بقلم المهاجر
اطلعت، كبقية الليبيين المتابعين لتصريحات النخبة السياسية الليبية وخاصة الذين عرفوا واشتهروا بتصريحاهم “المهمة” و “الجريئة” مثل الدكتور محمود جبريل، أحد قادة ثورة 17 فبراير المجيدة (!)، وزعيم وقائد حزب “تحالف القوى الوطنية” والخبير الدولي المعروف.
وبعد قراءة متأنية لكل كلمة نقلتها “الشرق الأوسط” عن الدكتور جبريل، صُدمت بكمية المغلطات والمعلومات المضللة التي تفوه بها الخبير الدولي ما دفعني للقيام بمحاولة التعليق على تلك التصريحات بما توفر لدي من معرفة بالأوضاع في ليبيا كمواطن ليبي مغترب عن الوطن منذ عدة سنوات. وحيث أن المقابلة طويلة نسبيا، فإني مضطر لتقسيمها إلى عدة أجزاء.
الجزء الثالث
يقول محمود جبريل: “(الحلم) سرقته القوى الممولة التي اعتقدت أن هذا (فوز التحالف) انقلاب على الثورة. قوى الإسلام السياسي هي التي فعلت ذلك. رفضت تلك القوى نتيجة الانتخابات، ثم أصدرت قانون العزل السياسي بدعوى تحصين الثورة، مع أنهم هم من انقلب على شركاء الانتفاضة. الانتفاضة ضمت شرائح عديدة من الليبيين فكيف تحتكر لنفسك (الإسلاميين) حق ملكية انتفاضة “بحجم وطن؟
الخبير الدولي الاستراتيجي مصر على أن التحالف هو الوحيد المؤهل والجدير بحكم ليبيا برئاسته، وبالتالي ينبغي إقصاء أي قوى أخرى يمكن أن تنافسه وهو مهووس مثل أقطاب الثورة المضادة بغولة “الإسلام السياسي” ولنكن أكثر شفافية ونقول أن المقصود بالإسلام السياسي هو أي إنسان أو جماعة أو حزب أو هيئة أو فرقة أو تجمع يعتقد ويؤمن بأن من واجب ومن حق الإسلام الحركي أن يكون له دور فاعل في تغيير المجتمع الليبي. فالدكتور جبريل يريد إقصاء كل إنسان متدين واع لدور الدين الإسلامي في حياة الناس وفي حركة المجتمعات المسلمة، وما أن يعلم أنك من هذا النوع فلن يتردد عن أقصائك واتهامك بكل التهم التي تطلقها أدوات الثورة المضادة للربيع العربي. التهمة التي أكثَرَ جبريل من ترديدها في الفترة الأخيرة هي أن “الإسلام السياسي” سرق حلم شباب الثورة والعلة تكمن في التوقيت حيث أن ليبيا قد تدخل في مرحلة الحل السياسي بعد انتفاء أمكانية الحل العسكري، وذلك يعني التفاوض والمقايضة بين أطراف الصراع على المرحلة القادمة والتي من أدواتها مؤتمر المصالحة الجامع والإنتخابات الرئاسية والتشريعية، وبالتالي نتوقع من أعداء التيار الاسلامي العمل على إقصاء أي شخصية إسلامية قد تنافس عناصرهم سواء على مستوى الرئاسة أو الأجهزة التشريعية والتنفيذية أي أن الدكتور جبريل يتمنى ألا تتمكن أي شخصية إسلامية من البروز في المشهد السياسي القادم في أي موقع مؤثر، ولذلك يلجأ إلى أساليب الشيطنة والتضليل والإدعاء على الأسلام السياسي.
يقول محمود جبريل: “لم يتجاوز عدد المقاتلين في كل الجبهات خلال الشهور الثمانية من العنف المسلح خلال الانتفاضة 18 ألف شاب. الذين يسجلون أنفسهم الآن تحت مسمى “ثوار يبلغ عددهم 320 ألفاً. تحولت هذه الصفة إلى وظيفة ووسيلة للارتزاق.
الخبير الدولي الاستراتيجي أورد هذه الإرقام ليقول لنا بأن صفة الثائر تحولت إلى وظيفة ووسيلة للإرتزاق، فهل نفهم من ذلك أن الذين سرقوا الحلم هم الذين جاءوا بمئات الألاف من الناس ونسبوهم إلى الثوار وكلفوا بأن يحولوا وظيفة الثائر إلى المرتزق وتعم الفوضي والجريمة المنظمة والخطف والإغتصاب وتجارة العبيد.
لعله من المفيد إبراز الحقائق التالية بالنسبة للأعداد التي يقول الدكتور جبريل أنهم يسجلون أنفسهم الآن تحت مسمى ثوار ويقدر عددهم 320 ألفاً:
بداية نقول بأن عدد الثوار خلال الثورة أقل بكثير من 18 ألف بل في بعض المناطق لم يزيد عن المئات وهؤلاء معروفون بقادتهم ومناطقهم ومواقفهم وانتماءاتهم وكثير منهم ترك سلاحه وأصبح في عداد المهمشين والمنبوذين.
أما بالنسبة لمئات الألاف من الأشخاص الذين أصبحوا بين ليلة وضحاها من الثوار فهم ليسو من الثوار بل هم جنود الثورة المضادة ويمكن تصنيفهم في كالتالي:
أولا: عشرات الألاف من جنود وضباط القوات المسلحة، والكتائب الأمنية العسكرية ومن أعضاء اللجان الثورية والأمن الداخلي واللجان الشعبية والمؤتمرات الشعبية والأمن الشعبي والحرس الثوري والطلاب الثوريين في النظام السابق الذين تم توجيههم وتمويلهم من قبل قيادات الثورة المضادة في الخارج، بعد شهرين من التربص، للإنخراط بأعداد كبيرة في الميليشيات والكتائب المسلحة. ولعل أبرز هذه المجموعات أولئك الذين التحقوا بكتيبة القعقاع والصواعق، والحرس الجامعي وحرس الحدود. بل أن الكثير منهم كلفوا باختراق الأحزاب (بما فيهم التحالف) وما يسمى بمؤسسات المجتمع المدني .
ثانيا: عشرات الألاف من المجرمين الذين أُطلق سراحهم قبيل سقوط مدينة طرابلس، وهم مجرمون محترفون صدرت فيهم أحكام قضائية بالمؤبد والسجن لسنوات طويلة بسبب تورطهم في جرائم القتل والاغتصاب والسرقة والتهريب والمتاجرة في المخدرات والدعارة وغيرها . هولاء هم الذين يسيطرون على نشاط الجريمة المنظمة حاليا (أدارة السجون والمعتقلات غير الشرعية، والهجرة غير القانونية، وأسواق العبيد، وتهريب النفط، والسوق السوداء، ..ز الخ)
ثالثا: عشرات الألاف من الموظفين الذين يمثلون الدولة العميقة المنتشرة في مؤسسات الدولة وعلى جميع المستويات، بما فيها الحكومات المتتالية والمؤتمر الوطني العام والبرلمان والكثير من الوزارات. فهؤلاء ينتمون للميليشيات رغم أنهم محسوبون على الكادر الوظيفي ويستلمون مرتباتهم بالإظافة إلى ما يحصلون عليه من نشاطات الجريمة في كتائبهم.
رابعا: عدة آلاف ممن ينتسبون للتيار السلفي المدخلي ويعملون في الكتائب المسلحة التي ارتبطت بأجهزة الداخلية في الحكومات المتتالية، هم يرفعون شعار مكافحة الجريمة ولكنهم يعملون بأجندة لا تختلف كثيرا عن أجندة الثورة المضادة، بل أن دورهم في الجرائم التي ارتكبتها قوات الكرامة في مدينة بنغازي والمنطقة الشرقية لا تخفى على أحد.
***
أكتفي بهذا القدر من التعليقات حول ما قاله الدكتور محمود جبريل في حواره مع صحيفة الشرق الأوسط، ويظل لدي استفسار بسيط وخارج موضوع التعليقات، يتعلق بخلفية الصورة التي ظهرت فيها لوحة مبروزة لسيدة ما، لا ندري إن كانت من قبيل الصدفة أو أنها مقصودة وتحمل رسالة ما!!.
________________