بقلم المهاجر

اطلعت، كبقية الليبيين المتابعين لتصريحات النخبة السياسية الليبية وخاصة الذين اشتهروا بتصريحاهم المهمةو الجريئةمثل الدكتور محمود جبريل، أحد قادة ثورة 17 فبراير المجيدة (!)، وزعيم وقائد حزب تحالف القوى الوطنيةوالخبير الدولي الاستراتيجي المعروف.

وبعد قراءة متأنية لكل كلمة نقلتها الشرق الأوسطعن الدكتور جبريل، صُدمت بكمية المغالطات والمعلومات المُضَلِّلة التي تفوه بها الخبير الدولي ما دفعني للقيام بمحاولة التعليق على تلك التصريحات بما توفر لدي من معرفة بالأوضاع في ليبيا كمواطن ليبي مغترب عن الوطن منذ عدة سنوات. وحيث أن المقابلة طويلة نسبيا، قمت بتقسيمها إلى عدة أجزاء.

الجزء الأول

يقول محمود جبريل : “لم يكن الانقطاع خياراً بل كان اضطراراً، فبعد عملية «فجر ليبيا» (في صيف 2014) أصبح هناك تهديد أمني حقيقي تُرجم في حرق مقرات تحالف القوى الوطنية في طرابلس والعبث بملفات أعضائه. لم يقتصر ذلك على طرابلس بل امتد ليشمل غالبية مدن المنطقة الغربية”. قام بذلك من يسمّون أنفسهم «تنسيقية العزل السياسي»، وهم مجموعات محسوبة على الإسلام السياسي كانت تسمي نفسها في البرلمان (يقصد المؤتمر) «كتلة الوفاء للشهداء». “

الخبير الدولى الاستراتيجي حصر حالة التهديد الأمني الحقيقي في “فجر ليبيا” فقط ولم يذكر أن عملية فجر ليبيا جاءت بعد انقلاب حفتر ومشروع “الكرامة” الذي استهدف مشروع الإنتقال الديمقراطي برمته وبكل مؤسساته التشريعية والتنفيذية بدء من إلغاء الإعلان الدستوري ومرورا بتتفيه نتائج انتخابات 2012 وانتهاء باقتحام المؤتمر الوطني وتهشيم قاعة مداولاته. كما أن انقلاب حفتر استهدف إلغاء كل ما صدر عنه من قوانين وقرارات، بما فيها ما شارك في أصدارها ممثلي حزب الدكتور جبريل الذي مثل الأغلبية النسبية في المؤتمر الوطني العام.

يقول محمود جبريل: “ما حصل كان انقلاباً حقيقياً على العملية الديقراطية في ليبيا. حصل ذلك عام 2012 بعد الانتخابات الأولى (التي فاز فيها التحالف)، ثم تكرر عقب الانتخابات النيابية عام 2014.”

الخبير الدولى الاستراتيجي يصف ما حدث بعد انتخابات 2012 بأنه إنقلاب حقيقي على الديمقراطية، ولكنه تناسي ما فعل هو شخصيا قبيل وأثناء انتخابات 2012 بوضع صوره الكبيرة جدافي أكبر الشوارع وأمام مراكز الاقتراع إيحاء للناس بأنه أحد المرشحين وبالتالي صوت كثير من الناس لقائمة التحالف وذلك ما يمثل مخالفا لقواعد الحملات الدعائية في الدول الديمقراطية في العالم .!

يقول محمود جبريل: “حصلت عملية «فجر ليبيا» وطُرد البرلمان (الجديد المنتخب) من طرابلس، وهُجّر أعضاء تحالف القوى الوطنية، وبعضهم تعرض لمضايقات وتنكيل وتوقيف. وبالتالي، ترْك طرابلس لم يكن خياراً بل نتيجة اضطرار”.

الخبير الدولى الاستراتيجي في هذه الفقرة يقوم (بقصد أو غير قصد) بتضليل الناس بقوله أن البرلمان الجديد المنتخب طُرد من طرابلس، ولكن الدكتور لم يوضح لنا من طرد البرلمانوكيف تم طَردُه من مدينة طرابلس وهو لم يتواجد فيها أصلا، فطرابلس لم تكن مقره الرئيس بل البرلمان هرب إلى طبرق وترك مقره في بنغازي باختياره. الغريب أن هناك محاولة من الدكتور للربط بين البرلمان (المنتخب) وبين التحالفمع أن الصراع بين التحالف وبين الأطراف الأخرى (الاسلاميين مثلا) بدأ واستفحل قبل انتخاب البرلمان بسنين، فهل المقصود هو أن نقبل بفكرة أن البرلمان والتحالف هما في نفس الخندق ضد القوى الأخرى، أو أنهما وجهين لنفس العملة! (!!) .

يقول محمود جبريل: “في أغسطس (آب) الماضي، نظمنا ندوة دولية (!) بمدينة الحمامات التونسية، وطرحنا مبادرة استغرق إعدادها نحو سنة كاملة من التشاور مع أطراف نسميها فاعلة على الأرض. بدأت تلوح في الأفق استجابة من بعض هذه الأطراف. فعلى مستوى التشكيلات المسلحة، جاءتنا استجابة من «كتيبة النواصي» وهي إحدى الكتائب الكبرى في طرابلس”.

الخبير الدولى الاستراتيجي تطرق إلى ندوة دوليةعقدها في مدينة الحمامات التونسية ولكنه لم يذكر لنا الدول التي شاركت فيها، فهل شارك فيها دول غربية مثلا، أم شارك فيها دول من محور الإمارات ، أم من محور قطر كما نفهم من تصنيفاته لمواقف الدول من الأزمة الليبية. ويقول أيضا بأن المبادرة استغرق إعدادها نحو سنة كاملة ثم ركز بقوله أنه على مستوى التشكيلات المسلحة، جاءت الاستجابة الوحيدة من كتيبة النواصيبمنطقة سوق الجمعة التي وصفها بأنها إحدى الكتائب الكبرى في طرابلس، مما يوحى بأن هناك عدد آخر من التشكيلات المسلحة التي لم تستجب لما ورد في المبادرة. المهم في هذه الفقرة أن الدكتور بين لنا بأن عودته لطرابلس جاءت تلبية لدعوة كتيبة مسلحة تدعي النواصي يقودها السيد هاشم بشر ولولاها لما تمت عودته للعاصمة، وله نوجه كل الشكر على هذا التوظيح حتى لا يتبادر إلى ذهننا بأن عودته لها علاقة  بـ انعقاد المؤتمر الجامعأو بـ الانتخابات الرئاسيةالقادمة.

يقول محمود جبريل: “أحبّوا (يقصد شباب النواصي) مناقشة المبادرة وأبدوا استعداداً مبدئياً للخوض في تفاصيلها. وُجّهت دعوة فقبلْتها وسافرتُ إلى طرابلس حيث مكثت يومين. كان النقاش رائعاً ومسؤولاً وترتبت عليه خطوات عملية وتشكلت لجنة تحضيرية ستجمع سياسيين وقادة تشكيلات مسلحة وبعض القوى الاجتماعية “(الأعيان)، أي الشرائح الثلاث التي نعتقد أنها تمثّل القوى على أرض الواقع.

الخبير الدولى الاستراتيجي برر لنا عودته لطرابلس بأنها كانت بناء على دعوة موجهة من كتيبة النواصي وهو بدوره قَبَلَها برغم المخاطر الأمنية التي أكدها أكثر من مرة في المقابلة بقوله أن الكتائب المسلحة والميليشيات تسيطر على طرابلس، واستطرد بأنه أدار نقاش رائع ومسؤول مع شبابها” أي شباب النواصي ونتج عن ذلك تكوين لجنة تحضيرية بين التحالف والنواصي لجمع سياسيين وقادة تشكيلات مسلحة وبعض القوى الاجتماعية الذين وصفهم بـ الأعيانالذين يعتقد هو أنهم يمثلون القوى على أرض الواقع. ولكن لم يوضح لنا الدكتور الأهداف المرجوة من تلك اللجنة التي وصفت بالتحضيرية ولا ندرى أي شئ عن ما تحضر له بجمع السياسيين وقادة التشكيلات المسلحة والأعيان.فهل هناك علاقة بين ذلك وبين المؤتمر الجامع أو الانتخابات الرئاسية التي سيشارك فيها.

يقول محمود جبريل: «كتيبة النواصي» ناشطة في سوق الجمعة بطرابلس، وهم لا يُحسبون على الإسلام السياسي. أما بالنسبة إلى موقفهم من حكومة السراج، فهم دعموها في البداية باعتبارها حكومة وفاق، ولكن في ضوء الأداء المخزي والفاشل لهذه الحكومة باتت القوى كافة تبحث عن بديل.

الخبير الدولى الاستراتيجي أكد أن كتيبة النواصي ناشطة في سوق الجمعة ولكنه لم يوضح أي أنواع النشاط الذي يقصده ( هل هو نشاط سياسي اجتماعي أمني اقتصادي عسكري أو غير ذلك) ثم نفى عن النواصي ارتباطها بحكومة السراج (وعلل ذلك بالأداء المخزي والفاشل للسراج)، ونفى بقوة أنهم (أي شبابها) محسوبون على الاسلام السياسي، ولكنه تجاهل طبيعة انتماءاتهم الحقيقية، فليس هناك لامنتمييحمل السلاح في ليبيا الآن. فشباب الكتائب المسلحة ينتمون إلى هويات عديدة منها الديني والقبلي والجهوي والإثني ومنهم أيضا الوطني وفيهم كذلك المجرمين والمهربين والمخربين والمرتزقة والعملاء والمأجورين. فكتيبة النواصي معروفه بانتمائها للتيار السلفي المسلح في ليبيا.

سكان سوق الجمعة يعلمون أن مجموعة بشرلا تختلف عن مجموعات التاجوري وكاره وغنيوة وغيرهم من السلفيين. ولعل الدكتور جبريل قصد بأنهم ولو كانوا سلفيين فهم غير محسوبين على الاسلام السياسي” وهذا المهم لديه؟ المشهور عند الناس أن الكتائب المسلحة العاملة في سوق الجمعة هم من السلفيين الذين ارتبطوا بجماعة المداخلة، فهم فعلا ليسو من الاسلام السياسيولكنهم من الاسلام السلفي المسلح” فلم يعودا من مجموعة “إلزم بيتك” بل تحولوا إلى إلزم سلاحك وشيخك. بل أن أصبع الاتهام تشير إليهم فيما يتعلق بعدد من الاغتيالات التي استهدفت بعض الشخصيات الوطنية والدينية (نادر العمراني مثلا) في العاصمة وكذلك تورطهم في تهديم العديد من المساجد والمقابر والزوايا الصوفية في العاصمة طرابلس والمدن المجاورة. إما أن الدكتور أراد أن ينفي عنهم التطرف الإسلاميالذي يربطه هو ومموليه بـ الاسلام السياسي، أو أنه لا يدري تفاصيل مكونات الاسلام الحركيفي طرابلس بما فيهم المداخلة لأن الواضح للعيان الآن بأن الدول الممولة للثورة المضادة تقبل وترعى أجندات المداخلة في ليبيا بدون تحفظ، أو أن الدكتور لا يعير أجندتهم الأرهابية ضد أهل التصوف ومساجدهم إي اهتمام.

يقول محمود جبريل: “فقد اتضح أن ما قام به المجتمع الدولي من تنصيب لهذه الحكومة (يقصد حكومة السراج) لم يكن الحل الأنسب. فالحكومة تتمتع بدعم الشرعية الدولية لكنها لا تتمتع بالدعم الوطني. هي موجودة في طرابلس لكنها ليست فاعلة. الكتائب المسلحة، أي الميليشيات، هي التي تحكم. يأخذ (شباب الميليشيات) رواتبه من حكومة السراج، فهذه الحكومة لا خيار أمامها إلا أن تُعطي (الأموال). وجودها في طرابلس مرهون باستمرارها في دفع رواتب هؤلاء الشباب (أعضاء الميليشيات).

الخبير الدولى الاستراتيجي ينعت حكومة السراج وشباب الكتائب بطرابلس بأسوأ الأوصاف حين يشير بكل وضوح أن كتيبة النواصي هي جزء من السلطة الفعلية، وأن السراج لا يستطيع البقاء دقيقة واحدة إلا بموافقة الكتائب المسلحة بما فيها الحرس الرئاسي. ولكنه تمادى حين قال بأن السبب الوحيد وراء سماح الكتائب للسراج بالبقاء في طرابلس هو دفعه رواتبهم، فهو يضع شباب الكتائب المسلحة في خانة المرتزقة. والكرة الآن في ملعب السيد هاشم بشر وكتيبة النواصي ليوضحوا لنا هل هم فعلا مرتزقة يعملون مع ولمن يدفع أم أنهم ثوار يقومون بحماية الثورة والعاصمة ويحاربون الجريمة المنظمة وتجار المخدرات ومهربي البشر .

قال: “ما فعله المجتمع الدولي هو أنه بدأ بحكومتين (حكومة عبد الله الثني في الشرق وحكومة خليفة الغويل في طرابلس) وأضاف إليهما ثالثة (حكومة السراج). بدل أن يوحّد الحكومات المتشرذمة، زاد الأمور تشظياً.

الخبير الدولى الاستراتيجي مصر على أن الحكومات الثلاثة هي من صنع المجتمع الدولي، فهو من كوّن ـ حسب كلام الدكتور ـ الحكومات الثلاثة فبدأ بحكومتي الثني والغويل ثم أوتر بحكومة السراج. الدكتور وضع اللوم على المجتمع الدولي عن حالة التشرذم والتشظي للوطن ونسى أنه وتحالفه كان من ضمن الذين شاركوا في هذا بامتياز، طبعا لم يحدد لنا من هي الدول التي ساهمت بشكل أكبر في هذا الوضع هل يقصد دول الغرب (فرنسا،أمريكا، بريطانيا، إيطاليا) التي كان أحد المساهمين في استجلابها منذ بداية الانتفاضةكما يسميها بصفته رئيس المكتب التنفيذي (مجلس وزراء الثوار) أو أنه يقصد (تركيا وقطر والسودان) التي يتهمها تحالفه بأنها تدعم الإسلاميينأم هي (مصر والإمارات والسعودية) التي تدعم اللاإسلاميينوتمثل محور الثورة المضادة.

يقول محمود جبريل: “أتوقع أن ينخرطوا (الأطراف المتصارعة على السلطة) في حوار جاد حولها (المبادرة). وعندما ينتهي هذا الحوار بالإضافة والحذف والتعديل تصبح مبادرة جامعة وليست مبادرة التحالف الوطني فقط.

الخبير الدولى الاستراتيجي يسوق لمبادرته من خلال الايحاء للقارئ بأنها الحل السحري لمشاكل ليبيا، وأن الأطراف المتصارعة (عندما تقرأها) ستدخل في حوار جاد (حولها)، وأنهم بعد ذلك سيتبنونها على أنها مبادرة جامعةوليست مبادرة (التحالف) فقط. والسؤال الملح هو ألم يتابع الدكتور جولات الحوار التي خاضهتا الأطراف المتصارعة (ومن بينهم أعضاء في تحالفه) لأكثر من سنة والتي كانت في كل جولة من جولات الحوار تدفع بالأزمة إلى المزيد من التعقيد وبالبلاد إلى المزيد من التشظي والتشرذم كما يصف هو حالة الوطن. فهل يعتقد الدكتور أن مبادرته هي التي ستسحر أطراف الصراع وتجعلهم يتوافقون عليها؟

فنرجوا ذلك وعلى ايديكم نحجوا كما يقول المثل الشعبي الليبي .

نتوقف هنا ونعود للبقية في الجزء الثاني

___________

مواد ذات علاقة