
الربيع العربي والردة الديموقراطية
تعد تورات الربيع العربي، من أهم الأحداث التاريخية التي وصمت تاريخ المنطقة العربية في القرن الواحد والعشرين بوصفها الحركة الاحتجاجية البارزة في العصر الحديث بل وسجلت وقائعها بالخط العريض ،جعلت لنفسها مكانة متمايزة في التاريخ والتي لا يمكن تناسيها أو القفز فوقها.
ثورة شعبية انطلقت شرارتها الأولى من تونس على أعقاب وفات شاب في تونس تلتها احتجاجات شعبية كبيرة في صفوف الشباب والطلاب والمثقفين والتي أطاحت بنظام بن علي، انتقل تأثيرها لمصر أسفر عنها احتجاجات حاشدة قولبة بالعنف لإسقاط نظام حسني مبارك ، انتقل مدى هاته الشرارات الشعبية الى مجموع الدول العربية من المشرق نحو المغرب , احتجاجات كانت تروم نحو خلق نقلة نوعية في طبيعة الأنظمة العربية ، نحو مرتكز أكتر ديموقراطية وحرية واحترام لحقوق الإنسان منطلق يطمح القطع مع الأنظمة القمعية .
كانت هاته المحددات تلوح في أفق خلق نقلة نوعية في طبيعة الأنظمة في المنطقة العربية تروم نحو طمس معالم الأنظمة التقليدية و تركيز أسس الدولة الديموقراطية في المنطقة العربية قوامها دولة الحق والقانون وسيادة الشعب ، لكن سرعان ما استفاق الشارع العربي بواقع آخر ، واقع يروي تحول ربيع التغيير بنسيمه الطموح الى خريف عاصف من الدمار والحروب عصف بمجموع الدول العربية إلا قليل ، وذهبت معه أمال التغيير ، بتغيير زائف .
وبالرجوع الى دلالة الربيع العربي فهي تسمية غربية الأصل أطلقتها الصحف الأمريكية والأوروبية للدلالة على تحول استمدت روحه من الحركة التحررية لأروبا الشرقية والتي أصطلح عليها بربيع أروبا الشرقية لسنة 1968 وقد سبقتها حركة أخرى عرفت بربيع براغ لسنة 1948 كل هاته التمثلات كانت ترى في الحركة الربيع العربي تلك الورقة التي ستقلب معادلة الأنظمة العربية التي كانت توصف بالاستبدادية في أغلب الأحيان نحو تركيز أسس لدمقرطة سلطة الحكم .
رؤى كانت تنصب نحو المطالبة بإسقاط النظام الواحد والمطالبة بالتعددية ، إلا أن الانظمة العربية كانت ترى من التعددية او من نظام التعددية والديمقراطية بما يتضمنه من غياب المراقبة المباشرة على الفضاء العام وإباحة التنافس والصراع بين الأحزاب السياسية وحرية التعبير والتفكير، قد يساهم في توفير تربة صالحة لتزايد النفوذ الأجنبي وتنمية الصراعات الداخلية التي تهدد بتصديع الكيان الوطني وربما العودة نحو قيم الطائفية والعشائرية والمحافظة الدينية.
ويلتقي هذا التفكير النابع من الحرص على حد أدنى من الانسجام الداخلي الوطني مع رأي النخب الحاكمة التي تعتقد أن الحفاظ على الأمن والوحدة الوطنية ومنع التدخل الأجنبي.. كل ذلك لن يكون ممكناً من دون تقييد حرية الرأي والتعبير والحد من الحريات السياسية والتنظيمية.
إن الطرح البخيس الذي سوقت له الأنظمة العربية يتنافى وطبيعة المجتمع العربي بل على النقيض من ذلك تماما فإن فكرة الديموقراطية والتعددية كانت متجذرة في الفكر العربي إلا أن تورات الربيع العربي كانت بمثابة ابواق لإخراج هذا المطلب المجتمعي على اعتبار أن أول كلمة نطقها الشارع العربي هي المطالبة بإسقاط الأنظمة الدكتاتورية من خلال شعار ” الشعب يريد إسقاط النظام”
فيرى الكاتب المغتال جمال خاشقجي أن الثورات العربية وضعت حداً بشكل قاطع للرأي السائد بأن العرب والديمقراطية لا يلتقيان.
فالتحول الديمقراطي هو بداية لوضع حد لمبدأ الوصاية السياسية على المجتمع والرأي العام وللاعتراف بالحق الذي لا يصادر للشعب في تقرير سياسته بنفسه عبر ممثلين منتخبين بنزاهة وبطريقة دورية.
ويعني الانتقال عندئذ التدرج في تطبيق هذا الحق سواء من حيث ضيق أو اتساع دائرة المشاركين في التقرير السياسي، أو من حيث المراحل الانتقالية للوصول إلى تعميم حق هذه الممارسة السياسية حسب منظور برهان الدين غليلو.
ومن جهته يعتبر السيد هشام العلوي ان “الربيع العربي” ليس حدثا ، بل هو مسلسل. وفي الدول التي مضت بعيدا في درب التحرر السياسي، يغدو السؤال الأساس هل يمكن أن تتمأسس الديمقراطية، فالمؤسسات واستمراريتها لا تقتضي التطبيع الديمقراطي انخراط كل مواطن وكل حزب في نفس الإطار الإيديولوجي، ولكنه يفترض بالأحرى أن تصبح القوانين والمساطر الديمقراطية القواعد النهائية للعبة.
بل إن الديموقراطية أساسا هي تحقيق الصالح العام تحقيق التنمية ورعاية الحقوق والحريات ، والفوز بكراسي السلطة يقابله تحقيق الرفاه للشعب لا تغذيته بأيدولوجيات وحتى الإسلاميون أدركوا أن الفوز في الانتخابات لا يقوم فقط على الشعارات وعليهم على غرار أي حكومة منتخبة ديمقراطيا أن يلبوا انتظارات ناخبيهم عن طريق خيارات سياسية، وليس بالوعود الجوفاء المبشرة بالسعادة أو بالتصلب العقدي.
و كانت صدمة الطبقة السياسية ووسائل الإعلام في الغرب كبيرة وهم يرون أحزابا سياسية كالنهضة بتونس أو الإخوان المسلمين بمصر تفوز في انتخابات جاءت بها ثورة لم تشارك فيها إلا قليلا.
وفي النهاية خرج السيد هشام العلوي في كتابه 25 سنة 25 فكرة الى سؤال جوهري هل كان الربيع العربي مجديا و الأنظمة الملكية هل هي الهدف و يقول على أن هدوء الشارع العربي لا يعني اختفاء المسار الثوري ولا يعني بالضرورة تحقق الديموقراطية التي يأملها الشارع العربي .
إن الدرس الأساسي الذي نستخلصه من الربيع العربي ” مفاده أن تحقيق تحول سياسي واجتماعي يتطلب أكثر من مجرد تحركات منتظمة ,فرغم نجاح مطلب إسقاط ديكتاتور، يبغضه الجميع، يجب على القوى المعارضة التوفر على قدرات تنظيمية وكفاءات سياسية، وهو الجانب الذي افتقدته المعارضة المصرية بعد انتصارها السريع سنة 2011. عجزها عن التصدي لصعود العسكريين من جديد بقي في ذاكرة الكثيرين كبداية لنهاية الربيع العربي”.
انتهت معه مطالب الانتقال الديموقراطي الحقيقي الذي طمح إليه الشارع العربي، اصبحنا اليوم نسائل انفسنا بعد 13 سنة على الحراك العربي عن اية محصلة نتحدث .
أن هاته الاحتجاجات لم تحقق ما جاءت من أجله او على الأقل ان تحقق آمال وتطلعات الشارع العربي بل على العكس من ذلك أضحت هاته الأخيرة احتجاجات مفرغة لم تحقق مطالبها الأساسية التي جاءت من أجلها والمتمثلة أساسا في الحرية والعدالة والمساواة و الكرامة والاهم من ذلك الديموقراطية و خلق جو يسود فيه سمو القانون والتساوي أمامه .
إن فشل هاته المقاربة الاحتجاجية قد فرض منطق جديد على الساحة الدولية في مجال الحقوق والحريات فخسارة الشارع العربي لهذا الرهان قد ارجع مطالبهم تلك الى نقطة البداية بل على الأكثر من ذاك خلق الربيع العربي صرعات غيرت من واقع المنطقة العربية إلى منحى أدنى .
فسؤال الذي يفرض نفسه بشدة في ظل فشل مساعي الشارع العربي لإرساء دولة ديمقراطية قوامها سيادة دولة الحق والقانون يجعلنا نتساءل في ظل الردة الديموقراطية التي يعيشها المشهد السياسي العربي هل بالفعل أن العالم العربي منطقة عصية على الديمقراطية .
ماذا بعد الديموقراطية
إن الخيار الديموقراطي لم يعد ذلك المعطى المرجح للقطع مع اشكال الاستبداد وفساد النخب الحاكمة بل على النقيض من ذلك تماما أضحت الديموقراطية مجرد آلية شكلية لتبرير حكم الأقلية. فيقول الباحث علي أنزولا انه بات التمييز صعبا بين بعض الديمقراطيات الحديثة والأنظمة الإقطاعية القديمة .
بل أن الديموقراطية ليست الحل السحري لحل معضلة العالم العربي فهي لا تحمل الاجابات عن الأسئلة التي تفرضها الظرفية الراهنة .
إن الديموقراطية هي تلك قطعة البازل التي وضعت في الرقعة الخاطئة في الظرفية الخطأ لهاذ قد اعطت نتائج عكسية من انقسامات و حروب طائفية و دمار للدول لاكن لا ننكر ان توارت الربيع العربي رغم فشلها في مجمل الاحيان إلا أنها غيرت من شكل ممارسة السلطة نحو شكل اكتر عقلانية لاسيما على مستوى شمال إفريقيا و الخليج العربي بينما لاقت نتائج عكسية في سوريا والعراق ولبنان ومصر واليمن.
ويمكن ان نخلص إلى فكرة جوهرية مفادها أن الدول الحديثة أسيرة ماضيها فقط، ولا تقوم في نهاية المطاف إلا بتشخيص مسرحيات درامية عتيقة وبألبسة عصرية .
وبشكل عام فإن التحديات التي تواجهها الشعوب العربية أضحت تتجاوز مسائلة من يحكم ولماذا يحكم أو كيف يحكم بل أضحت تساءل الحاكم حول ما حققه وما لم يحققه فاصبح البحت ليس على من سيحكم بل اصبح البحت عن من سيحقق التنمية والرفاه و يحقق جزء من مطالب او حد أدنى من المطالب التي يفرضها المجتمع أو الشعب بشكل محدد.
وهنا بدأت الأنظمة الحاكمة ترى في تحقيق العدالة الاجتماعية وسيلة لضمان استمراريتها في الحكم وبالرجوع الى تقرير عن منظمة الإسكوا يحمل عنوان “ما تبقى من الربيع العربي مسار طويل نحو تحقيق العدالة الاجتماعية في المنطقة العربية مصر المغرب تونس دراسة حالة ” عن ارتباط شرارة ثورة الربيع بالعدالة الاجتماعية .
وكذا ماذا حققت الدول في مجال العدالة الاجتماعية بعد اعوام من التورة وتساهم دراسة العدالة الاجتماعية في استخلاص العبر حول العقد الاجتماعي الجديد المتشكل بعد الحراك الشعبي بين الدولة والمجتمع ، وبالتالي أضحت الأنظمة العربية ترى في تحقيق العدالة الاجتماعية ،أهمية قصوى للمواطن العربي على حساب الديموقراطية.
وبشكل عام فإن الديموقراطية هي مطلب اساسي لاكتمال صرح البناء الدستوري والسياسي في بلداننا العربية وهو مطلب سيظل قائما الى ان تنتقل طرق الحكم نحو هاذ المسعى، مسعى نظام حكم ديموقراطي فاعل و ذا تأثير ايجابي على حياة الفرد والمجتمع نظام قادر على خلق الثروة قادر على صون حقوق و حريات الأفراد وقادر على تحقيق الرفاه والسكينة و الرضى العام و الانسجام بين السلطة والمجتمع .
***
اعداد : بدر زيتوني – رئيس منتدى حقوقي ، باحث في العلوم القانونية والسياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط
_____________
