
يسعى قادة هيئة تحرير الشام والحكومة الانتقالية بكافة السبل لرفع الهيئة من قوائم الإرهاب الأميركية والأوروبية وتلك المعتمدة لدى الأمم المتحدة، وإلغاء العقوبات التي فُرضت على سوريا خلال النظام السابق.
ويعتقد قادة الهيئة أن مثل هذا الإجراء سيعزز شرعية نظام الحكم الجديد، ويعزز جهود إعادة توحيد البلاد، ويصب لصالح تعافي الاقتصادي السوري.
ولكن المؤشرات الصادرة من واشنطن والأمم المتحدة لا توحي بأن مطالب قادة دمشق الجدد ستتحقق سريعًا.
دول أوروبية، مثل إيطاليا، أعادت فتح سفارتها في دمشق والتقت مسؤولي الحكومة السورية الجديدة.
وكانت تصريحات صدرت من إسبانيا وإيطاليا تدعو إلى رفع الهيئة من قوائم الإرهاب وإلغاء العقوبات التي فُرضت على سوريا خلال حكم الأسد.
ولكن تصريحات المسؤولين الأميركيين، كتصريحات مبعوث الأمم المتحدة لسوريا، تبدو وكأنها تضع شروطًا ليس من السهل على دمشق الجديدة تحقيقها جميعًا في المدى القريب،
مثل ضمان حقوق الأقليات، والتعهد بمحاربة الإرهاب، والتخلص من السلاح الكيماوي، وإقامة نظام حكم جامع لكافة المكونات والقوى السياسية.
وتشير تصريحات المسؤولين الأميركيين، إلى أن واشنطن ستستخدم تصنيفات الإرهاب والعقوبات لتحصيل أكبر قدر من التنازلات من القادة السوريين لصالح السياسة الأميركية في سوريا والشرق الأوسط.
أما مشكلة دمشق الجديدة الأكبر فتتعلق برد الفعل الإسرائيلي بالغ العدوانية تجاه سقوط نظام الأسد وانتقال الحكم إلى قادة عملية ” ردع العدوان“.
فبعد ساعات قليلة فقط من فرار الأسد وظهور المسلحين التابعين لإدارة العمليات وقائدها العام في دمشق، أطلقت إسرائيل سلسلة من مئات الغارات الجوية على مراكز بحوث عسكرية، ومواقع تخزين سلاح وذخائر، وعلى قواعد جوية وبحرية، وقواعد عسكرية أخرى، في كافة أنحاء سوريا بما في ذلك دمشق ومحيطها.
في الوقت نفسه، أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية أن انسحاب قوات الجيش السوري من خط فصل القوات والمنطقة منزوعة السلاح في الجولان السوري يعني أن اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974 بين سوريا وإسرائيل انهارت وأن التوغل الإسرائيلي مؤقت.
وفي الساعات التالية، تقدمت القوات الإسرائيلية بعمق لا يقل عن 20 كيلومترًا في بعض المحاور للسيطرة على قطاع واسع من المنطقة السورية منزوعة السلاح على طول خط فصل القوات، بل وتقدمت شمالًا إلى الجانب السوري من الحدود السورية–اللبنانية.
لم يُدْلِ القادة السوريون الجدد بأية تعليقات على، أو تحديد موقف واضح من، العدوان الإسرائيلي المستمر عقب بعضة أيام على سقوط النظام السابق؛ مما عرَّضهم لانتقادات داخل سوريا وخارجها.
أعقب ذلك تصريح الشرع خلال ندوة صحفية، وصف فيها الإجراءات الإسرائيلية بأنها خرق لاتفاقية فك الاشتباك وأضاف أن الوضع الحالي لا يسمح بالدخول في صراعات جديدة.
لكن ليس من الواضح عمليًّا كيف سيجري التعامل مع التحدي الإسرائيلي العدواني.
سياسيًّا، لم يُعيَّن وزير للخارجية السورية في حكومة البشير بعد، وليس ثمة مؤشرات على أن وزارة الخارجية السورية في دمشق لم يزل باستطاعتها العمل. ولكن ثمة تقارير، أيضًا، تفيد بأن تركيا على الأقل، بين الدول المؤيدة للثورة السورية، تقوم بدور نشط لإيقاف العدوان وانسحاب القوات الإسرائيلية المتوغلة في الجانب السوري من خط فصل القوات في الجولان.
في 12 ديسمبر/كانون الأول، وصل رئيس جهاز المخابرات التركي إلى دمشق في زيارة مفاجئة، واجتمع برئيس الحكومة السورية الانتقالية ومسؤولين سوريين آخرين.
والمؤكد أن مسألة العدوان الإسرائيلي كانت إحدى أهم المسائل محل البحث في هذه الاجتماعات.
استقبلت أنقرة وزير الخارجية الأميركي، الذي كان أجري مباحثات في عمَّان تتمحور حول تطورات الوضع السوري؛ بينما التقى سكرتير مجلس الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان، نتنياهو في اليوم نفسه.
وذكرت تقارير أن نتنياهو أخبر سوليفان بأن توغل القوات الإسرائيلية داخل الأرض السورية هو عمل مؤقت إلى أن تستطيع الحكومة السورية الجديدة تشكيل جيش قادر على حفظ الأمن في المنطقة السورية منزوعة السلاح.
ولكن المصادر الأميركية لم تشر إلى ما إن كان نتنياهو قدَّم تسويغًا لحملة القصف الهائلة لمواقع ومقدرات سوريا العسكرية.
وليس ثمة شك في أن السؤال الملحَّ الذي يواجه دمشق الجديدة اليوم، هو ما إن كان توجه دولي كاف سيتطور ليفرض على إسرائيل إيقاف العدوان والانسحاب من الأرض التي توغلت فيها، أو أن السوريين سيعانون من احتلال مناطق جديدة في بلدهم.
تحديات الحكم وبناء الدولة الجديدة
تزدحم الساحة السورية السياسية، سيما في المنفى، بالقوى والجماعات السورية التي نشطت ضد النظام السابق، أهمها: الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، والهيئة السياسية لتجمع القوى المسلحة في إدلب المحررة، التجمع الذي تعد هيئة تحرير الشام قوته الرئيسة.
ولكن هناك أيضًا عديد من الجماعات الأصغر، والشخصيات، خارج هاتين الكتلتين، والتي شاركت في نشاطات المعارضة والثورة خلال السنوات منذ 2011؛ علاوة على فصائل كانت ضمن “الموك” اختصارًا لمركز العمليات العسكرية بإشراف الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وبعض الدول الخليجية.
أما الجيش الوطني، الذي تعهد مهمة إخراج الفصائل الكردية المسلحة من تل رفعت ومنبج، فيرتبط بالجيش التركي.
ولم يزل هناك وجود وإن هامشيًّا لتجمعات وقوى سياسية ليبرالية ويسارية لم تقف مع النظام، ودافعت عن مطالب السوريين بالإصلاح والتغيير.
كما أن سوريا نفسها كانت، خلال السنوات العشر السابقة، دولة مقسمة بين مناطق تسيطر عليها الجماعات المعارضة المسلحة، التي عُرفت بالمناطق المحررة، ومناطق الشريط الحدودي، التي تخضع لسيطرة الجيش التركي، ومناطق واسعة من شرق وشمال شرق البلاد تديرها قوات سوريا الديمقراطية التي تقودها قوات حماية الشعب الكردية الذي تتهمها تركيا بدعم حزب العمال الكردستاني). ما تبقى من سوريا، أو حوالي نصف مساحة الأرض السورية، كان تحت سيطرة نظام الأسد.
بسقوط النظام وانهيار جيشه وأجهزته الأمنية، فرضت إدارة عمليات “ردع العدوان” سيطرتها على دمشق ومعظم المحافظات السورية التي كانت تعد ضمن مناطق النظام.
وشرعت في بسط حكمها على القوى المسيطرة في درعا وهي تلك المرتبطة بغرفة عمليات الجنوب.
وكذلك على السويداء التي يسيطر عليها مسلحون محليون دروز يرتبطون بالحركة الشعبية المشتعلة ضد النظام في جبل الدروز منذ أكثر من عام.
في شرق سوريا، حاولت قوات سوريا الديمقراطية توسيع نفوذها إلى دير الزور والمنطقة الحدودية من العراق؛ ولكن أهالي دير الزور مدعومين بثوار موالين لدمشق الجديدة أخرجوها من المدينة.
وتنقل تقارير أن القوة العشائرية التي تعرف بجيش سوريا الحرة، وتتلقى الدعم من الأميركيين، هي التي سيطرت على تدمر ومحيطها.
تمثل هذه الصورة من مساعي بسط إدارة عملية ” ردع العدوان” على كافة المناطق السورية وتعدد الفصائل المسلحة تحدي التشظي السياسي والعسكري الذي سيكون أولوية رئيسية في جهود إعادة بناء الدولة السورية.
وتفرض هذه الصورة ارتباطًا وثيقًا بين ملفات استعادة وحدة البلاد، والتعامل مع التعددية السياسية، وبناء نظام يتمتع بدعم وتأييد أكبر قاعدة سياسية وشعبية ممكنة، وإعادة بناء المؤسسة الدفاعية الكفيلة بفرض الأمن والسيادة وحراسة الحدود والسماء والمقدرات.
بدون تقدم ملموس في هذه الملفات معًا، ستظل هناك أسئلة تتردد حول القوة، أو القوى، التي يحق لها قيادة المرحلة الانتقالية، وحول الأسس التي تستند إليها شرعية هذه القيادة.
وبدون تقدم ملموس في هذه الملفات سيصعب تنصيب حكومة انتقالية مستقرة نسبيًّا، تتمتع بقدر كاف من الشرعية، تبدأ العمل من أجل وضع مسودة دستور جديد، وتقود الحوار حول مسائل هذه الدستور الرئيسة، مثل طبيعة نظام الحكم، وهوية الدولة، وعلاقة الدولة بشعبها، وسبل التعامل مع المكون الكردي.
ولكن هناك تحديات أخرى ذات طابع خارجي وداخلي معًا:
أولها بالطبع هو الحرص المبالغ فيه من قبل قيادة “ردع العدوان” على الحصول على الاعتراف الدولي، سيما الأميركي والأوروبي، بالوضع الجديد في دمشق، وإلغاء تصنيفات الإرهاب المتعلقة بالقوى السورية، ورفع العقوبات المفروضة.
والمؤكد، أن تحقيق هذه المطالب سيكون مشروطًا بتنازلات محددة في الساحة الداخلية، وفي الطريقة التي ستنتهجها دمشق الجديدة لبناء الدولة وتوحيد البلاد، وربما حتى بالعلاقة بين سوريا الجديدة وإسرائيل.
ويكشف البيان الذي صدر السبت، 14 ديسمبر/كانون الأول، عن اجتماع ما سُمي بلجنة الاتصال الوزارية العربية بشأن سوريا، الذي عُقد في العقبة بدعوة من الأردن، عن الاشتراطات الخارجية على سوريا الجديدة.
بين النقاط السبع التي احتواها البيان، اتفق المجتمعون على “دعم عملية انتقالية سلمية سورية جامعة“، والدعوة “إلى إنشاء بعثة أممية لدعم العملية الانتقالية“. بمعنى أن المجتمعين في العقبة يريدون إشرافًا دوليًّا على عملية إعادة بناء سوريا الجديدة.
يشير ذلك إلى أن أمام سوريا طريقًا معقدًا، وربما طريقًا طويلًا، قبل أن ترتسم ملامح دولتها الجديدة ويستقر فيها نظام حكم ديمقراطي، ويتبلور فيها الإجماع الكافي، والضروري، لتوفير الشرعية للدولة الجديدة وقواها الحاكمة.
كافة التحديات الأخرى المتعلقة بالإعمار وعودة اللاجئين والنهوض بالاقتصاد وضبط الشأن المالي للدولة، كما بكيفية تعامل الحكم السوري الجديد مع الشرائح الاجتماعية الاقتصادية السورية، هي بالتأكيد تحديات متوسطة المدى، وتحتل المكانة الثانية لمسائل الوحدة والدولة والدفاع والسيادة.
انقلاب الموازين الإقليمية
احتل الصراع على سوريا، منذ وُلِد النظام الإقليمي الحديث في المشرق بعد الحرب العالمية الأولى، موقع القلب من الصراع على الشرق الأوسط.
خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، وعلى الرغم من أن سوريا كانت وَقَعَت، منذ 1920، تحت الانتداب الفرنسي، عادت بريطانيا وغزت سوريا لمنع حكومة فيشي وألمانيا النازية من تحويلها إلى قاعدة للتوسع في الإقليم.
في الخمسينات والستينات، أصبحت سوريا ساحة صراع دولي وإقليمي على النفوذ، انخرطت فيه بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وإسرائيل وتركيا ومصر والعراق الهاشمي والسعودية.
لعقدين أو ثلاثة، وبتوظيف قدر هائل من العنف في سوريا وخارجها، جعل حافظ الأسد من سوريا لاعبًا إقليميًّا.
ولكن، ومنذ بداية الألفية، واندلاع الثورة السورية على الخصوص، عادت سوريا هدفًا لتدافع القوى الإقليمية والدولية.
ما يبدو اليوم، أن انهيار نظام الأسد سيزيد من حدة هذا التدافع، ليس بالضرورة لأن النظام ترك خلفه دولة أضعف بكثير مما كانت عليه في أواخر القرن الماضي، دولة مكشوفة على الجهات الأربع، ولكن أيضًا لأن انتصار الثورة السورية صنع انقلابًا هائلًا في موازين القوى في المشرق، سياسيًّا وإستراتيجيًّا وفكريًّا.
أوقع هذا الانقلاب خسائر فادحة بمشروع التوسع الإيراني في المشرق العربي، عقب احتلال العراق في 2003.
وعلى الرغم من أن من المبكر توقع طبيعة العلاقات التركية–السورية، سيما أن ملامح الدولة السورية الجديدة ونظام حكمها لم يتكشف بعد، إلا أن من المؤكد أن انهيار نظام الأسد يصب لصالح تعزيز الأمن التركي ولصالح توكيد الموقع التركي في ميزان القوى الإقليمي.
ولأن تقلبات المشرق وتدافعاته خلال مئة عام الماضية تقاطع فيها السياسي بالجيو–إستراتيجي والأيديولوجي، فلابد أن يطرح الانتصار الذي حققته الثورة السورية بقيادة إسلامية بحتة مراجعة في التيارات الأيديولوجية بالمنطقة، خاصة في الخطابات التحذيرية من مخاطر التيارات الإسلامية السياسية.
ولكن هذا كله عليه أن ينتظر قليلًا، إلى أن تتضح كيفية حسم تحديات التدافع الخارجي والداخلي وعواقبه في سوريا الجديدة.
_______________