج في الهواء وحرث في الماء.
فلا نتوقع أن تضيف الإنتخابات الليبية المرتقبة شيئأ أو تغير وتحسن من الوضع القائم ، أو تتيح متنفسا للأزمة المستعصية المتفاقمة رغم كل هذا الزخم الدعائي والدفع بهذا الإتجاه من المجتمع الدولي الذي لم يعد يثق فيه أحد ، نعم الإنتخابات في الدولة المدنية (دولة المؤسسات) هي آلية ديمقراطية تعيد تجديد الحياة السياسية وتحرك جمودها وتخلع الشرعية على الأجهزة المنتخبة، وبالتالي تؤسس لمشروعيتها.
ولكن كيف للإنتخابات ان تنجح في ظل سيطرة المليشيات (المتعددة والمتنافسة) وفوضى السلاح، وتناثر خلايا الإرهاب والتطرف، في كل أنحاء البلاد، وما حادثة مقتل إبن مدينة “اﻷبيار” في الشرق الليبي ببعيدة، والذي تم إغتياله بدم بارد لمجرد أنه فكر في الترشح لهذه الإنتخابات المزمع عقدها. وكما يقول المثل الليبي”الربيع من فم الباب يبان”.
إن المصالحة الليبية والتي نصفها بالعميقة والشاملة هي كالأساس الراسخ لبناء دولة خلخلتها النزاعات وتراكمت فيها الأحقاد والحزازات والإحتقانات، المصالحة العميقة والشاملة التي تدق قوائمها و ترسخ دعائمها بجهود كل الليبيين على مختلف مشاربهم السياسية والإجتماعية والفكرية والثقافية.
فالمصالحة يجب أن تكون “عميقة“ بحيث تنكأ الجراح العميقة وتطببها ،والتي خلفتها سبع سنوات عجاف من الإنتهاكات والمظالم والإنقسامات والصدوع الإجتماعية، التي ترتبت على الإصطفافات أثناء إنتفاضة تغيير عام 2011، بين المؤيدين لتغيير النظام القائم جذريا نظرا كما يرون لفقدان الأمل فيه وتجذر ديكتاتوريته التي شلت ليبيا، وعطلت التنمية والرخاء فيه أسوة بالدول النفطية الغنية كدول الخليج، والمعارضين لهذا التغيير والذين كان يرون ضرورة إعطاء فرصة لهذا النظام لتحسين الوضع القائم “إقتصاديا” على وجه الخصوص، وحجتهم في ذلك أن النظام السابق كان قد بدأ في هذا الإتجاه منذ إطلاق ماسمي بـ” مشروع ليبيا الغد”.
ويجب أن تكون المصالحة “شاملة” لاتقصي طيفا أو توجها علمانيا كان أو إسلاميا بشرط أن تكون “ليبيا” هي نقطة الإلتقاء ، لأن ليبيا أخلد من كل الأشخاص والتواريخ وفوق كل المحطات ، ليجتمع الكل تحت راية المصالحة العميقة والحقيقية والشاملة وحول طاولتها ، حتى يتم تحييد القوى والجماعات الغامضة الرافضة لقيام الدولة المدنية ، وبعدها تكون صناديق الإقتراع هي الفيصل، الأمر الذي سينعكس بالتالي على الحد من تغول “المليشيات المسلحة” ، وبعد ذلك البحث عن آلية لتفكيكها رويدا رويدا، وأيضا توحيد المؤسسات السيادية كمؤسسة “الجيش” و”النفط ” وفي ظل حكومة وطنية واحدة .
إذن في ظل هذا المشهد الفسيفسائي من الصراع كيف تسبق “الانتخابات” تحقيق وإنجاز “المصالحة”؟
في كل الدول التي شهدت نزاعات دموية وصراعات طاحنة خلفت آلاف الضحايا ، ومليارات الدولارات من الخسارئر الإقتصادية، كانت المصالحة الشاملة فيها هي نقطة الإنطلاق نحو الإستقرار ، وبناء الدولة.
ففي الجزائر كان ميثاق ” السلم والمصالحة ” الذي قدمه الرئيس عبدالعزيز ابو تفليقة لينهي به حقبة العشرية السوداء والتي أزهقت فيها أرواح الألاف وأبيدت قرى وأحياء برمتها ، وينبغي أن نعرف أن سبب هذه العشرية يعود
الى عملية “الإنتخابات” المعروفة عندما نجحت “الجبهة الاسلامية للإنقاذ” في الإنتخابات البرلمانية الوطنية في عام 1991 ،حيث أطاحت بحزب “جبهة التحرير الوطني” ليتدخل الجيش وتلغى الإنتخابات ويتم إعتقال الالاف من اﻹسلاميين الموصوفين بالإرهاب، لتبدأ العشرية الدموية اللعينة التي زلزلت الجزائر والتي خلفت زهاءا 200 ألف قتيل.
وتم عقد إستفتاء على هذا الميثاق في 29 سبتمبر عام 2005، وتم إقراره بنسبة 97% واصبح هذا الميثاق قانونا في فبراير 2006 ، وأبرز ماورد في هذا الميثاق منح العفو العام عن معظم أعمال العنف في ذلك العقد الدامي.
وفي فلسطين ، يجب أن نتذكر أن أسباب الإنفسام الفلسطيني أو مايسمى بصراع الإخوة هو بسبب واقعة ” الإنتخابات ” المعروفة أيضا حين إكتسحت “حركة حماس” الاسلامية الإنتخابات التشريعية الفلسطينية في يناير من عام 2006 وأطاحت ب”حركة فتح ” الأمر الذي لم تعترف به الأخيرة ، وبذلك تصدع الصف الفلسطيني ، وتكونت سلطتان تنفيذيتان متنافستان في غزة لحركة ” حماس ” وفي الضفة الغربية لحركة “فتح” ، اﻷمر الذي عمق النزاع الفلسطيني –الفلسطيني.
وفي المغرب بدأ التوجه نحو المصالحة منذ إنشاء “المجلس الإستشاري لحقوق الإنسان” في عام 1990، وتعزز هذا الإتجاه مع إعتلاء الملك “محمد السادس ” للحكم في عام 1999 بعد وفاة والده، حيث أحدثث في يناير من عام 2004 ،وبناء على قرار ملكي ، وبالموافقة على توصية صادرة من “المجلس الإستشاري لحقوق الإنسان ” هيئة الإنصاف والمصالحة” للقطع مع حقبة من المظالم والإنتهاكات التى إمتدت من عام 1956حتى عام 1999، حيث أنشأت هذه الهيئة لمعالجة ملفات الإختفاء القسري والإعتقالات السياسية وتعويض الضحايا ، وإصدار توصيات لتفادي تكرار الإنتهاكات.
وتظل دولة جنوب إفريقيا هي الرائدة والنموذج في تحقيق المصالحة العميقة والشاملة والتي فصلت بين الضحايا والجناة مع إلغاء الابرتهايد (الميز العنصري) ، حيث قادت هذه المصالحة المشهودة الى طي صفحة الماضي الأليم ، والنهوض بجنوب أفريقية كدولة قوية من خلال إنشاء لجنة الحقيقة والمصالحة، وتوجت بإطلاق سراح الزعيم الراحل”نيلسون مانديلا ” ثم أنتخابه رئيسا لدولة جنوب أفريقيا.
وأيضا في ظل كل ما يثار حول مشروع “الدستور الليبي” المعيب والحافل بالهنات والفجوات، فإن إرساء المصالحة الحقيقية والعميقة والشاملة هو الذي يؤسس وعلى أرضية صلبة من الصلح والتوافق بين الاطراف المتنازعة للإستقرار والسلام ، وبالتالي لوضع “دستور” رصين يرضي الجميع لأن الدساتير العظيمة والقويمة والتي تؤسس دولا متوازنة وفاعلة ، لا تقرر تحت ضغط “المغالبة” وفي ظل النزاعات وتحت فوهات البنادق ولعلعة القذائف وتغول المليشيات ، ووسط التشظي والإنقسام السياسي والبلقنة الحكومية.
فكيف للإنتخابات إذن أن تقفز على المصالحة والتوافق بل وحتى قبل إقرار دستور محترم يؤسس لدولة مدنية حقيقية ؟
كل ذلك في ظل شك كبير من طرف القوى الحية في نوايا المجتمع الدولي حول ليبيا حيث النظرية السائدة والتي ترى بأن هذا المجتمع يسعى الى إطالة أمد الأزمة بل وتعميقها، ولما لا حتى يكون آخر الدواء هو البتر ، أي التقسيم على إثنين أو حتى ثلاثة أو أكثر.
___________