بقلم المهاجر

اطلعت، كبقية الليبيين المتابعين لتصريحات النخبة السياسية الليبية وخاصة الذين عرفوا واشتهروا بتصريحاهم المهمةو الجريئةمثل الدكتور محمود جبريل، أحد قادة ثورة 17 فبراير المجيدة (!)، وزعيم وقائد حزب تحالف القوى الوطنيةوالخبير الدولي المعروف.

وبعد قراءة متأنية لكل كلمة نقلتها الشرق الأوسطعن الدكتور جبريل، صُدمت بكمية المغلطات والمعلومات المضللة التي تفوه بها الخبير الدولي ما دفعني للقيام بمحاولة التعليق على تلك التصريحات بما توفر لدي من معرفة بالأوضاع في ليبيا كمواطن ليبي مغترب عن الوطن منذ عدة سنوات. وحيث أن المقابلة طويلة نسبيا، فإني مضطر لتقسيمها إلى عدة أجزاء.

الجزء الثاني

يقول محمود جبريل: “المفارقة أن ليبيا مع قلة سكانها هي الدولة التي تمتلك عائدات نفطية ومالية، وشاسعة المساحة. وقد بدأ بعض الدوائر الأوروبية يدفع في هذا الاتجاه: بما أن ليبيا كبيرة المساحة وقليلة السكان وتتوافر فيها الثروة، فإنها تستطيع أن تستوعب ما بين 40 و50 مليون أفريقي، فلمَ لا تكون وطناً بديلاً للأفارقة، ونحل بالتالي مشكلة الهجرة غير الشرعية. وطبعاً مثل هذه المجادلة تغري كثيرين.

الخبير الدولى الاستراتيجي يؤكد ويصر على أن هناك من يفكر وربما يخطط لتوطين ما بين 40 و 50 مليون أفريقي وجعل ليبيا وطنا بديلا للأفارقة، وهذا التصريح بهذه الأرقام يطرح عدة تساؤلات:

هل يدرك الخبير الدولي ماذا يعني تجميع وتوطين 50 مليون شخص في ليبيا؟ فحسب آخر الإحصاءات لتعداد السكان في الدول الأفريقية، فإن ذلك الإدعاء يعني نقل جميع سكان دول (تشاد ومالي والنيجر وبوركينا فاسو) إلى ليبيا وتوطينهم في مناطق الساحل والصحراء الليبية.

هل يتفضل الخبير الدولي ويخبرنا من ستولى أنشاء العديد من المدن والقرى على الساحل وفي الصحراء والواحات التي سيقيم فيها هذا العدد من البشر؟ وماذا عن البنى التحتية الضرورية لمعيشة هؤلاء الملايين وتوفير احتياجاتهم من الماء والغذاء والطاقة وغيرها من ضرورات الحياة؟

يقول محمود جبريل: “عندما نبني جيشاً في ظل مثل هذه الظروف (قلة السكان، وكبر المساحة، وتوافر الثروات، والتهديدات المحتملة) فقد توصلنا إلى أن الجيش يجب أن يكون وفق ما يُعرف بـ«الجيش الذكي» (سمارت آرمي) وهو شبيه بالجيش الإسرائيلي: سلاح جوي ضارب، قوي للغاية، لتجسير مشكلة مساحة المكان، وحرس حدود قوي، واعتماد قوي جداً على التقنية، مع احتياطي يصل إلى 100 ألف مقاتل تتم تعبئتهم عند الحاجة فقط”.

الخبير الدولي الاستراتيجي أعطانا إحساس بأنه يفتخر بالجيش الإسرائيلي الذكيرغم أنه على علم بأن هذا الجيش له مواصفات أخرى بالإظافة لكونه ذكي” . فهو جيش محتل وقاتل وعنصري وقادته وضباطه وجنوده مجرمو حرب مسؤولون عن عقود من الجرائم المحرمة دوليا ، فهل يريد الخبير الدولي شي من تلك المواصفات للجيش الذي يبشر به.

يقول محمود جبريل: “الانتفاضة استُغِلت. كانت حراكاً شبابياً عفوياً استُغل من قبل القوى المنظمة والممولة والمدعومة خارجياً ونحت بها إلى منحى آخر

الخبير الدولي الاستراتيجي مصر على تسمية ما حدث في ليبيا بالانتفاضة ويقول أن استُغِلت من قبل القوى المُنظَّمة والمُمَوّلة والمَدعومة خارجيا، وحيث أنه كان بمثابة رئيس الوزراء آنذاك، لماذا لم نسمع منه هذا الكلام خلال أكثر من 8 أشهر سقط خلالها الألاف من الشهداء والجرحى؟ ومن هي تلك القوى المُنظَّمة والمُمَوّلة والمَدعومة خارجيا؟ ألم يكن هو ومكتبه التنفيذي مُنظَّما ومُموَّلا ومَدعوما؟ وكيف استطاع أن يتنقل بين القارات بطائرة خاصة وقد كان معروفا عليه أنه لم يكن يحب أن يبقى في بنغازي المحررة لإدارة مكتبه التنفيذي وقد تولى ذلك آخرين بالنيابة عنه. فلماذا لا تفصحوا على ما لكم وما عليكم؟ لعل المواطن المسكين يجد لكم الأعذار في ما أخفقتم فيه ولعله يغفر لكم كل ادعاءاتكم وأكاذيبكم عن الثورة ومستقبلها.

يقول محمود جبريل: “وهناك مغالطة يقع فيها كثيرون وهي مقارنة نظام سبتمبر (أيلول) بما يسمونه نظام فبراير. سبتمبر كان نظاماً استمر قرابة 42 عاماً ولديه كتابه الأخضر ونظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي. اتفقت معه أم اختلفت، كان نظاماً، وسُمّي النظام الجماهيري. فبراير انتفاضة لم تتحول إلى نظام بل إلى فوضى. لم يكن هناك مشروع يلتف حوله الليبيون لخلق نظام جديد. بالعكس، كانت فرصة وضاعت”.

الخبير الدولي الاستراتيجي تحدث بشئ من الحنين لنظام القذافي وهذه مسألة خاصة به. المدخل لحديثه أنه لا يريد لأحد أن يقارن بين انقلاب القذافي وثورة فبراير، وهذا رأيه الخاص قد يشاركه فيه البعض. ما يهمنا هو الطريقة التي تحدث بها ووصف بها ما أسماها انتفاضة فبرايرفقد أكثر القول بأنها انحرفت وسُرقت وتحولت إلى فوضى، وله كامل الحرية أن يعبر عن رأيه. ولكن المستفز في كلامه قوله لم يكن هناك مشروع يلتف حوله الليبيين لخلق نظام جديدفإذا لم يكن هناك مشروع، ماذا كان يفعل هو ومكتبه التنفيذي خلال أشهر الانتفاضةوما هو مبرر وجود تحالفه في المؤتمر والبرلمان والحكومات الثلاث؟ وما الغاية من كل سفرياته ولقاءاته لزعماء العالم ومقابلاته الصحفية التي صدّع بها رؤوسنا؟ هل يمكن أن يصدر هذا الكلام عن خبيرالتخطيط الاستراتيجي المستقبلي في ليبيا؟

يستطرد محمود جبريل: “بعد الانتفاضة كان يمكن ذلك (بناء نظام جديد). انتخابات يوليو (تموز) 2012 كانت فرصة لبداية تأسيس نظام. للأسف تلك الفرصة سُرقت وبقوة السلاح نتيجة انعدام الوعي لدى رجل الشارع الليبي الذي وقف وحلمه يُسرق من أمام عينيه ولم يُحرك ساكناً.

الخبير الدولي الاستراتيجي مصر على تنزيه ذاته واتهام الآخرين بالفشل. الدكتور حدد انتخابات 2012 ببداية السقوط والفشل وقال أنها فرصة سُرقت بقوة السلاح. وبكل وقاحة يرمي اللوم على المواطن ـ رجل الشارع الليبي ـ عديم الوعي كما يصفه لأنه وقف يتفرج وحلمه يسرق من أمام عينية ولم يحرك ساكنا.

أولا: بالنسبة لانتخابات 2012، التي شهد العالم بنزاهتها خاصة بعد أربعة عقود خلت من أي تجربة ديمقراطية، وأعطت لتحالف الدكتور أعلى نسبة من المقاعد في المؤتمر الوطني، ماذا فعل ممثلو التحالف في المؤتمر لإنجاح التجربة الديمقراطية الوليدة، وماذا كانت مساهماتهم التشريعية والقانونية والسياسية وكيف كانت مداولاتهم ونقاشاهم، هل أدت جهودهم إلى تحقيق التفاهم والتوافق والتراضي بين الفرقاء أم أنهم كانوا أدوات للشقاق والنفاق والفساد؟ لقد شاهد رجل الشارع تصرفاتهم واستمع لمداخلاتهم وتعرف على أخلاقياتكم وله حكمه الخاص به في كل النخب التي تصدت للمشهد السياسي أنذاك. وهذا موضوع نتركه للبحاث والدارسين لكشف الحقائق التي تحاولون طمسها وإعادة كتابة تاريخ هذه الثورة المباركة التي عانت منكم. أنتم النخب والقادة والزعامات ودهاقنة السياسة جميعا تتحملون مسؤولية فشلها وليس المواطن البسيط ورجل الشارع.

ثانيا: بالنسبة لدورك أنت يادكتور محمود، فقد رشحت نفسك لرئاسة الوزراء، وتحصلت على أعلى نسبة من الأصوات في المرحلة الأولى ولكنك لم تستطع أن تقنع أغلبية أعضاء المؤتمر بأهليتك لرئاسة الوزارة ولم تفز في المرحلة الثانية أمام الدكتور مصطفى ابوشاقور. ولكنك لم تقبل تلك النتيجة (الديمقراطية) وتآمرت عليها مع حزب العدالة والبناء (الاسلام السياسي الذي تشن حملتك عليه وتتهمه بكل ما يريده داعموك من دول الثورة المضادة). وكان الثمن أن يفشل أبوشاقور في تشكيل حكومته وينسحب من المعركة، وجئت بعلي زيدان الذي حاول أن يكحلها فأعماها. إن عدم قبولك لنتائج الانتخابات هي السابقة التي ستتبعها أخريات، منك أو من غيرك والسبب بسيط فليبيا ابتليت بكم ولن تتمكن من تحقيق أي تقدم في مشروعها للتحول الديمقراطي، فلا ديمقراطية بدون ديمقراطيين.

ثالثا: بالنسبة لاتهامك للمواطن العادي بعدم الوعي وبالسلبية الذي سمح للسارق أن يسرق حلمه من أمام عينيه ولم يحرك ساكنا، أقول لماذا تصرون على وضع العربة أمام الحصان. ألستم أنتم القادة والموجهين والخبراء الذين تقع عليهم مسؤولية قيادة الناس أو الجماهيرلإحداث التغيير وتحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبري؟ ألم يسلّم المواطن المسكين لكم رقبته ودفع بأبنائه وبناته أمامكم بصدور عارية يمنع عنكم قذائف وصواريخ وقنابل القذافي. لقد كان مشغولا بالمشي وراء جنائز أبنائه لدفنهم بيديه وظل يعاني الآخرين من الجرحي والمبتورين والمرضى النفسانيين الذين لم تنتصروا لهم. أنتم كنتم، في المقابلئن تتصارعون على أتفه الاسباب في الفنادق وقاعات المؤتمرات. ألا تخجلون من تنزيه ذواتكم وتوجيه أصبع الاتهام للمواطن البسيط الذي فقد كل شئ من أجل مشروعكم الذي تنكرتم له بعد فشلكم.

لماذا لا تعتذرون للشعب الليبي وتعترفون أمامه بأدواركم السيئة في إفشال  ثورة الشباب الليبي، والتمكين للثورة المضادة.

***

نتوقف هنا ونعود للبقية في الجزء الثالث والأخير

___________


مواد ذات علاقة