عبدالله الكبير

هدأت خطوط جبهات الصراع مؤقتا ماعدا جبهة المصرف المركزي، إذ يشتد الصراع حول السيطرة على موارد البلاد، بالسيطرة على المصرف الذي فقد مؤخرا اتزانه بين الكتلتين المتصارعتين، معسكر عقيلة/ حفتر وسلطات طرابس.
فقد تراجع مجلس عقيلة عن قرار إعفاء المحافظ الحالي الصدّيق الكبير وتعيين محمد الشّكري، فور تحرك المجلس الرئاسي نحو التنفيذ، وقرر عبر بيانه الأخير تثبيت الكبير في موقعه، ثم تراجع معلنا أن البيان مزور، ما يعكس حالة الصراع داخل مجلس عقيلة، وانقسامه إلى أكثر من تكتل، بفعل التأثير الحاسم للسلطة المسلحة الحاكمة في الشرق على قرارات مجلس عقيلة، ويمكن لجبهة المصرف المركزي أن تشعل من جديد كل جبهات الصراع السياسية والعسكرية والأمنية الإعلامية.
المجلس الرئاسي الذي طالما نأى بنفسه عن دوائر الصراع، مكتفيا بدور المتفرج العاقل الساعي إلى التهدئة وإطفاء الحرائق، لم يعد يملك ترف لعب هذا الدور المريح، فالانتقادات والضغوطات واقتراب ألسنة لهيب الصراع منه دفعته إلى التحرك، فأصدر قرار تأسيس المفوضية الوطنية للاستفتاء والاستعلام الوطني، والتي ستعنى وفقا للقرار بإجراء الاستفتاءات الوطنية، واستطلاعات الرأي العام في مختلف القضايا التي تشغل الناس.
سرعة الرد من عقيلة ومجلسه على قرار الرئاسي، تعكس حالة التهديد الوجودي الذي استشعره عقيلة ومجلسه، فالقرار يسحب من صلاحيات مفوضية الانتخابات، والعمل به يعني العودة للشعب في ملفات مهمة كمسودة الدستور، لذلك أعلن مجلس عقيلة شطب اتفاق جنيف، واستعادة صلاحيات القائد الأعلى من الرئاسي، واعتبار حكومة الوحدة الوطنية منتهية.
ولم تنته التطورات المتسارعة عند هذا الحد، فعاود الرئاسي الكرة على جبهة الشرق، وأقال محافظ المصرف المركزي، وقرر إعادة تشكيل مجلس إدارة المصرف.
هذه مجمل تطورات أسبوع صاخب بالأفعال وارتداتها، والبيانات والبيانات المضادة من كل أطراف الصراع، وبالموازاة وفي معركة أقل حدة، استمر السجال بين محمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة ومنافسه خالد المشري، حول رئاسة المجلس بعد الخلاف والجدل حول ورقة تصويت أحد أعضاء المجلس في انتخابات رئاسة المجلس الاخيرة.
كل الخلافات السياسية خلال الشهور والسنوات الماضية، لم يكن لها إلا الحد الأدنى من الأثر المباشر على معيشة الناس، لذلك لم يكثرت الناس بكل التجاذبات والصراعات السياسية، ولكنهم غضبوا من الضريبة التي فرضت على مبيعات النقد الأجنبي، لأن أثرها كان مباشرا على شؤون المعيشة، لذلك إذا لم يحسم الخلاف حول قيادة المصرف المركزي بقبول من كل الأطراف، وتحييده عن هذه التجاذبات فالصراع سينجرف بشكل حاد إلى مستويات خطيرة.
معسكر عقيلة وحفتر كان يراهن على المحافظ الحالي الصديق الكبير، ليحصل على نصف الميزانية على الأقل، فإذا استبعد الكبير ولم يكن لهم دور في اختيار خليفته، سيبادر حفتر إلى قفل النفط من جديد، وإذا حصل على دعم دولي أو حتى من حلفائه في المنطقة العربية قد يبادر إلى هجوم جديد على العاصمة.
ثمة دعوات محلية ودولية للتهدئة والابتعاد عن لغة التصعيد، ولا نعرف هل ستكون هناك استجابة أم لا لهذه الدعوات، أما ما يقع على جهة اليقين، فهو أن البلاد تحكمها عصابات لا تملك حتى القدر الأدنى من منطق إدارة الدول.
______________
