حاوره كميل الطويل
هل تكون الثالثة ثابتة؟. سؤال لا بد أنه يتبادر إلى ذهن الدكتور محمود جبريل وهو يستعد، كما يبدو، لخوض غمار المنافسات الانتخابية من جديد في ليبيا. فما يضمن أن تحالف القوى الوطنية الذي يقوده سيُسمح له بالوصول إلى السلطة لو فاز في الاقتراع المقبل، بعدما «سُرق الحلم»، كما يقول، في الاقتراعين السابقين عامي 2012 و2014؟ سؤال مشروع بلا شك.
الجزء الثاني
ليبيا قليلة السكان وشاسعة المساحة. وهناك خطر ديموغرافي حقيقي بتضخم الكتل السكانية غير الليبية جنوباً وشرقاً وغرباً. وفي حين أن النمو السكاني الليبي يتناقص، نجد أن كل الدول المحيطة بليبيا تتضخم سكانياً.
خطر توطين ملايين الأفارقة
والمفارقة أن ليبيا مع قلة سكانها هي الدولة التي تمتلك عائدات نفطية ومالية، وشاسعة المساحة. وقد بدأ بعض الدوائر الأوروبية يدفع في هذا الاتجاه: بما أن ليبيا كبيرة المساحة وقليلة السكان وتتوافر فيها الثروة، فإنها تستطيع أن تستوعب ما بين 40 و50 مليون أفريقي، فلمَ لا تكون وطناً بديلاً للأفارقة، ونحل بالتالي مشكلة الهجرة غير الشرعية. وطبعاً مثل هذه المجادلة تغري كثيرين.
هل سمعت فعلاً مَن يطرح مثل هذا الطرح؟
يُقال إنه متداول في بعض الكواليس الأوروبية، وليس خافياً على أحد أن رئيس وزراء المجر قال في تصريح علني قبل شهور قليلة إنه لمَ لا يتم توطين الأفارقة في ليبيا. هذا التصريح موجود وموثّق.
وما أقصد أن أقوله إننا عندما نبني جيشاً في ظل مثل هذه الظروف (قلة السكان، وكبر المساحة، وتوافر الثروات، والتهديدات المحتملة) فقد توصلنا إلى أن الجيش يجب أن يكون وفق ما يُعرف بـ«الجيش الذكي» وهو شبيه بالجيش الإسرائيلي: سلاح جوي ضارب، قوي للغاية، لتجسير مشكلة مساحة المكان، وحرس حدود قوي، واعتماد قوي جداً على التقنية، مع احتياطي يصل إلى 100 ألف مقاتل تتم تعبئتهم عند الحاجة فقط. وطبعاً يكون الجيش خاضعاً –كما في كل الدول– للسلطة المدنية.
يحكي الكثير حالياً عن دور لسيف القذافي في مستقبل ليبيا؟ هل المبادرة التي تتحدث عنها تأخذ في الاعتبار فكرة استيعاب أنصار النظام السابق؟
المبادرة مطروحة أمام كل من يرتضي الدولة المدنية ويتحدث عن مستقبل ليبيا لا عن ماضيها. ماضي ليبيا لو كان مُرضياً لما قامت انتفاضة 17 فبراير. الكلام عن أن الانتفاضة كانت مؤامرة كلام فارغ لا أحب حتى الخوض فيه. الانتفاضة استُغِلت. كانت حراكاً شبابياً عفوياً استُغل من قبل القوى المنظمة والممولة والمدعومة خارجياً ونحت بها إلى منحى آخر، ولكن يجب ألا نحرم هؤلاء الشباب حقهم في أنهم قاموا بانتفاضة حقيقية عفوية تطالب بغد أفضل.
أي شخص يدعو إلى لمّ شتات الوطن، والتداول السلمي على السلطة، وغد أفضل لليبيا، وحقوق مواطنة متساوية من دون إقصاء لأحد ودولة يحكمها القانون، فهو لا شك سيكون شريكاً في بناء هذا الوطن. وقد تحدث معي بعض أتباع النظام السابق.
جلسنا وتحاورنا كثيراً، وكان الحديث في أمرين: الأول أن السيئ أدى إلى الأسوأ، والثاني أن الأولوية المطلقة الآن هي للحفاظ على وحدة الوطن التي أصبحت مهددة، وبناء الدولة في أسرع وقت ممكن، وإصدار وثيقة يحتكم إليها الليبيون، سَمِّها دستوراً أو ميثاقاً وطنياً.
بالنسبة إلى الجرائم التي ارتُكبت، فالأفعال الجنائية لا تسقط بالتقادم، سواء ارتكبها أتباع النظام السابق أو من يُحسبون على انتفاضة فبراير. الجميع سواسية أمام القانون ولا تزر وازرة وزر أخرى. الجناية مرتبطة بالشخص لا بقبيلة أو مدينة أو نظام. وكان هناك توافق مع أغلب الناس الذين تحاورت معهم على هذه الأسس، وأنا أتصور أن السيد غسان سلامة سيدعو بعض أنصار النظام السابق لحضور المؤتمر الجامع الذي ينوي عقده في فبراير المقبل.
إذا كان هناك بعض ممن يُحسبون على النظام السابق يدعون إلى الانتقام وإعادة النظام السابق فهذا ضد حركة التاريخ، وضد أماني الشعوب وتطلعاتها إلى مستقبل أفضل. إذا كان هناك أشخاص أخطأوا فتجب محاسبتهم، لكن أن تعيد النظام مرة أخرى وتعيد عجلة التاريخ، فالتاريخ ينطلق إلى الأمام ولا يدور في حركة دائرية.
هل تقصد بالمحاسبة على الجرائم سيف القذافي كونه مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة جرائم حرب؟
موضوع سيف معلّق مع المحكمة الجنائية الدولية كونه مطلوباً لديها. القانون الدولي يسمو على القانون المحلي. هناك حكم قضائي صادر بحقه من محكمة في طرابلس، ومع ذلك فقد صدر قانون عفو عام عن البرلمان الليبي، وهناك من يقول إن هذا القانون ينطبق على سيف. القضية تظل قانونية: هل القانون المحلي يُبطل قرار المحكمة الجنائية الدولية بالمطالبة به؟ لا أعتقد ذلك. فالقانون الدولي يسمو على القانون المحلي. هذه معضلة.
أنا أتمنى على المهندس سيف أن يكون خطاب المصالحة وخطاب لم الشمل هو الذي يسمو على أي رغبات أخرى، لأن الوطن كله تعرض للمآسي ويندر أن تكون هناك عائلة ليبية واحدة لم تفقد أحداً من أفرادها، وبالتالي فإن ما حدث شمل الوطن كله ولم يشمل قبيلة معينة أو مدينة أو أسرة.
ويمكن أن نتحدث في سبب الوصول إلى ما وصلنا إليه من خلال حوار ناضج وعاقل يهدف إلى الوصول إلى كلمة سواء لا إلى توجيه أصابع الاتهام. الاتهام لا يحل مشكلة، ومحله المحاكم.
نحن في حاجة إلى تأسيس فهم مشترك الآن، وبالتالي الوصول إلى لغة مشتركة حتى يكون هناك حوار، ولذلك بدأنا بالثوابت عندما تحاورنا مع أتباع النظام السابق. أما سبب ما حدث فيؤجَّل. إما أن يكون مكانه المحاكم، وإما أن تكون جلسة مصالحة حقيقية تُطرح فيها كل الاتهامات والادعاءات، وليس هناك أحد فوق القانون سواء من أنصار النظام السابق أو مَن يحسبون أنفسهم على الانتفاضة. وهناك مغالطة يقع فيها كثيرون وهي مقارنة نظام سبتمبر (أيلول) بما يسمونه نظام فبراير.
سبتمبر كان نظاماً استمر قرابة 42 عاماً ولديه كتابه الأخضر ونظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي. اتفقت معه أم اختلفت، كان نظاماً، وسُمّي النظام الجماهيري.
فبراير انتفاضة لم تتحول إلى نظام بل إلى فوضى. لم يكن هناك مشروع يلتف حوله الليبيون لخلق نظام جديد. بالعكس، كانت فرصة وضاعت. بعد
الانتفاضة كان يمكن ذلك (بناء نظام جديد). انتخابات يوليو (تموز) 2012 كانت فرصة لبداية تأسيس نظام. للأسف تلك الفرصة سُرقت وبقوة السلاح نتيجة انعدام الوعي لدى رجل الشارع الليبي الذي وقف وحلمه يُسرق من أمام عينيه ولم يُحرك ساكناً.
مَن سرق ذلك الحلم؟
سرقته القوى الممولة التي اعتقدت أن هذا (فوز التحالف) انقلاب على الثورة. قوى الإسلام السياسي هي التي فعلت ذلك. رفضت تلك القوى نتيجة الانتخابات، ثم أصدرت قانون العزل السياسي بدعوى تحصين الثورة، مع أنهم هم من انقلب على شركاء الانتفاضة. الانتفاضة ضمت شرائح عديدة من الليبيين فكيف تحتكر لنفسك (الإسلاميين) حق ملكية انتفاضة بحجم وطن؟
لم يتجاوز عدد المقاتلين في كل الجبهات خلال الشهور الثمانية من العنف المسلح خلال الانتفاضة 18 ألف شاب. الذين يسجلون أنفسهم الآن تحت مسمى ثوار يبلغ عددهم 320 ألفاً. تحولت هذه الصفة إلى وظيفة ووسيلة للارتزاق. أقصد أن أقول إنه كان هناك حلم وكان هناك مشروع يمكن أن يتحوّل إلى نظام لدولة جديدة تحوي الجميع، ولا تُقصي أحداً، وتساوي حقوق المواطنة بين أبناء وبنات الوطن الواحد.
للأسف تلك الفرصة ضاعت. وأنا أختلف تماماً مع مَن يقارن سبتمبر بفبراير. لم يكن هناك نظام لفبراير، فبراير انتفاضة تحولت إلى فوضى عارمة وأدت إلى إهدار ثروات الوطن ودماء أبنائه وفرّطت في سيادته. هذا كله ترتب على سرقة الحلم. أما سبتمبر فكان نظاماً له بعض الإيجابيات والكثير من السلبيات. الدعوة لأتباع النظام السابق هي أن يأخذوا إيجابيات سبتمبر ويشاركوا بها في إقامة النظام الجديد بدل التمسك بالنظام القديم ومحاولة إحيائه. فلو كان النظام القديم صالحاً لما قامت هذه الانتفاضة.
ما مشكلتك مع حكومة شرق ليبيا وجيش المشير حفتر التابع لها؟ قام هذا الجيش بجهد كبير لطرد الجماعات المتشددة من كثير من مناطق شرق ليبيا… لماذا تتحفظ على دعم مشروعه؟
مشروع إقامة جيش وطني لا أحد يختلف معه، لأن إقامة جيش وطني هي الخطوة الأولى في بناء أي دولة. في ظل عدم وجود جيش وطني لا مجال للحديث عن السيادة، ولا مجال للحديث عن حقوق المواطنة، ولا مجال للحديث عن دستور، لأنه من دون جيش يصبح الدستور غير محميّ. فقضية بناء الجيش هي قضية حياتية بالنسبة إلى بناء الأوطان، ولا أحد يستطيع أن يعارضها.
مأسسة هذا الجيش هي قضية القضايا، كي يصبح جيشاً احترافياً حقيقياً يدافع عن تراب الوطن وحقوق المواطنين. كما أن موقفنا من بناء جيش وطني هو من أهم ثوابت تحالف القوى الوطنية حتى قبل انطلاق عملية الكرامة (التي أطلقها حفتر)، ومن يتحدثون عن معارضة التحالف لمشروع بناء الجيش إنما يهدفون إلى الفتنة.
وليست لديك مشكلة بالطبع في أن يكون حفتر قائد هذا الجيش؟
هذه قضية عسكرية يختارها القادة. أنا لا أتدخل في اختيارهم. الأمر يخص القيادة العسكرية ولا أتدخل في قراراتها. كما أنه ليس لديّ أي مشكلات شخصية على الإطلاق مع المشير خليفة حفتر.
وما رأيك في خطة غسان سلامة: لجنة بين المجلس الرئاسي والبرلمان لإعادة صوغ اتفاق الصخيرات، والاتفاق على دستور جديد، وإجراء انتخابات نيابية ورئاسية؟
غسان سلامة يتحدث بشكل تقريبي لا بشكل برنامج محدد. فهمي الشخصي للمبادرة أنه طرح 3 مسارات متوازية وليست متتالية. يعتقد كثيرون أن هذه المراحل متتالية، أي عندما ينتهي تعديل اتفاق الصخيرات ننتقل إلى المؤتمر الجامع، وعندما ينتهي المؤتمر الجامع ننتقل إلى الانتخابات. لكنه يسير في 3 مسارات متوازية.
المؤتمر الجامع الهدف منه إنجاز مصالحة وطنية حقيقية وإخراج ميثاق وطني أو عقد اجتماعي جديد لتأسيس دولة ليبية مدنية تتساوى فيها حقوق الليبيين وتتوحد فيها مؤسسات الدولة. لو فشلت لجنة الصياغة المشكّلة من مجلس النواب ومجلس الدولة في إنجاز قضية تعديل الاتفاق السياسي وتضمينه في الإعلان الدستوري قد يكون المؤتمر الجامع منفذاً آخر لإنجاز ما فشل فيه مجلس النواب ومجلس الدولة، باعتبار أن المجلس الجامع سيضم مختلف شرائح المجتمع الليبي.
قضية الانتخابات مرهونة بثلاثة أشياء رئيسية: إيجاد إطار مرجعي تتم على أساسه الانتخابات، وميثاق وطني، وهو ما قد يُنجز في المؤتمر الجامع، أو بالاستفتاء على صيغة الدستور التي أكملتها الهيئة التأسيسية للدستور، أو بصدور قانون انتخاب من مجلس النواب، ثم ثالثاً وهي النقطة الأهم: توافر البيئة الآمنة لإقامة الانتخابات، وتوافر القناعة والتسليم الكامل والقبول بنتائح الانتخابات.
وهذه النقطة الأخيرة بالنسبة إلينا نحن في تحالف القوى الوطنية هي أهم النقاط. لأننا أُقصينا مرتين بالقوة. أفقد هذا الإقصاء العملية الديمقراطية صدقيتها، وأخشى أن الإقبال على الانتخابات سيكون ضعيفاً لأن أحلام المواطن، في كل مرة، تتبخر ولا تتحول إلى حقيقة مع تحوّل صندوق الاقتراع إلى أكذوبة.
هل تخططون، إذاً، كتحالف وطني ومن ضمنه أنت، للترشح وخوض المنافسة في الانتخابات المقبلة؟
البيئة الآمنة والتسليم بنتيجة الانتخابات في غاية الأهمية للانتخابات المقبلة. فلو أقيمت الانتخابات في ظل الوضع الحالي سيحكمها السلاح والمال والإعلام، ولن تكون هناك فرصة لتنافس بين برامج انتخابية حقيقية يختار من بينها المواطن ما يرى أنه ينقذ الوطن.
هذه وجهة نظري. لكن لو توافرت البيئة الآمنة وتوافر التسليم بنتيجة الانتخاب وكانت هناك فرصة لطرح برامج انتخابية حقيقية يتم التنافس عليها، لكان الأمر متروكاً لتحالف القوى الوطنية ليقرر من يرشح، ولكن قطعاً مثل هذه الانتخابات سنشارك فيها. ولكن الاقتراع في ظل الوضع الحالي سيكون تنافساً في المال والسلاح.
__________