ثالثًاتحرك قوات حفتر نحو المنطقة الغربية:

أثار إعلان “الجيش الوطني الليبي” بقيادة خليفة حفتر إرسال قوات تابعة له إلى جنوب غربي ليبيا مخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية جديدة بين هذه القوات والقوات التابعة لحكومة الوحدة الوطنية.

جاء في بيان قوات حفتر أن التعزيزات العسكرية ستتوجه إلى مدن أوباري، وبراك، والشاطئ، وسبها، ومرزق، والقطرون، وأدري، وغات، وتقع كلها في غربي وجنوب غربي البلاد بمحاذاة الحدود المشتركة مع الجزائر ومع النيجر. وقد أكدت قوات حفتر أن هذه التعزيزات غير موجهة ضد أي جهة، وأن مهمتها هي بسط وتعزيز الأمن ومحاربة التهريب، وتسيير “دوريات صحراوية وتشديد الرقابة على الشريط الحدودي مع الدول المجاورة” لضبط الحدود والتصدي “لأي تهديدات قد تستهدف سلامة الوطن واستقراره”.  

لم تبدد تطمينات قوات حفتر مخاوف سلطات طرابلس؛ فقد أعلنت قيادة أركان الجيش التابعة لها رفع حالة التأهب ردًا على ما سمته “تحركات قوات حفتر باتجاه بلدة الشويرف الواقعة على بعد 450 كلم جنوب طرابلس. وحذر المجلس الأعلى للدولة من أن “التحركات المشبوهة لقوات الشرق بقيادة حفتر نحو مناطق جنوب غربي البلاد قد تنتج عنها العودة إلى الصراع المسلح الذي يهدد اتفاق وقف إطلاق النار”.

ويسعي حفتر عبر هذه التحركات العسكرية إلي تحقيق مجموعة من الأهداف؛ فمن جانب أول، ترتبط تحركات حفتر نحو المنطقة الغربية بملف الوضع الحالي في مدينة غدامس، إذ شهدت هذه المدينة حالة من الاستنفار منذ ديسمبر 2023، بين اللواء 444 التابع لرئاسة الأركان في حكومة الدبيبة، والقوات التابعة لقائد منطقة الجبل الغربي العسكرية، أسامة الجويلي، الذي يناصب الدبيبة العداء، وتقارب خلال الفترة الأخيرة هو ومكونات من مدينة الزنتان، مع خليفة حفتر، وبالتالي عد البعض تحرك الجيش الليبي نحو غدامس، تدعيمًا لمساعي الجويلي للسيطرة على هذه المنطقة المهمة.

ويهدف حفتر بشكل أساسي من خلف هذه التحركات إلى خنق الدبيبة اقتصاديًا؛ فمعلوم أنه يوجد في ليبيا ثلاثة أحواض نفطية فيها بترول وغاز، وتعتمد عليها أوروبا ودول أخرى. الأول حوض سرت في الشمال الأوسط، والثاني حوض مرزق في الجنوب. وكل منهما تحت سيطرة قوات حفتر. أما الثالث فحوض غدامس، ويقع في الجنوب الغربي.

هذا الأخير هو الذي توجهت إليه قوات حفتر. بهذا يمكن لحفتر وضع يده على ما تبقى من أحواض النفط والغاز، ما يمكنه من التحكم في استمرار أو إغلاق حقول النفط وفقًا لما تقتضيه مصالحه. كما أن المطار الموجود في مدينة غدامس يوفر قاعدة لوجستية وعملياتية حيوية في أية مواجهة مستقبلية محتملة، أو أية حملة للسيطرة على العاصمة طرابلس، كما ستمكن السيطرة عليه قوات حفتر من نقل العتاد والرجال جوًا بسلاسة وبكميات كبيرة من قاعدتها الرئيسية في الجفرة، وسط البلاد، ومن معاقلها في بنغازي وسرت إلى الغرب الليبي.

وقد كان لافتًا في هذا السياق، اعتبار الدبيبة أن حادثة الاشتباك بين كتائب تاجوراء، في 9 أغسطس 2024، استهدافًا واضحًا لتحالف الحكومة في طرابلس، ومحاولة لقطع خط إمداد رئيسي هو مصراتة – طرابلس عبر السيطرة على بوابة طرابلس الشرقية تمهيدًا لعزل الحكومة وحلفائها.

ومن جانب ثان، فإن هيمنة حفتر على منطقة اقتصادية ثرية بالغاز والنفط، يعني فتح شراكات قوية مع دول يشكل النفط والغاز أهمية كبيرة في سياساتها. يذكر أنه يوجد في حوض غدامس حقل الوفاء الذي ينتج يوميًا نحو 37 ألف برميل بترول، و23 ألف برميل من الغاز المسال، ويصدر معظمها لأوروبا عبر إيطاليا، عن طريق ميناء مليتة البحري، الواقع قرب مدينة الزاوية في غرب العاصمة.

كما ستجعل السيطرة علي مدينة غدامس من حفتر شريكًا لا غنى عنه بالنسبة للاتحاد الأوروبي الذي ظلت ليبيا تحتل مكانة مركزية في سياساته المتعلقة بمحاربة تدفقات الهجرة غير النظامية القادمة عبر المتوسط انطلاقًا من الساحل الإفريقي.

ما يعني أن الدول لأوروبية ستكون مضطرة إلي التنسيق مع حفتر – في حالة سيطرته علي حوض غدامس النفطي وملف الهجرة غير النظامية – وربما تغيير سياستها تجاه ليبيا وتوجيه دفة دعمها نحو حفتر بدلًا عن الدبيبة.

ومن جانب ثالث، يمكن موقع مدينة غدامس من يسيطر عليها في أن يفرض نفسه كأمر واقع على دول الجوار، مثل الجزائر المرتبطة بليبيا بمنفذ الدبداب في غدامس، وتونس التي ترتبط أيضًا بليبيا بمنفذ وزان القريب من غدامس. وبالتالي، ستفتح غدامس لحفتر، في حال السيطرة عليها، بابًا مشرعًا على التنسيق والتعاون الأمني، خاصة في مجال الهجرة غير النظامية.

رابعًا: الموقف الروسي:

يبدوأن عملية حفتر العسكرية الحالية نحو المنطقة الغربية مدعومة من قبل روسيا، فقد كشف تجمع من المحققين الصحفيين الغربيين والروس يُدعى “كل العيون على فاغنر” أن روسيا عدلت إستراتيجية نفوذها في إفريقيا على نحو جذري بعد مقتل مؤسس فاغنر، يفغيني بريغوجين، صيف 2023، فقد ضُمت الشركة التي كانت رأس الحربة في هذه الإستراتيجية للاستخبارات العسكرية وصارت بذلك جزءًا من وزارة الدفاع الروسية.

وفي ضوء الحرب الروسية الأوكرانية والقطيعة مع الغرب، تخلت روسيا عن إستراتيجية “التقدم بوجه مخفي”، وصارت تتبنى علنًا إستراتيجية نفوذها في إفريقيا، حسب هؤلاء الصحفيين الاستقصائيين.

وتوجد ليبيا في قلب الإستراتيجية الجديدة الرامية إلى تعزيز نفوذ الكرملين في القارة السمراء عبر ربط مناطق النفوذ بخط إمداد لوجستي يمتد من طبرق إلى إفريقيا الوسطى مرورًا بالنيجر ومالي وبوركينا فاسو، وربما تشاد قريبًا.

ويشكل ميناء طبرق نقطة ارتكاز أساسية في هذه البنية الإستراتيجية الروسية الجديدة. فقد كشف تجمع “كل العيون على فاغنر” أن سفينتي شحن روسيتين وصلتا هذا الميناء، في 8 أبريل 2024، قادمتين من ميناء طرطوس السوري وعلى متنهما كميات كبيرة من السلاح والمعدات. ويؤكد هؤلاء الصحفيون أن النشاط المسجل في ميناء طبرق يتعلق أساسًا بنقل المعدات والسلاح وليس الأفراد؛ ما يعني أن العملية لوجستية في المقام الأول.

ويبدو مما كشفه هؤلاء الصحفيون أن روسيا تخلت، ولو مؤقتًا، عن مساعيها للحصول على منفذ بحري على الواجهة الأطلسية للقارة الإفريقية لتعزيز وجودها ونفوذها في الساحل، واستعاضت عنه بميناء طبرق.

ويبدو هذا متسقًا مع تحرك حفتر إلى الجنوب الغربي باتجاه النيجر، كما يبدو أن حفتر سيكون لاعبًا مهمًا في الإستراتيجية الروسية الجديدة، التي لا تقتصر على معركة النفوذ في إفريقيا، بل تتجاوزها إلى التصدي لتبعات الحرب الروسية على أوكرانيا؛ خاصة العقوبات المالية الغربية على موسكو.

حيث أن سيطرة “فرقة إفريقيا” على ليبيا والساحل، بالتعاون مع حلفائها، سيمكن موسكو من الالتفاف على العقوبات الغربية، كما سيجعل منها شريكًا لا غنى عنه بالنسبة للاتحاد الأوروبي في مواجهة تدفقات الهجرة غير النظامية المنطلقة من الساحل الإفريقي عبر الأراضي الليبية وصولًا إلى البحر المتوسط.

خامسًا: الموقف الأمريكي:

ترتكز سياسة واشنطن تجاه ليبيا على رؤية تتلخص في الحفاظ على توازن القوى الحالي لما يحمله التغيير من مخاطر كبيرة قد يجاوز تأثيرها الجغرافيا الليبية، ويدير المسؤولون الأمريكيون الملف الليبي عبر قناتين: التعاون الأمني، ومراقبة التدفقات المالية.

حيث ينصب تركيز “الأفريكوم” على التهديدات الأمنية للمصالح الأمريكية في المنطقة، وقد تحولت أولوياتها مؤخرًا من ملف مكافحة الإرهاب إلى ملف التهديد الروسي الصاعد. وبدأت واشنطن خلال الأشهر الأخيرة، في العمل على تأمين وجود لها في غرب ليبيا.

وكانت النقطة الأهم في هذا الإطار، رصد وصول عدد من عناصر الشركة الأمنية الأميركية “أمینتیوم”، إلى ليبيا مؤخرًا، بموجب اتفاق مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، لتوفير التدريب لمجموعات مسلحة عديدة في العاصمة طرابلس، وبالأخص ثلاثة ألوية مسلحة رئيسية، وهي اللواء “444” واللواء “111” واللواء “166”.

وعلى الرغم من أن العنوان المعلن لهذه التدريبات، هو توحيد هذه التشكيلات المسلحة، وتدريبها على عمليات مكافحة الإرهاب وحراسة الحدود، إلا أنه يمكن النظر إليه من منظور أنها خطوة مقابلة للخطوات الروسية المماثلة.

وبالنسبة للقناة الثانية، يتابع المبعوث الأمريكي الخاص وفريقه ملف تدفقات عوائد النفط وإدارتها، الذي تقع في القلب منه المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي.

وقد شكلت سلطة المصرف المركزي عامل حسم في صراعات ومفترقات طرق سابقة، وذلك عبر قطع التمويل أو عرقلته عن السلطة التنفيذية، وكانت إجراءات خنق الحكومات تتم بالتوازي مع التحركات الأممية بقيادة البعثة الأممية والولايات المتحدة لإطلاق حوار سياسي يتوافق على سلطة تنفيذية جديدة، فمثلًا في 2015 لعب محافظ المصرف المركزي دورًا مهمًا في تمرير “اتفاق الصخيرات” بعد إيقاف تمويل حكومة الإنقاذ والمؤتمر الوطني العام، وتمويل حكومة الوفاق الوطني المتمتعة بشرعية التوافق الدولي.

وقد شاركت واشنطن منذ 2020 في تفاصيل تفاهمات الترتيبات المالية والتي تأتي على رأسها إدارة عوائد النفط وتوحيد المصارف المركزية المنقسمة في 2014، وذلك عبر ما يعرف بمجموعة العمل الاقتصادية المنبثقة عن مؤتمر برلين 1، والتي تضم ممثلين عن: الولايات المتحدة، مصر، الاتحاد الأوروبي والبعثة الأممية. وأشرفت واشنطن علي نظام المبادلة الذي بدأ العمل به في نوفمبر 2021 وهو نظام يتيح للمؤسسة الوطنية للنفط مبادلة النفط الخام مقابل الوقود بشكل مباشر.

كما أن واشنطن لم تكن بعيدة عن الصفقة السياسية بين حفتر والدبيبة، في يوليو 2022، التي أدت في النهاية إلى تمكين مرشح حفتر ومحافظ المصرف المركزي الأسبق “فرحات بن قدارة” من رئاسة المؤسسة الوطنية للنفط، مقابل رفع الحصار عن الحقول النفطية.

وبالتالي، فمن المتوقع أن تتدخل واشنطن بقوة لحل أزمة المحافظ المركزي، عبر القائمة برئاسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، الأمريكية ستيفاني خوري، والتي أعلنت عزمها عقد اجتماع طارئ تحضره الأطراف المعنية بأزمة مصرف ليبيا المركزي للتوصل إلى توافق يستند إلى الاتفاقات السياسية والقوانين السارية، وعلى مبدأ استقلالية المصرف المركزي وضمان استمرارية الخدمة العامة. كما دعت البعثة الأممية إلى اتخاذ الخطوات التي وصفتها بالملحة والمتمثلة في:

  • تعليق العمل بكل القرارات الأحادية المتعلقة بمصرف ليبيا المركزي

  • الرفع الفوري للقوة القاهرة عن حقول النفط والكف عن إقحام مصدر الدخل الرئيسي للبلاد في الصراعات السياسية

  • وقف التصعيد والإحجام عن استعمال القوة لتحقيق مآرب سياسية أو منافع فئوية

  • ضمان سلامة موظفي المصرف المركزي، وحمايتهم من التهديد والاعتقال التعسفي

وشددت البعثة على أن حل هذه الأزمة المستجدة يعتبر ضرورة ملحة لتهيئة الظروف المواتية لعملية سياسية شاملة، برعاية الأمم المتحدة ودعم المجتمع الدولي، يكون الهدف منها وضع ليبيا مجددا على سكة الانتخابات الوطنية، بما في ذلك من خلال التوافق على حكومة موحدة، لإنهاء أزمة تآكل شرعية المؤسسات وانقسامها.

_____________________

مواد ذات علاقة