مناف سعد

الأعمال العائلية
لكن كل هذا لم يستطع أن يشتري النصر لوالده. وكان على حفتر أن يقوي موقفه، مع هزيمة جيشه وارتفاع الاتهامات المتبادلة. وبطبيعة الحال كان صدام أحد المستفيدين الرئيسين من حاجة والده إلى أن يجمع في أيدي العائلة كل المناصب العسكرية والمالية والاستراتيجية للقوات المسلحة الليبية، فيمنع بذلك أي منافس محتمل من الحصول على وسائل عسكرية مستقلة.
ولم يقتصر ذلك على تقليم أظافر قبائل شرق ليبيا بالحد من وصول أبنائها إلى المناصب العسكرية العليا وإلى المعدات العسكرية، بل أيضا بإزالة أي شخص قد يتحداه.
و كان صدام يوما أحد أكثر عناصر حفتر المرعبة في بنغازي، وشكل حوله مجموعة من الأتباع المخلصين. فكان لا بد من التخلص منه حتى يتمكن صدام من إخضاع القوات المتبقية في المدينة.
ومنذ أواخر عام 2020، بات صدام وعلى نحو تدريجي معروفا كقناة اتصال جديدة مع الجيش الوطني الليبي، وبالتالي مع شرق ليبيا. ولم يكن سبب ذلك فقط أنه مع شقيقه خالد، كانا يسيطران على فلول الجيش الوطني الليبي وجميع أسلحته، بل أيضا بسبب علاقاته الدولية التي طورها منذ عام 2014، وعلى الأخص علاقاته مع الروس، أصدقائه الجدد، الذين سيساعدونه في تعزيز أنشطته الاقتصادية غير المشروعة.
وفي ربيع عام 2021، قطع حفتر العلاقات مع حكومة الوحدة الليبية المشكلة حديثا كما كان متوقعا، كي يبقي على الانقسام السياسي في ليبيا، وهو ما يحتاجه هو وداعموه الدوليون ليظلوا على صلة بالوضع الليبي وفاعلين فيه.
ولكن مع تطويق البنك المركزي لفروع البنوك التجارية في ليبيا لمنع المزيد من الديون، بات حفتر في حاجة ماسة إلى التمويل. وسوف يملأ صدام إلى جانب “مجموعة فاغنر” آنذاك، هذه الفجوة.
ويمكن استنتاج الدور الروسي في دعم هذا النمو، إذا أخذنا في الحسبان مدى ارتباط هذا الدور الوثيق مع حليف روسيا الإقليمي الآخر، الرئيس بشار الأسد في سوريا.
وفي أواخر أيام حرب طرابلس، تخلت “قوات فاغنر” بهدوء عن مواقعها على الجبهة كي تعيد الانتشار في المنشآت النفطية الرئيسة. وقد ساعد ذلك صدام كما قيل على تصدير كميات صغيرة من النفط الخام، وممارسة نفوذه على الشركات الشرقية التابعة لمؤسسة النفط الوطنية الليبية، مما سمح له بزيادة تهريب الوقود.
ونظرا لصعوبات طرح النفط أو الوقود الليبي المهرب في السوق العالمية، فقد مثلت سوريا أيضا زبونا جديدا مفيدا. وفي الاتجاه الآخر، تدفقت كميات كبيرة من الحشيش والكبتاغون (مادة الأمفيتامين التي تصنع في سوريا)، ووزعت في جميع أنحاء أفريقيا انطلاقا من موانئ طبرق وبنغازي.
وإلى جانب المخدرات، بدأ ازدهار تجارة تهريب المهاجرين من مناطق بعيدة مثل بنغلاديش إلى قاعدة حميميم الجوية في سوريا ثم إلى بنغازي ومنها إلى أوروبا.
وإلى جانب نمو دور صدام في اقتصاد الظل، تحرك أيضا للسيطرة على المزيد مما تبقى من الاقتصاد الرسمي. فأنشأ “وكالة طارق بن زياد للخدمات والإنتاج“، على غرار نموذج “هيئة الاستثمار العسكري” التابعة للقوات المسلحة الليبية.
سعت هذه الهيئة إلى الاستحواذ على أموال القطاع العام عبر عقود خدمية مع الدولة بدءا من صيانة الطرق وجمع النفايات إلى إعادة بناء المباني العامة في المدن التي دمرها الجيش الوطني الليبي.
كما استخدم صدام قوة الجيش الوطني الليبي للتغلغل في الشركات الرئيسة في شرق ليبيا مثل شركة طيران برنيق الجوية والبنوك التجارية المحلية. وهنا سهل بلقاسم، شقيق صدام، الذي كان يبني نفوذه على المؤسسات السياسية في شرق ليبيا، حصول “وكالة طارق بن زياد” على أكبر عدد ممكن من العقود الحكومية.
كما فتحت هذه الوكالة المزيد من القنوات الدبلوماسية لحفتر، حيث استفاد صدام من العقود الفرعية لهذه المشاريع المربحة مع الشركات الأوروبية والإقليمية على حد سواء، لتعزيز علاقاته الاقتصادية والدبلوماسية معها.
وما قام به صدام من مزج بين الجانب الاقتصادي والدبلوماسي مع استخدام أساليب العنف القديمة، جعل منه الخليفة البارز لوالده الذي يزداد تقدما في الشيخوخة.
ولم يكتفِ صدام بقيادة الجهود الدبلوماسية سعيا لانتخاب والده رئيسا خلال الفترة الانتخابية القصيرة والمحكوم عليها بالفشل في ليبيا عام 2021، بل سافر إلى إسرائيل مرات عدة، واعدا بالانضمام إلى “اتفاقات إبراهام“ إذا ضغطت تل أبيب لدعم رئاسة والده حفتر.
بالإضافة إلى ذلك، نشر قواته من “كتيبة طارق بن زياد” في مبنى محكمة سبها ليمنع ترشيح منافسه المحتمل سيف القذافي.
ثم في صيف عام 2022، غيرت دول داعمة لصدام، قواعد اللعبة. ففي صفقة عقدت بينه وبين عائلة الدبيبة (التي قادت حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس)، وافق صدام على رفع الحصار الذي يفرضه الجيش الوطني الليبي على صادرات النفط الليبية مقابل استبدال رئيس المؤسسة الوطنية للنفط الذي خدم لفترة طويلة، وإحلال محافظ البنك المركزي السابق فرحات بن قدارة محله.
فأزالت هذه الخطوة العقبات الأخيرة أمام تدهور الدولة الليبية، وسهلت الانهيار التدريجي للمؤسسة الوطنية للنفط مع ظهور وسطاء جدد لمبيعات النفط الخام، وتزايد التحايل على نظام تحويل مبيعات النفط الخام مباشرة إلى البنك المركزي، وتمكن صدام من السيطرة أكثر من أي وقت مضى على الشركات التابعة للمؤسسة الوطنية للنفط، وخاصة تلك التي تقوم بإعادة بيع الوقود.
ومع ازدياد حكم آل حفتر رسوخا، ازداد أيضا نفوذ صدام. ولم يقتصر الأمر على الضغط على الأكاديميين والناشطين والمحامين وغيرهم، إنما طال أيضا شخصيات بارزة أخرى، مثل وزير الدفاع السابق مهدي البرغثي، الذي اعتدي عليه مع عائلته لمجرد عودته إلى بنغازي، ربما لأنه نظر إليه كمنافس محتمل لما يتمتع به من جذور قبلية وعسكرية، حسب قول معارضين لصدام.
لم يكن بؤس شخصية صدام وبؤس حكم حفتر أوضح مما كان عليه في مدينة درنة. ففي سبتمبر/أيلول 2023، تسبب إعصار في انهيار سد مهمل منذ فترة طويلة، كاد يمحو المدينة التي دمرتها حرب القوات المسلحة الليبية السابقة.
وجاءت استجابة صدام الفوضوية، التي تركزت على الحفاظ على سيطرته أكثر منها على مساعدة الناجين، لتزيد من تفاقم الكارثة بالفعل. وعندما احتج الناجون وطلبوا المساعدة، ضرب صدام بقوة، واعتقل أعدادا كبيرة من الناس، وأغلق المدينة تدريجيا. وبعد أشهر عين البرلمان شقيقه بلقاسم مديرا تنفيذيا لصندوق إعادة الإعمار.
واستخدم هذا المنصب كما هو الحال مع وكالة طارق بن زياد، كوسيلة سياسية لتأمين الدعم الأجنبي عبر عقود مربحة، بينما ترك المواطنون يعانون من إهمال شديد لم يحدث من قبل.
القائد الذي يريده الآخرون
يجلس صدام بصفته قائد أكبر قوة في الجيش الوطني الليبي وحارس الوصول إلى حقول النفط الرئيسة ومحطات التصدير في ليبيا، على قمة “بيت من زجاج” يمثل ليبيا الحالية.
وعلى الرغم من اعتماده على روسيا في استعراض القوة، وعلى الأنشطة غير المشروعة للمحافظة على بقائه ماليا، فإنه يقدم ما يكفي من صورة وهمية عن الرجل القوي لمواصلة حشد الدعم له.
وقد أغرت المكافآت المالية حتى تركيا للعمل من خلاله، وهي التي كانت ترى في عائلة حفتر ذات يوم العائق الأكبر أمام استقرار ليبيا.
كما تمكن بسيطرته على تدفقات الهجرة من تدجين إيطاليا وغيرها من الأوروبيين الذين اتبعوا ذات يوم عملية سياسية وطنية. وقد جعل دوره المسؤول عن كتيبة طارق بن زياد قناة لمخططات أميركا للبدء في بناء قوة ليبية موحدة (على الرغم من المفارقة الروسية القائمة). وكل هذا تعززه دول عربية، بدعمها الدبلوماسي والمادي الكبير والطويل الأمد.
ربما كان صدام ثوريا غير نمطي، لكنه يجسد نمط السياسة الليبية في مرحلة ما بعد الثورة وعلاقاتها الدولية. حيث تتقدم المصلحة على الاستقرار، وحيث تحقيق التوازن في الشبكة الدولية حول ليبيا هو الجانب الأهم في أي نظام سياسي ليبي.
وصدام هو تجسيد حي لفشل السياسة الليبية منذ عام 2014.
ونجاحه وصعوده ليس لأنه بنى شيئا، بل لأن هناك دورا يحتاج من يشغله. فمؤيدو “الكرامة” بحاجة إلى شخص لإدارة عمليات نقل الأسلحة إليهم. وكان والده يحتاج إلى واحد من عائلة حفتر كي يجلس اسميا على رأس الشركات. وكان الروس بحاجة إلى شخص محلي يعملون من خلاله لمنح مهامهم إمكانية معقولة للإنكار.
ويبدو أن الشيء الوحيد الذي يألفه صدام نفسه ويبرع فيه هو السلطة. والصورة الوهمية عن صدام كرجل قوي وزعيم كفء على نحو مستقل، ليست موجودة إلا لأن هذه الصورة هي ما يريده كل من يتعامل مع ليبيا اليوم. وإذا تغير هذا الدعم فسوف تتبخر قوته.
غير أن هذه السياسة لا تؤكد ولا تقوي سوى الأنشطة التي أوصلته إلى ما هو عليه، أي إنها تعمل على الإعداد لأزمات مستقبلية. ويمكن رؤية انتقاله من صدام المفيد إلى صدام المشكلة في أوائل أغسطس/آب 2024، حيث أغلق أكبر حقل نفط في ليبيا، زاعما أن هذا بسبب إهانة أوروبا بعد ضبطها شحنة أسلحة حاول شراءها بطريقة غير مشروعة من الصين (مقابل النفط).
من المرجح أن يُنصب صدام حفتر قائدا قادما لليبيا، خاصة مع تقدم والده في السن. لقد أعطته سلالم العلاقات الدولية وميله إلى العنف ونشاطه الاقتصادي الذي استخدمه لتسلق سلم العلاقات الدولية وضعا متميزا وسط النخبة السياسية في ليبيا.
لكن في نهاية المطاف سينهار بيت الزجاج، وستتبدد الصورة الوهمية عن قوة صدام، وعندها سيكون السؤال الوحيد هو:
هل هناك ما يكفي من ليبيا المتبقية لإعادة بناء ما كان يأمله الثوار الذين طردوه أولا من بنغازي؟
***
مناف سعد ـ صحافي مقيم في الشرق الأوسط، يحجب اسمه الحقيقي لأسباب أمنية
________________